عندما تكتب المرأة بماء الورد

 

مدخل
تعدّ عزة بدر نموذجًا جادًّا بين الكاتبات المصريات على المستوى الإنساني والإبداعي بحسِّها الراقي وقدرتها على خلق العاطفة، فقد نسجت منظورًا متميزًا لشكل العلاقة بين الكتابة الأدبية وإبداع الذات وسط نسق عالم شعري منفرد ورؤية عاطفية واعية لعملية الإبداع، فباحت بثمانية وثلاثين قصيدة تحت عنوان (مكتوب بماء الورد) انطلقت منها إلى عالمها الشعري الخيالي لتضيف إليه من واقع الحياة الاجتماعية، وخضعت فيها -أحيانًا- لبعض القيود المجتمعية التي تقيد المرأة بتاج الكبرياء حتى ظهر الاتصال الجدلي بين الذات وموضوعات القصائد، ويعد التفاعل النصي لكل قصيدة من قصائد الديوان عالمًا متصلاً كاملاً ومنفصلاً في الوقت ذاته بوصفه إشارات لحالة الذات التي تنطوي على معانٍ كاشفة عن حالها ومستترة معًا، وقد أعلن التكثيف الفني لهذه القصائد عن نفسه من خلال امتلاك أدوات شعرية ولغوية وإيقاعية ثرية.

المكتوب بماء الورد
مكتوب بماء الورد يتوزع بين العنوان الرئيس -وهو في الوقت نفسه أحد عناوين الموضوعات الداخلية- وبين عناوين القصائد الداخلية، ويعود مصدر العنوان الرئيس وهو المصور الأول للنصوص إلى القصائد الداخلية، وقد حمل شحنة دلالية عبرت عن حالة الذاتية الموجهة للآخر وهو صاحب الحُبّ المُعاتب البطل الساكن الصامت سيد القلب وسيد المعاني الوهم الذي لا يجيء، وتكررت لفظة الورد (25) مرة على مدار القصائد بدلالات تفوح منها رائحة بتلات الورد وكأن رحلة العمر الجميلة كتبت بأجمل الروائح، فيراد بهذا المكتوب الحياة، أو الحب، أو رحلة العمر بين الممكن واللاممكن والمُنتَظَر وغير المُنتَظَر، أو الحلم والواقع معًا، أو صرخة الذات الزاهدة والواصلة، فقد حمل هذه العنوان معنى أكثر اتساعًا وشمولية لشكل الاتصال والانفصال النصي على مدار النصوص بدلالة بعدي الزمان والمكان فجاء كاشفًا عن مراميه، فهو أداة مكثفة وضعتها الذات لتخبر به الآخر عن مكنون ذاتها وعن استمرار حركة الكتابة، أما العناوين الداخلية فتتعالق دلالاتها مع العنوان الخارجي؛ وجاءت منتقاة كالجواهر بين (دافئ وممطر معًا، وللحب أغنِّي، قطر ندى، على موعد، القمر والكلمات، ثروة من الحنان، حتى يشاء، حُب، كل عام وأنت سيد القلب وسيد المعاني، تطريز خفيف على قمصان العشاق، تكوين، مكتوب بماء الورد، في البدء والمنتهى، أمطار مؤجلة، عاصفة في فنجان، مغامرة، لكل عاشق وكل غزال، امرأة وسمكة، رحلة الشتاء والصيف، عرائس بحر، دمع وابتسامة، آخر الليل، على يد الأمواج، نقطة النور، امرأة من الطابق الثالث، في غياب قمر، عطر الحياة، لا امرأة كاملة الروح، لآخر لحظة أنثى، الخروج إلى النهار، مشهد من حياة قطة، على مقهى قرب البحر، اللعبة، أمومتي، حرية، بريق عينيك، طعم الشغف، ومن البستان)، وهي عناوين تتألف من عناوين مفردة وأخرى مركبة تتسق وحالة الذات المرتبطة باختلاف حالاتها المتنوعة التي تتمنى وترفض لتختصر ذوات كل امرأة في ذاتها، وقد استقطب العنوان السياقات النصية كلها إذ اختزن إشارات كثيرة لحالة النفس.

