مفيدة الديوب تشعل البؤر ، حتى يكون التدفق غزيراً

 

حين تقول مفيدة الديوب : ” الفن معطى روحي آخر ، و وسيلة تهذيب نفسي و تنقية السلوك البشري من الشوائب ، الفن نهوض و إرتقاء و لا مكان في فضائه للتطرف و الجنوح الجرمي و التدمير ، فالفنان يحمل ريشة و لوناً و ليس سلاحاً ، و الأحمر ليس دماً مراقاً و إنما رمز دفء و حب ، و الأبيض ليس كفناً و إنما حمامة سلام بيضاء ، و من هنا و من الأداة و الرمز النبيل يتم بناء الإنسان السوي و تبنى الحضارات .. ” أقول حين تقول مفيدة ديوب مديرة الفن الحديث بدمر في دمشق ذلك فهي تدرك تماماً ما ترمي إليه و ما تومىء به ، و هي ترسم بهذه الكلمات الفن كإحساس متقد ينسكب في العمق نحو مدارات الحب و الحياة ، يسافر في الداخل كحلم يقود عاشقاً وديعاً نحو ذكرى تنام في ثناياه ، أو نحو مدى على حوافها تنام معشوقته عله يفاجئها برؤيته و برؤياه الطافحة بالشوق و اللقاء ، حين تقول ديوب ذلك و هي مفعمة بالحماس و الثقة و الحياة فهي تكشف عن أهمية الفن في بناء الإنسان و بناء مساراته بتحولاتها الكثيرة ، لا تخشى تبيان الحرص على التوكيد بأن غاية الفن هي تغيير الإنسان و تجميل حياته و بنائها .

لقد تمكنت الديوب و بنبرة طافحة بالأمل من الدعوة إلى تخليص الفن مما يعصف به من برد و زكام و دم ، وإنتشاله من بين الزوابع التي باتت لا تنجب إلا نفسها ، التي باتت تفترسنا و تفترس ألواننا ، فديوب تتنفس الأبيض مهما كان الأسود عاتماً ، و الأزرق داكناً ، و الأحمر قاتماً ، تتنفس الجمال مهما كان القبح قائماً ، فهي تطمح بمشاريع و أحلام تحيي الموتى ، و ترسل الروح في اليباس الذي بات يأكلنا جميعاً ، فهي لا تهدأ من أجل تلك ، بل تكاد تشكل مجمل هواجسها و إرهاصاتها ، فيعتمل في دواخلها ينابيع من الأحاسيس و العواطف التي تدفعها بالضرورة نحو تناقضات تلتقي في عملها ، فليس غريباً أن نجد الصرخة و الصمت معاً ، البارد بجانب الحار ، الأمل يتكىء على الألم ، و هذا يسجل لها

فالحسرة التي تتلبسها ، و القلق الذي يرافق أصابعها و الحيرة التي ترقص في عينيها على ما يجري بحق الإنسان و الحياة كافية أن تكون أجواءها داكنة لكن بوجود طاقة مبعثرة فيها تنتظر منا التأمل كله ، و هذا يؤكد أن الرياح التي ترسلها في فضاءاتها ليست ذاتية النكهة ، و لا ذاتية القدرة بل لافحة بالعنف و الهدوء معاً و هذا مؤشر على ذلك الكم الكبير من المؤثرات الحسية التي تضج بها أعمالها النحتية منها و التصويرية ، فلو تأملنا المكونات البنائية لها مع الأخذ بعين الإعتبار ذلك الوضع من التباين و الإختلاف التي تستجيب لإختياراتها إلى حد ما و المرتبطة بعمليات بحثية وبما تشبع رغباتها في موضوعات هي أقرب إلى تجاورات قديمة / محدثة ، موضوعات إحيائية غير وافدة ، ستجعلنا ندرك أهمية الكشف عن المغزى و المبنى من منظور مغاير ، من منظور لا يسعى وظيفياً بل قيمياً يستجيب لشروط الكشف و زمنها .

