التجربة الفنية للتشكيلي الفلسطيني عبدالهادي شلا

 

التجربة الفنية للتشكيلي الفلسطيني عبدالهادي شلا
رائحة عطر الأرض وأهازيج شعرية تنتصر للروح

عبد الهادي شلا، فنان تشكيلي فلسطيني (مواليد مدينة غزة عام 1948). تخرج من كلية الفنون الجميلة / قسم التصوير بالقاهرة عام 1971، ثم هاجر إلى الكويت ليشارك في الحركة التشكيلية الكويتية إلى نهاية التسعينات هاجر إلى كندا ويرأس حاليا مركز شلا للفنون بمدينة لندن ـ أونتاريو، كما يرأس تحرير جريدة “الصراحة” التي تصدر شهريا عن المركز بنسخة ورقية ورقمية.

ولائم بصرية بعطر فلسطين
يدرك المتأمل للوحات عبدالهادي شلا، أنه مدعو إلى وليمة بصرية تفوح منها رائحة عطر الأرض الفلسطينية التي هجرها واضطر للبعد عنها لكنها تظل حية ترافقه في حله وترحاله كلما أستوطنا بلدا لا ينسى منبعه المقدس الفلسطيني، كما أننا سنلاحظ في الكثير من أعماله استدعاء للتراث وبعض مفرداته التي تتمظهر حية وديناميكية وحضوره يكون عن وعي يحمل مسك وعبق الشرق في أبهى تجلياته.
يرى شلا ألا نستسهل مفردات التراث وألا نزج بها لنتسول اعجاب المتلقي أو جني منافع مادية رخيصة فالمقدس لا يباع ولا يتم المقايضة فيه وهو يحذر من شيوع التوظيف الغير مدروس للتراث والموروث وأن الرؤية الخاصة والتأويل عند البعض لهذه المفردات تحولت إلى تجديف وتحريف وتشويه وسخافة.

المرأة مصدر التضحيات ومنبع الأمل
تأخذ المرأة حيزا فنيا إبداعيا مهما في تجربة عبدالهادي شلا، حيث توجد الكثير من أعماله تفردت لتعطي البطولة للأنثى والتي تظهر في حلل جمالية وحالات روحية قلقة وهي منبع الخير حيث نراها في بعض لوحاته تحمل سلة الفاكهة وتأتي ذات معاني دلالية متعددة ومن المهم أننا مع فنان لا يكرر نفسه ولا يقلد غيره، يرسم دون تخطيطات لمصالح مادية، فالفنان هنا يعزف سيمفونية الألم الفلسطيني والإنساني لبلدة المنكوبة بالفجيعة حيث تكون المرأة مصدر التضحيات ومنبع الأمل، يتحاشى شلا التصوير فهو صاحب رؤى متباينة وأساليب فنية متنوعة يتمرد على تقنيات التلوين الكلاسيكية بنزعة تجريد مضاف إليها نظرة فلسفية خاصة، خبرة نصف قرن من الإبداع تجعله صاحب مدرسة خاصة نحتاج إلى دراسة معمقة لنستكشف خصائصها ومرتكزاتها وتقنياتها.

حكايات متعددة
يميل الفنان عبدالهادي شلا إلى الحركة ويخلق تكوينات ذات سمات مشهدية وميزانسين بمواصفات خاصة تتدفق من اللوحة حكايات متعددة فالفنان يترك للمتلقي أولا أن يشبع عينيه بالمكونات الجمالية ثم يتفاعل مع اللوحة ويشارك بخياله ولا يقف سلبيا وجامدا، نعلم أن شلا كاتب قصصي يميل لخلق دهشة درامية وكذلك في لوحاته وهو يرى أن الفنان يرى العالم والطبيعة بما فيها من شجر وحجر والناس بمختلف مشاربهم وحالاتهم النفسية ثم يصور لنا ما يعلق في دواخله ويترجم لنا عبر أغاني لونية رؤيته وفلسفته ونظرته الخاصة واللوحة الصادقة هي الممزوجة بروح الفنان وما بدواخله من فرح وغضب وأنين وضحكات، بعض شخصيات شلا قد تكون الوجوه غير مرئية بشكل واضح ولكننا سنرى بعض الأعمال حيث العيون تنظر إلى أشياء مخفية تتضمنها اللوحة أو خارج اللوحة وهي أشبه بنظرات إرتدادية، فالشخصية ليست موضوعا تم رسمه للفرجه بقدر أنها شخصيات تنظر وتئن وتروي وتحاور.

strong>أهازيج لونية
أن تكون فنانا فأنت دائم البحث عن ذاتك ومعرض للإنقلابات والشك والقلق في عالم تعصف به موجات القبح والمادية وأن تكون بعيدا عن وطنك الذي تراه يعاني وتتقاذفه الكوارث فأنت بحاجة أن تصرخ بقوة وربما ستفضل الصمت وتحتج بطريقتك الخاصة، شخصيات لوحة الفنان عبدالهادي شلا تعيش هذه الحيرة والألم، تبدو في بعض الحالات صامتة تتوجع مبتسمة وفي حالات أخرى تصرخ مفجوعة ومعترضة على حرائق البؤس والتدمير الذي ينال أؤلئك البسطاء الذين لا حامي لهم ولا معين وكلما تمر السنين يصبحون مادة خصبة للحكايات المحزنة وقد يتعاطف معهم البعض بشعارات إعلامية كاذبة فيزاد الواقع تعقيدا ويتحول المشهد الحياتي اليومي سرياليا.