الأنا الشاعرة
تذوب الأنا الشاعرة ذوبانًا مقصودًا في أنا الآخر الذي تعاتب به زمنها أسيرة لبكارة ريشته ومستسلمة لخطوط الزمن الغائرة، وبغير انحناءة تنتظر اللامنتظر لا تخشى من تجاعيد هذا الزمن ولا تخجل من نبتات خصلات الشعر الأبيض، عمرها كله يتكون ما بين مرحلتين قبله وبعده، وبالمثل يذوب الآخر في الذات مبدعًا صورها المختلفة، تحكي (تكوين) فتقول:
أسيرةُ هذا الوجه
هذا التَّصور
ونظرةٌ حَيْرَى
وبِي تُحَدِّق
ترسِمُنِي وكَأَنَّنَي أَلْفُ امرأة
فمرةً كطفلةٍ وَسْنَى
سَاجيةُ الطَّرْف
ومرةً أنْثَى ترتب مَوْضِعًا
لمَخْلبِ قطةٍ متوحشة
أو أرنبٍ مُسَالم
على ذِرَاعَيْهَا ينَام
بأعينٍ بريئة
يُمسي ويُصبح
وربما تُجَرِّب فروَ ثعالب على العنق
ومرةً…. ومرةً…
أسيرةٌ لريشتك
تغمسُها في الحبرِ تُغدق
أسيرةُ الخطوطِ غائرة على خدي
إضمامة الكفين
على كياني
وفي الخماسين
أواجهُ الرياحَ بكل عنفوانها
عاصفة بي
لا أنحني
فإذ بي صدِّق أو لا تُصدِّق
الآن ترقصُ
كزهرةِ نرجسٍ
أو عشبةٍ خضراء في قلب الصخور
للتوِّ، تنبت
أسيرةَ الفرح
في عينيك
وكل هذا الدمع كُحلي
قل لي بأي ريشةٍ صوَّرتني؟
بأي حبر هِئْتَ لي
من هذه الأنهارِ جدول؟
وهذه السماء كيف جعلتها
ليديَّ أقرب؟
كنت ككل امرأةٍ
أخشى نبتةَ كُلِّ خصلةٍ بيضاء
أصبغها بدمي وحتى لا تُرى أدفنها بين الخُصل
بعدك
أتركها تاجًا من الفُل
والياسمين أبيض.. أبيض
بعدك
لكل وردةٍ وكُلِّ خصلةٍ بيضاء في شعري سلام
لكل هذه التجاعيد التي مسستَ بريشتك
مني السلام
ولكل لونٍ من ألوانها
على كلا الخدين يَقْطر
كمشهدٍ في لوحة
عمري
كلحظةٍ من صمت
أبْلغ من كل الكلام
.. هذا العمر كما رأيته الآن
أعمق
تاريخي كله مرحلتان
قبلك…
بعدك….
وليس أكثر

والأسئلة التي لابد أن تدور حول هذا المكتوب بماء الورد هي: هل الذات المبدعة كتبته على حافة الانهيار النفسي أم من مصدر القوة؟ وكيف أنها استطاعت أن تحوّل الصمت والبوح إلى كلمات تنبئ عن جوهر المشاعر وعن كنزها من الكلمات في لحظات السكون وبين السطور وفي الهوامش المسكونة بالبياض معانقة لوجودها؟ وكيف نجحت في جدل التناقضات النصية؟

