مسرحية حنين حار عاطفة وطنية ممزوجة بالفن الجميل

 

تختزن القريحة الثقافية لدى المثقف العراقي الكثير من الهموم الوطنية والمشاهد التي تحتشد فيها مختلف المشاعر من المعاناة والالم الناتجين عن الظلم والقهر والاستبداد وحتى التهميش ، صورا وذكريات تتخذ لها مكانا في الوجدان فتجتمع كل تلك التفاصيل في نقطة فنية وابداعية تحكي مأساة وطن في واحدة من اجمل تجليات الفن، يقدم هذا الجرح الوطني في بيت الابداع المقدس وهو خشبة المسرح . العرض يحكي قصة عائلة من زوجين (شفيقة وجبار)طالتهم اذرع استبداد الديكتاتورية كما اغلب البيوت والعوائل العراقية فسلب الطغيان والظلم ماضيهما الذي امتد ليشمل حتى الحاضر بكل عنف ووحشية ، تمثل هذا الظلم في عائلة الزوج في مقتل اخوته على وجه الخصوص اللذين تساقطوا مثل الزهور، وعائلة الزوجة في والدها الموسيقي والموسوعي في الثقافة والفن، ثم ان كل هذا الألم الذي يعيشانه ولّد فجوة عاطفية بينهما . ومابين ظلمين ووجعين ماض وحاضر اغرقا ضفاف الأمان للزوج الفنان الرسام الذي يقضي أيامه في محاولة جعل العالم اجمل بالألوان ، والزوجة الموهوبة بالغناء التي تحولت تدريجيا من فنانة الى آلة تتحرك برتابة في بيت الزوجية ، يشغلها فقط خوف ان تفقد زوجها من قبل امراة أخرى قد تختطفه منها ، زادت الأمور سوءا حينما قررت الزوجة اجهاض طفلها بسب تلك المخاوف ،بسبب خوفها من فقدانه على يد إرهابي مجرم ، ثيمة الفقد والخوف من الفقدان زادت الموقف تأزما وسارت بالحكاية /العرض حتى وصولها الى طريق مسدود ذلك الذي يسميه اونا شودهوري بثقب الحاضر .ورغم امنيات واحلام الزوجين بالحياة الهانئة وعالم مثالي بعيدا عن العنف والفواجع الوطنية لكن يبدو ان هذه الاحلام والامنيات لم تؤتي ثمارها فلا شي جديد يمكنه ان يغير الحال ، وكل ما يحدث (مسرحيا وواقعيا) هو اجترار للفواجع وحسب .

الشخصيات
-جسدت شخصية الزوجة الفنانة الاء نجم اذ قدمت بتمكن عال كل ما في الشخصية من حب وخوف وكره وغيرة ، كل مافي الشخصية من تناقضات بشكل متميز واخاذ ، لقد تفوقت في التجسيد برشاقة حركتها على الخشبة وتلوينات صوتها مما جمّل وحرّك إيقاع المسرحية كثيرا.

-شخصية الزوج وجسدها الفنان مناضل داوود والذي يمتلك تاريخا غنيا في التمثيل حيث كان لادائه التلقائي امتيازا ، رغم لحظات الصراخ غير المبررة والمبالغة.

– شخصية عازف الكمان ابن اخت شفيقة وربما كان المطلوب من هذه الشخصية ان تكون عاملا وعنصرا رابطا للشخصيتين الرئسيتين الى جانب ان توفر الحيوية في تصعيد وتيرة الإيقاع ، ورغم الجهد الذي بذله الفنان امين مقداد في أداء دوره كفتى شاب تأثر بخالته /الزوجة شفيقة وجده والذين كانا السبب في دخوله عالم الموسيقى والغناء ، في الحقيقة لم يكن لهذه الشخصية اي داع أصلا لقد اثقلت العمل بما ليس فيه غنى حتى ان عزفه مع المشاهد شوش اكثر مما افاد لا ايقاعيا ولا من الناحية الموضوعية .