مفيدة الديوب رغم تألمها الكبير إلا أنها تسكن داخل الأمل كما يسكن الأمل داخلها ، فهي لا تذري إحساسها الدافىء و الحار في الريح ، بل تبثها بأعمالها و بروحانية تعبيرية تكاد تسيطر على مجمل حركيتها دون أن تقع تحت سيطرة الذاكرة ، و تنقل الأحاسيس بإيقاعية ملهمة ، مستمدة من تشظي المدى كإندفاعات ضوئية لونية تتقاسم بياضها و فعلها الإبداعي على نحو مغاير و منحاز لحقول معرفية لا تحتار في توصيفها و لا في تشبثها بحرية تنويعاتها المشهدية إن على صعيد التمايز ، أو على صعيد التحريض الذي يشي بحرية مكتشفاتها مع الإيغال بعمق في محنة الإحتمالات تهرباً من السقوط في محنة النمذجة

فلديها ثمة ما ستدفعها نحو ترك الثيمات جانباً و إشعال البؤر حتى يكون التدفق غزيراً و عذباً و هنا تكون تشكيلاتها اللونية ذي سحر أخاذ تسهو بك بين صمت حنينها المكتنز بذهول في رؤيتها و بين صخب عالمها الملتحف بملامح نُوَّاحها ، فهي تحمل الضوء بشوق ممتلىء بالحب و اللون و الموسيقا ، و تتأمله لساعات طويلة ، للحظات لا نهاية لها ، ثم تعطيه لمساحاتها برؤى مستقبلية تجعلها تصنع قدرها بأصابعها الممتدة في التاريخ ، فترسم جذورها و تلك التحولات غير المنتظمة لعذاباتها و كأنها على باب مغامرة نحو أعماقها لكشف تداخلاتها المتراكمة في ذلك المخزون المسافر في دواخلها و الذي يكبر ظله بين وجعها و وجع ريشتها .

مفيدة الديوب تتفاعل مع أعمالها النحتية منها و التشكيلية بسوية واحدة ، بنفس واحد ، فالمولود في كليهما من فلذة أحاسيسها و من جذور رائحتها ، و في كليهما حققت إنتشاراً جميلاً ، و إستطاعت أن تقول أنا هنا ، هي ليست ضيفة على زمن ما رغم الأزمنة كلها باتت خارجة الزمن ذاته ، بل هي التي تعبث بالروح و تلون به أماكن تجوالها ، مساءاتها الحزينة في شوارع مدن هدّت حيلها من إشتياقها لأهلها ، هي ليست ضيفة على زمن بل صرخة تودع دموعها في جعبة وطن ينام في عينيها ، فكل لوحة / منحوتة لها تجري في شقوق الروح لتنبت على حوافها بقايا حلم تحمل الفصول الخمسة ، بقايا مزمار حين تعزف عليه فنانة عاشقة لا بد للإلهام و الدوافع المؤثرة أن تستيقظ في جسد منتجها كلغة صالحة للبحر و للبر و للسماء ، للسمكة و للإنسان و للطير ، كلغة قادرة أن تسمعها للعالم قاطبة.

مفيدة الديوب لا تستسلم لزوايا المشهد ، و لا لعلاقة العناصر ببعضها ، فهي مزودة بكم من التجارب تلهمها حين تواجه الفراغ أو البياض ، أو حين تستغرق وحيدة في السيل الكبير من الأمكنة التي تجوب فضاءاتها ، الأمكنة التي تشكل الجانب الأهم من تحركاتها المختلفة ، بإتجاهات مختلفة ، و بتقنيات مختلفة ، فهي تواجه القدر لتحتويه بمسيرة طويلة من إشعال النار في الحياة حتى تبقى مضاءة لا يبددها الليل مهما طال

لا تعليقات

اترك رد