ملجومة هي إذن على مدار قصائدها بسلطة الماضي وبقوة الحاضر الأعمق، متمردة على الآخر راضية عنه وما زالت مرتبطة بوجوده مستسلمة له لا تملك التحرر منه، وهنا تتصل العلاقات الجدلية المتنوعة للذات المبدعة لأطراف ثنائيات عدة من خلال التفاعلات النصية بين الذاتي/الموضوعي، الأنا/الآخر، الحرية/فقدان الحرية، الحلم/الواقع، الاستسلام/القوة، الثبات/التغيير، ولا تفرغ جعبتها من الإبداع ليصبح عمرها كله بين لحظة من الصمت وبين آن حاضر وهنا يضفي التصالح النسبي على النصوص الشكل الذي يجعلها تنمو بطريقة طبيعية لتطور الأحداث التي تدور على النمط النفسي حتى يكون التصالح مع الواقع ممكنًا. فتقف الذات تتأمل مفردات حياة كاملة وعمر جديد تتعدد بهما أوجه التجربة، فهي شخصية حية وذاتية تنظر إلى نفسها، وتتفاعل مع الآخر الذي هو جزء من الواقع للخروج من اللاشيء.

لعبة الاستفهام
شاع استعمال الاستفهام في مكتوب بماء الورد، ويرجع ذلك إلى القدرة الأدائية له، وتتحدد وظائفه في التعبير عن العلاقات الداخلية بين أجزاء الجملة، وقد شكَّل الاستفهام النحوي نمطًا واضحًا لطبيعة النصوص التكوينية التي تخبر عن واقع حال الذات بما كانت وبما تكون عليه، واستُخدمت أدواته المتعددة بكثرة ذات الطبيعة الخاصة، واتسع امتداده ليتوزع بين (21) قصيدة من (38) قصيدة أي أكثر من نصف عدد قصائد الديوان، وهذا ليس ببعيد عن طبيعة الذات الهادئة التي لا تملك إلا العتاب ولا حيلة لها سوى حيرتها، ومن أدواته تقول:
وما القمر؟
إن لم تعرفه الآفاق؟
لن يشتاق لغيري
ما تلك الهالة؟
إحدى حالات النور
لم تعرفها.. هي خصلات من شعري
تهدَّلتْ في جُبِّك المسحور
ما تلك الأنجم؟
ما الأفلاك؟
ومنه أيضًا تقول:
يا توأم هذا الجسد
هل أحببته؟
… هل أحببتني؟
فقد مسَّ الاستفهام طبيعة الذات المتغيرة الذي يخبر عن واقع حالها القلق والمعاتب اللائم لواقعها وواقع هذا الصامت الغائب، وجاء على مدار النصوص لطلب الفهم وللإخبار بالحال، وكان لقوة الاستفهامات إتاحة قوة مديدة، تتمثل في القوة المباشرة للسؤال التي أثرت بدورها على طبيعة الخطاب.

والكاتبة الدكتورة عزة بدر من مواليد القاهرة كاتبة صحفية بمجلة صباح الخير، مؤسسة روز اليوسف منذ عام 1985، حصلت على الدكتوراه في الإعلام قسم الصحافة والنشر جامعة القاهرة عام 1995، صدر لها العديد من المؤلفات الشعرية منها: (ألف متكأ وبحر)، و(هذه الزوايا وفمي)، و(يا حُب)، ومن أعمالها القصصية: (أعناق الورد)، و(صورة للعائلة)، و(موجة دافئة)، و(على باب الدنيا)، و(قميص البحر)، ومن كتبها أيضًا: (رمضان الذي نعشقه)، و(القاهرة الساحرة)، و(تجديد الخطاب الثقافي)، (الحياة في مقام الحيرة: قراءة في قصص نجيب محفوظ المجهولة) (مقالات) ومن أعمالها الروائية: (في ثوب غزالة)، ولها العديد من المؤلفات الأخرى، حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب (أدب الرحلة) عام 2002 عن كتابها “أم الدنيا” صورة قلمية في وصف القاهرة والناس.

لا تعليقات

اترك رد