الوصية

 
اللوحة للفنانة هناء بكتاش

كلما التقيت ثريا ارتجيها ان تقصص لي عن رجل ليس ككل الرجال … ، أجلس صامتة أتخيل ملامحه حين يخاطبها.. كيف استهانت بهذا الحب ….!؟
يبدو لي انها كانت غافلة عن اجمل الانتصارات وأشدالحروب ضراوة …
صباح الخير… صباح الخير… دون ان تلتفت اليه.. حثيثة الخطى راجلة الطريق المؤدي الى مقر عملها لم يكن بعيدًا عن بيتها غالبا ما كانت تقطع تلك المسافة التي يصادفها
يلقي التحية ويذهب……محملا بأمل يحتضر لعله يشفى…..
….هكذا دواليك لمدة لم تتجاوز الشهر وبضع أيام …
واذا بمنادي … ينادي ……ثريا
وقبل ان تلتفت اليه..تذكرت هذا الصوت الأجش…
لحظة….. تجاوزت العشرون عاما..
تسوّر الشيب رأسه… وخطوط السنين التي غيرت ملامحه ..ذاك الانف الافلاطوني … الابتسامة الحزينة التي رسمتها الايام على شفاهه المكتنزة…وتلك العيون العسلية التي تسرق الانظار
تنافس خيوط الشمس ببريقها حين يصمت تبدأ بالكلام…!!
يتبادلان الادوار
خليل… نعم أنا هو
بعد التحية والسؤال والدهشة
طلب منها ان تدعوه لفجان قهوة بدون سكر … مُرَة
بطعم السنين الماضية…
جلس يرتشف فنجان قهوته بيد مرتجفة تبدو باردة….وعروقها المنتفضة
دقائق معدودات لم تتجاوز بعض الذكريات والسؤال عن الاحوال بعد انقطاع الجميع عن السؤال… وقتها كانت حرب الخليج وما خلفته ليومنا هذا حيث توقفت الحياة ….
وأصبح السؤال أمنية كالامنيات اليتيمة
تزوج خليل للمرة الثانية… بعد ان رفضت ثريا ان تتزوجه لسبب لم يكن سببا حقيقيا … يا ترى هل كانت حقا تحبه…..ام انه الفراغ العاطفي الذي جعلها تستلطفة ….
حاول اقناع حبيبته وزوجته الاولى التي يكنُ لها الحب والوفاء طوال خمس سنوات …كانت علاقة ناجحة جدا
لم يرزقه الله بذرية تحمل اسمه … كان محبا للاطفال طال انتظار هذا الرجل الشرقي الذي فاجأ كل من عرفه بوصيته…
في يوم لم يكن بالحسبان كان أخر لقاء بينه وزوجته
حين دعاها ليتناولا الغداء معا في احد المطاعم
سألها ان يتزوج عليها باخرى لتنجب له طفلا او أكثر…لكنها رفضت وقررا الانفصال…
هذا كان السبب الذي تعللت به ثريا.
. ربما اكون عاقرا وتتزوج باخرى…
حقا ما تقولين …
تزوج خليل امرأة ثانية بعد خمس سنوات انجبت له ولدين وابنة كانت علاقتهما جيدة لفترة قصيرة ثم انفصل عنها جسديا واختار كل منهما ركنا خاصا به بقي اهتمامه ببيته واولاده وزوجته كواجب اي أب تجاه إسرته …
رغم الانفصال
تذكرت برناردشو رغم علاقته الجيدة بزوجته الا إنه اشترط عليها ان ينام كل منهم في غرفة خاصة به…
بعد الفنجان الاخير وطلبه الذي قُبْل بالرفض والأيام تعدو كاننا في سباق المراثون….
بقيت ثريا منشغلة في عملها الذي أحبته وكل الذين طرقوا بابها جوبهوا بالرفض كان والدها شيوعيا ولابد من موافقة الأمن العامة حينذاك …. كانت تختصر الطريق بالرفض لان كل من كان يطرق بابها من العساكر ……يا لسوء القرار ويالسوء الحظ
وفي يوم كانت الشمس خجلة
وأوراق الشجر في نحول… كانها عطشى
وهدوء يعم المكان
وكل في عمله منشغل
تُطرق باب الغرفة التي تعمل ثريا
نعم تفضلي…
وإذا بإمرأة متشحة بالسواد
منقبة تلقي التحية بصوت خفوت
صباح الخير…
صباح الخير
هل لي بان أسدي لك اي خدمة
لا ادري كيف كانت ملامح وجهها
لكني على يقين كانت عيناها تتكلم معبرة عن تلك الملامح المختفية خلف هذا النقاب….
أنا زوجة خليل…..!!!!
جاءها الرد كصاعقة جعلها تقف مندهشة
احمل لك وصية خليل …….؟!!!
خليل… ……!!!!
نعم خليل توفي قبل شهور أصيب بمرض عضال لم يدم طويلا
سافرت الى لندن معه وهو على فراش الموت … يحتضر طلب مرتجيا ان ابلغك
بانه لم تكن في حياته إمرأة سواك ولم يحب إمرأة غيرك يوما…..
لكنه لم يحبني يوما ولم يبخل بشىء الا حبه لي… اردفت زوجته…..
وها أنا اكملت عدتي
وجئت لأفي بوعدي …
يا ترى هل كانت لا تحب زوجها …وان فعلت ماهو شعورها وهو على فراش الموت يطلب منها أمرا كهذا… هل استعطفته وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة…، لا ادري ويبقى السؤال سجين اللحظة التي فارق بها الحياة…..
على فراش الموت خليل يذكر حب ثريا
وثريا في العراق في لهوٍ
يا لهذا الحب العظيم…
لطالما ادركت إن الحب للشجعان ولا لغيرهم….
وعده كان دَيْنٌ…. والوصية سداد الدين..

سلاما لروحك خليل

لا تعليقات

اترك رد