ان مشهد المقبرة أوضح بشكل لافت لحظة ترهل العرض وفقدانه التنامي من خلال اجترار نفس الفكرة في ضياع الوطن بالإضافة الى رتابة التوصيل في تكرار مشهد المقابلة الصحفية . بل ان العرض بتصوري انتهى وقال كلمته قبل هذا المشهد عند لحظة رفع الطاولة الكبيرة .وما باقي المشاهد التي تلت ذلك الا تكرارا للموضوع بلغة توصف بانها خطابية فقد وصلت الفكرة في ان الأبناء الشباب قد طالتهم يد الغدر وان المستقبل مجهول بما ان الطفل اجهض وان جمال المعرفة غطاه قبح الفساد والعنف .

السينوغرافيا
من المعروف لكل ذوي الاختصاص ان كل قطعة على خشبة المسرح لها وظيفة دالة ،كل قطعة لها كيان وشخصية تفعل فعلها في اثراء الحدث ، وحيث انها تتعدى مفهوم تنظيم الخشبة او فن تشكيل المكان الى ان عناصره ( تؤثر وتتاثر بالفعل الدرامي الذي يسهم في صياغة الدلالات المكانية في التشكيل البصري العام ) بطريقة تخدم اهداف العرض .وقد اثث المخرج مكان حكايته السينوغرافية بطاولة كبيرة في المنتصف قريبة من قاعة الجمهور وفي احد الجانبين وضع حامل القناني الكحولية البار والى الجانب الاخر مكتبا غص بالكتب وفي منتصف الخشبة بابا واسعا غطى مساحة اغلب المنتصف الذي اريد له ان يكون المنفذ للولوج الى عالم الشخصيات اذ نشاهد المتكأ المعد للزوجين في العمق وعلى مرتفع ،وكذلك من اجل تحولات المشاهد،غير ان الفعل المسرحي جله انطوى عند الطاولة التي حققت دالات كثيرة بل اكتنف عندها مالم تحتظنه باقي قطع الديكور من توليد او حتى مؤزارة للفعل . في المشهد الأخير حيث يروي جبار كيف انه خرج عار لكنه بدأ بتلوين كل شي الشوارع الأبنية، تمثال الرصافي ووصولا الى كلمته عن الشباب الذين خرجوا من اجل وطن وكيف تقطف حياتهم حيث يصبح المشهد ( البؤرة الطبيعية التي تتركز فيها الذاكرة الحية ويصبح كل مؤدي بوقا لها ) كما يعبر جوليان هلتون . وهنا حيث دب الملل بالفعل تجاه العرض.

يحسب للمخرج في عرضه هذا الحنين الحار نواياه الوطنية والتي ثبت جزء منها في ورقة برنامج العرض من ان هذا (الحنين ،لمعاودة نهوض ملحمي يعيد الق بلاد الرافدين الى سابق عهده الأسطوري الفلسفي والمعرفي ، للفتوة المتفردة وهي تعيد كتابة الانسان العراقي الحر…)وعودة الثقافة كمهرجان معرفي وجمالي يزين شوارع بغداد ، جواد الاسدي العراقي الذي يحمل في داخله هموم بلده والمنحاز دوما للإنسان في كل مكان ، وللانسان العراقي على وجه الخصوص.قدم اكثر من عمل يغوص فيه في ثنايا اوجاع بلده .

عرضت مسرحية حنين حار على خشبة مسرح الرافدين وهي للمخرج جواد الاسدي اخراجا وتاليفا ومصمما للسينوغرافيا وتمثيل كل من الاء نجم ومناضل داود وامين مقداد وبتاريخ يوم الاثنين ١٧/٢/٢٠٢٠ بحضور كبير حتى ان القاعة غصت بالواقفين الذين اصروا على مشاهدة العرض رغم نفاد المقاعد .

المقال السابققارئة الفنجان
المقال التالىعاشقه المساء
_أطياف رشيد كاتبة عراقية من مواليد بغداد 1969 حاصلة على بكالوريوس أكاديمية الفنون الجميلة _ قسم الفنون المسرحية..عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.. عضو رابطة المرأة العراقية ومنتدى التسامي الثقافي. لها لا أملك أجنحة .. لكنني أحلم مجموعة شعرية.. ستارة زرقاء شفافة - نصوص مسرحية .. شاركت ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد