عبد الحسين شعبان وحوار الفكر والثقافة – ج٥


 
عبد الحسين شعبان وحوار الفكر والثقافة – ج٥

س 41 ـ دائماً ما تطرح إشكالية الدّين والعلم.. كيف تنظر إلى ذلك؟
لقد حوّلت أوروبا الدين إلى مجرد تقليد أو محاكاة، ولا سيّما في عصر التنوير، وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن الله يمثّل القوّة الكامنة التي يُنسب إليها كل شيء، وأن الفرد والمجتمع بحاجة إلى التقرّب إليها، لكن الأمر، تدريجياً وفي ظلّ الحداثة، اتخذ بُعداً جديداً، بإضعاف دور الدين على حساب دور الدولة، التي حاولت التأثير على المؤسسات الدينية لتتساوق مع مؤسسات الدولة العليا.
كان اكتشاف إسحاق نيوتن قوانين الفيزياء الحركية وقوانين الجاذبية والميكانيك صدمة مؤثّرة لعالم الغيب، الأمر الذي وضع هذه القوانين في إطار الدراسة والفهم والتطوير، دون العودة أحياناً إلى نصوص دينية بإضفاء طابع التقديس عليها، وبالتالي جعلها فوق العالم وتجاربه.

ومع أن هذه القوانين لا تلغي الحاجة إلى الدين وإلى الروحانيات، فقد أخذ نجم العلم يرتفع عالياً، وقد ترافق هذا الأمر مع نظرية تشارلز روبرت داروين واكتشافاته، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي اعتبر فيها تطوّر الكائنات البشرية جاء من أصل واحد بسبب طفرات جينية ووراثية، الأمر الذي يتعارض مع الأطروحات الدينية التي تقول “كلّنا من آدم، وآدم من تراب”، وهكذا ارتفع رصيد العلم على حساب الدين.

لم يكن ماركس رأس الحربة في تبهيت صورة الدين، بل كان أوغست كونت مؤسس الفلسفة الوضعية، الذي نظر إلى الدين باعتباره استلاباً فكرياً. أما لودفيغ فيورباخ الذي تأثّر به ماركس في موقفه من الدين، فاعتبر الدين استلاباً أنثروبولوجياً (إنسانياً)، وذهب عالم النفس سيجموند فرويد إلى اعتباره استلاباً نفسياً، بل وهماً يُصنع في العقل الباطن مثل بقية الأوهام.

وحين قرّر كارل ماركس في كتابه “المسألة اليهودية” ملامسة موضوع الدين اعتبره استلاباً اقتصادياً واجتماعياً، لكن الضجّة حول ماركس كانت أسبابها سياسية، لأنه يمثّل حركة تغيير سياسي، عملت وفقاً لمنهجه المادي الجدلي، الأمر الذي يحتاج إلى مجابهتها بوسائل مختلفة، وكان الدين أحد تلك الوسائل ذات التأثير البالغ، لا سيّما اتهامها بالإلحاد.

ومثل هذه الوسائل استخدمت في الشرق، ولا سيّما في البلدان العربية والإسلامية، حيث تجد تربة خصبة بحكم الموروث الديني وعقائد الغالبية الساحقة من فئات المجتمع، ناهيك عن حالة التخلّف والأميّة والفقر، يضاف إليها بعض أخطاء الحركة الشيوعية واندفاعاتها الصبيانية أحياناً، بتحدّي الظاهرة الدينية وصدم مشاعر فئات واسعة.