تنطلق كتاباتي عن الفن التشكيلي من دراستي وأبحاثي كسينمائي مولعا بالسينما الشعرية وجمالياتها الروحية والفلسفية، هنا مع هذا الفنان حيث الألوان تعزف، ترقص، تصرخ، تبكي وتناجي الروح والضمير، تهز الخيال وتكنس الجمود والتلقي السلبي، في أعماله الأخيرة نرى تحولات مهمة فالفنان تحول إلى فيلسوف يبث أهازيج لونية وأشكالا تشع بالغرائبية الحالمة ويترك ما بدواخله من هذيان وأحلام تتدفق دون أن يمنعها أو ينظمها.

strong>غوص في الغموض وتفكيك المعاني
في لوحته “رحماك” والتي ستشارك في المعرض القريب الذي يعد له الفنان في الأردن، نحن سنتعايش مع هذه اللوحة كأنها إلياذة جديدة عصرية حان عزفها وهي خلاصة أحاسيس إنسانية شعرية يصعب أن نحدد معانيها لأنها ضاربة في الشعرية رغم وجود ملامح شكلية لبعض الجوانب يمكن أن يجتهد المتلقي لفهمها، هذه المرأة تبدو كأنها على شراشف فرشها لها البحر لتطمئن ولكنه كمن غدر بها، بين عالمين، بل عدة عوالم متداخلة، العالم الأسطوري فهذه بنت أرض كنعان القداسة والحكمة والقوة والجمال، المركز تحتله المرأة بفستانها الملكي الأحمر، نتعايش مع مشهدية درامية مفجعة، يبدو أن قوة خفية ومخفية تجذب الشخصية ربما لتقودها في رحلة إلى العالم الغير مرئي كمرآة اورفي في فيلم اورفي لجان كوكتو، يوجد ما يشبه برأس الحصان كأنه يركض منتفضا أو عائدا من معركة مرعبة، هذا الموج الهادر كتسونامي يمتلك من القوة والرعب ما يمكنه أن يدمر الكون، أسفل اللوحة كأننا مع جسد مكفن يعبر عن قداسة تلك الأرواح الطاهرة التي نفقدها كل يوم، ذلك الطائر البحري ليؤكد قيمة أغاني البحر وجماله ورقته.
نحن مع فنان لا يكتفي بالحديث عن هموم شعبه وما يعانية من ويلات، هنا قصيدة إنسانية تصرخ في وجه الشر والتدمير وإبتكار حروبا تشتعل هنا وهناك بدوافع غبية، الغوص في الغموض وتفكيك المعاني والإيغال في هوس الأحلام والكوابيس تخرج كزفير بركان حان أوان ثورته وهديره فالفنان يشعر بحريته الكاملة كأنه ولد من جديد، فهو الطفل الذي يرى فيها الأشياء ويحكيها بمنطقه الخاص دون خوف ولا رهبة من رقيب، نحن كذلك مع شهادة على العصر ويبدو أن الفنان يعي مسؤولية وخطورة هذه الشهادة وما ستحمله من دروس وفكر وروح للأجيال القادمة .

القماشة نافذة للبوح
تصبح القماشة نافذة للبوح، ينحت الفنان فيها شذرات روحية وفلسفية وبغض النظر عن مساحتها فهي المتنفسّ والقيثارة التي تؤانس روح الفنان ويشعر بدفء تلك الأرض البعيدة، بعطر الزيتون، بحفيف الأغصان في الليالي المقمرة وحكايات الجدة وهي تتشبث بالشال الفلسطيني المزركش.

قضايا فنية مهمة
خلال نقاشي مع الفنان عبدالهادي شلا، يمكن أن نطرح بشكل مختصر قضايا فنية مهمة، حيث يرى شلا أننا نعيش انتكاسة حقيقية في النقد الفني وقليلة هي الأقلام التي تكتب بحرفية حول الفنون التشكيلية والسائد يكون مجرد أخبار سريعة ومختصرة عن الأنشطة والمعارض أو كتابات معقدة بمصطلحات غريبة وأجيانا اجتهادات خاطئة، لذلك يدعو شلا لضرورة تقويم وخلق الوعي النقدي بعيدا عن الوصف والإستسهال والقص واللصق وكذلك عن التعقيدات المبالغة حيث أن أي معرض يستهلك جهدا ووقتا وفي بعض من الأحيان لا تجد أي قراءة مهمة حول ما يُعرض.
يؤكد شلا، أن الفنان الحقيقي يكون صاحب مشاريع وأنه منذ السبعينات حرص أن ينجز عدة مشاريع وكل مشروع يحتوي على ما يقرب من خمسين لوحة تقريبا مثل مشروع نساء بلا وجوه وغيره، الفن يختلف عن مهنة التصوير التقليدي والتصوير المطابق للواقع كما هو ليس فنا، أي لوحة لا يضيف عليها الفنان شيئا منه فهي تفقد قيمتها وأسعار اللوحات لا تعني قيمتها الفنية والجمالية حيث هناك من وجدوا الشهرة بفضل دعم إعلامي وتأثيرات أخرى لا تتعلق بالفن وإنسانيته.
يرفض شلا مصطلح وعامل التأثر بالغير مؤكدا أنه في تجربتة الفنية لنصف قرن تعرف على عشرات التجارب وشارك في معارض مشتركة كثيرة وشاهد تجارب عربية وغربية وعالمية لكنه لم يتأثر يوما بأي أسلوب ولا تجربة وأنه منذ خطواته الأولى ببداية السبعينات يؤمن أن اللوحة جزء من الفنان حتى لو باعها فهو سيحن إليها ويتذكرها.

المقال السابقالأرجوحة الحمراء
المقال التالىخلف هذا الجدار أيتها الشموع .. أرجوك اشتعلي الليلة
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد