حياتنا المسرحية عام 2015

 
الصدى - حياتنا المسرحية ٢٠١٥
مسرحية قضية ظل الحمار

أدق وصف لحياتنا المسرحية في عام 2015 هو أنها: “ضجيج بلا طحن”، حيث تضمنت كثير من التناقضات المسرحية، ولعل من أهمها كثرة عدد العروض بلا جدوى حقيقية، فما فائدة هذا الإقبال الجماهيري – الذي يتشدق به البعض – على عروض قد تفتقد للمواصفات والسمات الأساسية للعرض المسرحي، وما قيمة هذا الإقبال إذا كانت بعض العروض تتضمن إسفافا وعبارات وإيحاءات جنسية فجة تخدش الحياء العام كتلك العروض التي تتنافس بعض القنوات التلفزيونية الفضائية على انتاجها؟!

لقد حرصت ومنذ سنوات طويلة تزيد عن ربع قرن على تحمل مشقة وعناء توثيق جميع الأحداث المسرحية خلال المواسم المسرحية المتتالية سواء بمجلة المسرح أو بمجلة الكواكب، كما حرصت من خلال هذا التوثيق على تقديم بانوراما شاملة لأهم الأحداث المسرحية والتي تتضمن تفاصيل الإنتاج المسرحي – سواء بمسارح الدولة أو مسارح القطاع الخاص – وكذلك أهم الفعاليات المسرحية كالمهرجانات والمؤتمرات، بالإضافة إلى تقديم قائمة بأسماء الفنانين الراحلين ونبذة عن إسهاماتهم المسرحية، وكذلك تقديم قائمة بأهم الإصدارات المسرحية، وأحمد الله على توفيقه لي في هذه المهمة الشاقة. وهذا العام وجدت أن المهمة قد زادت مشقتها بتلك المتغيرات وبعض المستجدات في حياتنا الاجتماعية والثقافية والفنية، وبالتالي فقد أصبح الأمر يتطلب ضرورة تقديم رؤى نقدية وتقييما موضوعيا لبعض تلك الظواهر المستجدة بحياتنا المسرحية، ولذا فقد قررت تخصيص هذا المقال لدراسة خمسة ظواهر هامة طفت على السطح خلال عام 2015، وهي تلك الظواهر التي لا تحتاج فقط إلى إلقاء الضوء عليها بل وتتطلب – وبالدرجة لأولى – بيان مدى خطور استمرارها دون توجيه وتقويم.

أولا – عودة مشاركة النجوم بمسارح الدولة وكذلك لافتة كامل العدد.
الظاهرة التي تستحق الرصد والدراسة حقا خلال هذا العام هي عودة لافتة “كامل العدد” بعدد كبير من عروض مسارح الدولة، سواء تلك التي اعتمدت على مشاركات بعض النجوم، أو تلك التي اعتمدت على بعض الوجوه الجديدة (مثل عرض ثري دي، روح، هنا أنتيجون، قضية ظل الحمار)، والذي يدعو للسعادة حقا أن يستطيع عرض مثل “ليلة من ألف ليلة” أن يتخطى إيراده المليونين جنيه، وأن تحجز جميع تذاكره مقدما لما يزيد عن شهر، وأن تحظى عروض أخرى كرئيس جمهورية نفسه لمحمد رمضان وغيبوبة لأحمد بدير بنصيب كبير أيضا من الإقبال الجماهيري.

حقا لقد سعدنا جميعا خلال الفترات الأخيرة بعودة لافتة “كامل العدد” إلى شباك التذاكر، ولكن ما قيمة هذا النجاح الجماهيري الذي يتحقق بتقديم عروض يشارك ببطولتها كبار النجوم إذا لم يتم تقديم أي خطاب درامي جاد يتناسب مع الظروف الراهنة ؟!. فمما لاشك فيه أن عروض الفرجة الخفيفة تصبح في هذه الحالة بمثابة المسكنات التي تساعد على “الغيبوبة” والعودة إلى زمن “ليالي ألف ليلة وليلة”، بحكاياتها التي قد تكرس للإعجاب بمغامرات قطاع الطرق واللصوص؟!

ثانيا – انحسار ظاهرة عروض الثورة بأشكالها المباشرة:
منذ اندلاع الشرارة الأولى لثورة “يناير 2011” بميدان التحرير قام بعض شباب الثوار بتوظيف جميع الفنون للتعبير عن مشاعرهم وصياغة وإعلان مطالبهم، فأقاموا حفلات السمر في ليالي اعتصامهم المفتوح، والذي تعالت من خلاله سقف المطالب حتى وصلت إلى ضرورة رحيل جميع رموز النظام. وقد تضمنت حفلات السمر هذه تقديم بعض الاسكتشات المسرحية من خلال الارتجال ومجموعة المحبظين، أو من خلال توظيف عروض الأراجوز وخيال الظل أو فقرات المسحراتي والحكواتي، وغيرها من الأشكال الشعبية التي يمكن تصنيفها تحت مسميات مسرح الشارع، أو مسرح السرادق أو المنصة أو المصطبة، أو مسرح الجريدة الحية.