ومع تطوّر العلم وازدهار العلوم، إلاّ أن الدين لم يختفِ أو ينقرض، سواء في الدول الاشتراكية السابقة أو في الغرب، مثلما بشّرت بعض الأطروحات، وعاد بقوّة أكبر أحياناً، كما ظهر في الاتحاد السوفيتي السابق وبلدان أوروبا الشرقية، مثلما لعبت الكنيسة في أمريكا اللاتينية دوراً كبيراً فيما سمّي بـ”لاهوت التحرير”، فما بالك في الشرق؟ خصوصاً البلدان العربية والإسلامية، التي لا تزال بعيدة في الكثير من الأحيان عن الماديّات، حيث تهيمن الروحانيات، في مجتمعات لا تزال تعجز الأرض عن إيجاد حلول لمشكلات الفقر والمرض والبطالة والعيش الإنساني والحريّة، فلا بدّ من البحث عن معالجات لها في السماء، والوعد باليوم الآخر، فضلاً عن قلق الإنسان وهواجسه منذ الأزل، بشأن لغز الحياة والموت والولادة وأسرار الطبيعة والكون، التي تبقى قائمة ومستمرة مهما تقدّم العلم، فهناك مناطق فراغ لا تشفي غليل الإنسان ولا تطمئن روحه. وقد عزفت الجماعات الإسلامية على هذا الوتر، خلال ما سمّي بموجة “الربيع العربي” فتمكّنت بصورة مذهلة الهيمنة على الشارع وتوجيهه، سواءً في الانتخابات أو خارجها، ولم يكن بعيداً عن ذلك بعض التنظيمات الإرهابية، مثلما هو تنظيم القاعدة، وداعش، وجبهة النصرة، وأخواتهم الذين قدّموا تفسيرات ماضوية سلفيّة لا يربطها رابط مع روح العصر، ناهيك عن تعاليم الإسلام السمحاء.

س 42 ـ ماذا يعني أن تكون شيوعياً أو ماركسياً أو يسارياً؟
أفضل الانتساب إلى فلسفة بدلاً من الانتساب إلى شخص، حتى وإن كان ماركس العظيم، الحلقة الذهبية الأولى في الفلسفة المادية الديالكتيكية، لكنه ليس نهايتها، بل كان بدايتها، وإذا كان منهجه صحيحاً حتى الآن، فإن الكثير من أحكامه واستنتاجاته وفرضياته عفا عليها الزمن، أو أن الحياة لم تثبت صحتها.

إنني مادي جدلي والماديّة الجدليّة هي المُلهم لي في كل كتاباتي وأفكاري وممارساتي ونمط حياتي. وأقارب التحليل بأدوات عديدة منفتحاً على مدارس اجتماعية واقتصادية ونفسية متعدّدة وتيارات فكرية مختلفة، إضافة إلى التراث البالغ الأهمية للحضارة العربية ـ الإسلامية.

المادية الديالكتيكية تمثل نقطة الانطلاق الأساسية لي منهجياً وفكرياً، وهي مع المدارس الأخرى تزداد ثراءً وغنىً في التوجّه والتجارب.
أن تكون يسارياً يعني أنك لست مع أنصاف القيم: نصف الحقيقة أو نصف العشق أو نصف الصداقة أو نصف العدالة أو نصف الحرية أو نصف المساواة. القبول بالنصف سيضعك في مكان آخر، غير اليسار. الأمر لا علاقة له بالتكتيك أو توازن القوى، تلك غير حسابات المثقف الحالم. أنت كمثقف لا ينبغي أن تقبل بنصف الحب، أو نصف الحياة، أو نصف الجمال، فنصف الحب لا حب، ونصف الحياة موت، ونصف الجمال القبح.
أن تكون يسارياً يعني أن تكون مع حقوق الناس وحرياتهم، ومع حقوق المرأة كاملة ومع حقوق المجاميع الثقافية: الدينية والقومية واللغوية وغيرها، ومع حقوق الضعفاء والمهمّشين وأصحاب الاحتياجات الخاصة وحقوق الإنسان في بيئة نظيفة، ومع الحق في السلام واللاّعنف، ومع حق الإنسان في إلغاء الاستغلال وحقه في أن يكون له مستلزمات حياة مريحة وحرّة، ومع حق الشعوب في تقرير مصيرها والأوطان في التنمية وحماية نفسها.

س 43 ـ هل هذا برنامج جديد لليسار تطرحه؟
للأسف الشديد فإن الكثير من قوى اليسار أضاعت بوصلتها، ولا سيّما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى في حركة الاحتجاج التي شهدها العالم العربي منذ العام 2011، لم يكن دورها مؤثّراً، مع أنه كانت لها فرصة في طرح برنامج جديد لاستقطاب أوساط كادحة ومحرومة وعاطلة عن العمل بما فيها بعض خريجي الجامعات، لكن اليسار ظلّ مثقلاً بأعباء الماضي، فهو من جهة مثخن بجراحات لم تندمل من القمع المزمن، ومن جهة أخرى، فإنه يعاني من أزمات وتطاحن وانشقاقات وحروب داخلية معلنة ومستترة، بما فيها مؤامرات ودسائس وأحقاد، ناهيك عن أن تبعيته السابقة للمركز الأممي، التي جعلت منه متلقياً في الغالب.