وبعد نجاح الثورة مباشرة وقبل مرور عدة أسابيع غمر الحماس مجموعات كبيرة من المسرحيين – سواء محترفين أو هواة – فسارع عدد كبير منهم إلى تقديم عروض تتناول أغلبها أحداث الثورة وتوثق لأهم هذه الأحداث، وقد جاء أغلبها بصورة مباشرة ومن أوضح الأمثلة لها عرض “تذكرة للتحرير”، كذلك قام بعض المسرحيين بإجراء بعض التعديلات الفنية على عدد من النصوص أو العروض لتواكب أحدث الثورة.
والحقيقة أن جميع هذه العروض كانت في الواقع مجرد استجابات عاطفية حماسية إحتفاءا بالثورة ومحاولة توثيق أحداثها، وتم إعدادها سريعا في محاولة لمواكبة ذلك الإيقاع السريع للثورة، ولذا فإنها قد تشابهت كثيرا فيما بينها، بمحاولة المسرحة لوقائع أحداث الثورة بطريقة إنتقائية، واعتماد أغلبها على تخصيص مساحات للإرتجال والسرد لوقائع المظاهرات والترديد لكثير من الهتافات والشعارات مع تقديم بعض اللقطات السينمائية للأحداث، وكذلك على تخصيص مساحات للبوح لتقديم الحكايات والمشاعر الشخصية.

وفي هذا الصدد سبق وأن أوضحت بمقالاتي بأن ثورة الشباب المصرية تبقى أكبر وأعظم من كل الأعمال المسرحية التي تناولتها، وأشرف بكثير من بعض تلك الأعمال الحماسية السريعة، خاصة وإن المسرح بعد الثورة يحتاج إلى طرح انساني عميق ورؤى فكرية حقيقية، ولكن برغم جميع الإحباطات التي حاصرتنا إلا أنني قد احتفظت بتفائلي بغد أفضل، وبالفعل فقد شهد عام 2015 اختفاء تلك العروض المباشرة، وبدأت بالفعل خلاله تقديم بعض المشاركات المسرحية الإيجابية التي واكبت معركتنا الثقافية والمصيرية من خلال بعض فرق الهواة.

ثالثا- انحسار بل واختفاء مشاركات فرق القطاع الخاص:
اعتمدت بدايات كل من المسرح العربي والمسرح المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على مبادرات خاصة لبعض الرواد الذين تحملوا مسؤولية تأسيس فرقهم المسرحية لتقديم تجاربهم وإبداعاتهم المسرحية، وقد تحملوا في سبيل ذلك كثير من الصعاب والخسائر المادية، حتى نجحوا في تأكيد مواهبهم وكذلك في غرس ونشر الفنون المسرحية واجتذاب الجمهور بمختلف فئاته، واستمرت الجهود حتى قامت الحكومة المصرية عام 1935 بتأسيس أول فرقة حكومية وهي فرقة “المسرح القومي”، والتي كان لها فضل كبير في الارتقاء بمستوى العروض المسرحية، ومع ذلك لم تتوقف مساهمات الفرق الخاصة بل ظلت تقدم عروضها ويتضاعف عددها، والمتتبع لأنشطة وفعاليات الفرق الخاصة يمكنه رصد فترات كبيرة من الازدهار وكذلك فترات أخرى من الهبوط والانحدار، وعلى سبيل المثال شهدت عشرينيات القرن الماضي أفضل عصورها بتلك المنافسة الكبيرة بين ثلاث فرق كبرى هي فرقة “رمسيس” ليوسف وهبي وفرقة “جورج أبيض” وفرقة “فاطمة رشدي”، وذلك بخلاف التنافس بين بعض الفرق الأخرى في مجال الكوميديا وفي مقدمتها فرقتي “الريحاني” و “الكسار”، كما شهدت فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين إزدهارا للفرق الخاصة مرة أخرى حيث تأسست عدة فرق خاصة ولعل من أهمها: “المسرح الحر”، “إسماعيل يس”، “تحية كاريوكا”، “المتحدين”، “الكوميدي المصرية”، و”ثلاثي أضواء المسرح”، و”عمر الخيام”، ثم أعقب ذلك عصرا آخر اتسم بالهبوط والانحدار في مستوى العروض المقدمة، مواكبا لسياسة الانفتاح ومحاولة إرضاء وتلبية رغبات جمهور السياحة العربية وجمهور الحرفيين العائدين من الدول النفطية، فتضمنت بعض المسرحيات الرقصات الخليعة والحوارات المبتذلة والتعبيرات المسفة.
ومنذ ثورة يناير 2011 انحسرت تقريبا عروض الفرق الخاصة كرد فعل تلقائي لارتفاع أسعار التذاكر كضرورة منطقية لتحقيق متطلبات العروض ومن أهمها ميزانيات الدعاية الضخمة وأجور النجوم، واستمر هذا الوضع أيضا عام 2015 فلم يتم خلاله سوى تقديم تجربتين فقط هما: “دنيا حبيبتي” لفرقة مسرح الفن، و”بابا جاب موز” لفرقة أحمد الإبياري، وللأسف لم تحقق أي منهما النجاح المنشود خاصة في غياب كبار نجوم المسرح وفي مقدمتهم عادل إمام ومحمد صبحي وسمير غانم وكذلك نجوم الجيل التالي محمد هنيدي وأحمد آدم ومحمد سعد.

رابعا – عودة النمر الضاحكة وانهيار القيم الفنية بمسارح التلفزيون.
الظاهرة الخطيرة والتي تحتاج إلى التوقف أمامها بالتفصيل من خلال دراسة قادمة بإذن الله هي ظاهرة مسرحيات التلفزيون، تلك التي قدمتها بعض القنوات الفضائية الخاصة خلال هذا العام سواء تحت مسمى “تياترو مصر” أو “مسرح مصر”، وللأسف فإن عروض كل منهما لا تنتمي إلى “مصر” كما لا تنتمي إلى فن “المسرح” أيضا، فهي ردة فنية وعودة إلى الاسكتشات التي كانت تقدم بالصالات أو إلى النمر الضاحكة التي كانت تقدم بين المسرحيات في أوائل القرن العشرين، وللأسف فقد حققت هذه العروض رواجا تجاريا هذا العام، كما حققت الشهرة لبعض المهرجين الجدد الذي أسرفوا في الارتجال وفي تقديم الكوميديا المبتذلة، تلك التي قد تضمن أيضا بعض الإيحاءات الجنسية!!.

خامسا- تعاظم دور فرق الهواة ومشاركتهم الفعالة:
كثيرا ما طالبت بضرورة إتاحة الفرصة كاملة أمام الموهوبين من هواة المسرح، وتذليل كافة العقبات التي تواجههم وتحد من إبداعاتهم ولعل من أهمها قوانين نقابة المهن التمثيلية وتشدد مديري فرق الدولة، خاصة وقد أثبتت التجارب المختلفة عبر التاريخ أن عددا كبيرا الهواة وخاصة بالمسرح الجامعي ومسارح الأقاليم قد نجحوا في تحقيق نجوميتهم – بالرغم من عدم التحاقهم بالمعاهد الفنية – ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر: عادل إمام، سعيد صالح، محمود ياسين، محمود عبد العزيز، يحيى الفخراني، ومن الأجيال التالية: يسرا، بوسي، ليلى علوي، عبلة كامل، ممدوح عبد العليم، غادة عبد الرازق، محمد سعد، أشرف عبد الباقي، ماجد المصري.

ومنذ مطلع ثمانينات القرن العشرين استطاع هواة المسرح ومن خلال تأسيسهم للجمعية “المصرية لهواة المسرح” أن يحملوا راية الإبداع المسرحي، بتقديمهم لعدد من المهرجانات المتخصصة غير المسبوقة (كمهرجانات: المسرح العالمي، الشعبي، الاستعراضي، الطفل، الضاحك، الفصل الواحد والمونودراما)، وأخيرا مهرجان “المسرح العربي” مع بداية الألفية الجديدة، وهو المهرجان الذي نجح في استضافة كبرى الفرق العربية وأيضا في إلقاء الضؤ على عدد كبير من النجوم الجدد والتجارب المسرحية الهامة، ولعل من أهمها: عرض “1980 وأنت طالع”، وهو العرض الذي فاز بالجائزة الأولى بالدورة العاشرة عام 2012، وبجائزة “المهرجان القومي” عام 2103 ، واستمر منذ ذلك التاريخ في اكتساب جمهور بإعادة عرضه تجاريا بعدة مسارح.

ومما لا شك فيه أن نجاح مهرجانات الجمعية وتميز عروضها قد لفت أنظار المسؤولين بمسارح الدولة إلي تميز وارتقاء مستوى عروض الهواة، مما دفعهم لاستضافتها على مسارح الدولة أو إلى إعادة انتاجها مرة أخرى، ومن أهم العروض التي حققت نجاحا كبيرا: “شيزلونج”، “أوديب”، “حلم بلاستيك”، شيكايرو”، “أركلينو والغار”، “قضية ظل الحمار”، كما أعيد انتاج عرضي: “حلم ليلة صيف” و”هنا أنتيجون” بالاعتماد على نخبة الهواة الذين سبق تقديم العرضين بمسرح الجامعة.

والحقيقة أنني على قدر سعادتي بتحقيق حلم إتاحة الفرصة للهواة وظهور جيل جديد من المبدعين إلا أنني حزين لاستغلال موهبة الهواة دون منحهم الحد الأدنى من الأجور أو حتى فرصة الحصول على عضوية نقابة المهن التمثيلية.

وفي النهاية لا يسعني إلا أن أتمنى أن يكون عام 2016 أفضل مسرحيا، بتحقيقه لجماهيرية حقيقية عن طريق التجوال بالعروض وكسب جمهور جديد ربما يشاهد المسرح لأول مرة.

 

لا تعليقات

اترك رد