وقد لعبت الاتكالية الفكرية تلك دوراً كبيراً في سيادة الكسل والترهّل الذي عانت منه الأحزاب الشيوعية وقياداتها بشكل خاص، الأمر الذي شعرت بفراغ كبير لغياب “الأخ الأكبر” (الاتحاد السوفيتي). وبدلاً من البحث في الواقع وتضاريسه وجغرافيته وتنوّعه، مال الاتجاه السائد إلى توصيفه، في حين أن الحاجة كانت تزداد إلى تفسيره وتحليله ووضع معالجات جديدة، لتغييره.

لقد اعتاد اليسار طويلاً على العمل تحت مرجعيات وسقوف عالية، ولم يشعر بأنه بلغ سن الرشد، وأن مرجعيته ذاتها تآكلت، وكان عليه أن يبادر بتحمّل المسؤولية مباشرة، فلم تعد هناك مرجعية، وليس هناك تنظيرات جاهزة، ويقتضي الأمر اجتراح الحلول والمعالجات باجتهادات جديدة تنسجم مع التطوّرات الحاصلة في العالم على الصعيد الداخلي.

لكنه للأسف لم يفعل ذلك إلاّ باستثناءات محدودة، فذهب فريق منه صوب العولمة النيوليبرالية، بزعم قوانين السوق والخصخصة واندحار الاشتراكية، وعاش على أوهام نقل الديمقراطية عبر الطائرات والأساطيل الحربية، ووجد في ذلك “مرجعية” جديدة لتبرير الأمر الواقع.
أما الفريق الثاني فاتجه صوب الجماعات القومية والإسلامية، بخطاب تقليدي اجتراري ولغة خشبية، لا سيّما في النظر إلى مشكلات البلدان العربية والإسلامية، بالقفز على الداخل، للتوجّه نحو الخارج، تحت عنوان الصراع الأساسي والصراع الثانوي، طالما أن صراعنا مع الإمبريـالية هو الصراع الأساسي، فينـبغي تأجيل الصراعات الثانـوية مع الأنظمة الوطنية، ووفقاً لهذا الخطاب المزمن كان تبرير دعم الأنظمة الدكتاتورية والقمعية.

س 44 ـ ماذا يحتاج اليسار برأيك؟
ليس لديّ وصفة جاهزة لأسديها كنصيحة، وهي لا توجد في الكتب كما كان يقول لينين وعلينا البحث جميعاً في ما تفرزه الحياة من متغيرات وتطوّرات، لقراءة ما يمكن عليه أن يكون اتجاه اليسار. اليسار حسب متابعتي يحتاج إلى إعادة نظر بمناهجه وأساليب عمله مستفيداً من تجارب أمريكا اللاتينية، وكذلك تجارب بعض اليسار الأوروبي في اليونان والبرتغال وإسبانيا وغيرها، تلك البلدان التي حققت نجاحات مهمّة، مثلما عليه الحفاظ على استقلاله الفكري، بتمييز نفسه على التيارات الأخرى، مهما كانت قريبة أو بعيدة عنه، وعليه تجديد نفسه والتوجّه صوب الفقراء والكادحين والمهمشين في الريف والمدينة، وهؤلاء غالبيتهم الساحقة هم المادة الخام للإسلام السياسي وللجماعات الإرهابية، وهم بالأساس جمهوره، مثلما عليه الانفتاح على المثقفين والاستماع إليهم، والتخلّي عن النظرة القاصرة إلى دورهم.
ولكي يكون اليسار في الموقع المطلوب، عليه إعادة النظر بمفهوم الحزب ودور الطليعة والضوابط التنظيمية التي جاء بها لينين في كتابه ما العمل؟ الذي صدر في العام 1903، وينبغي فتح المنابر داخله وتوسيع دائرة الديمقراطية وقبول المعارضة العلنية في صفوفه.
التجديد كلمة يجري الحديث عنها كثيراً، ولكن ما نحتاجه إليه هو الشروع بتنفيذه ووضعه موضع التطبيق. وهو يحتاج إلى وضع استراتيجيات وتكتيكات جديدة تنسجم مع مقتضيات العولمة بما فيها من تطور لثورة المعلومات والاتصالات وتكنولوجيا الإعلام. كما يحتاج إلى جيل جديد، بتقدير عمري مناسب، أما الكهول والشيوخ وكبار السن من المناضلين، فمكانهم محفوظ، وقد أدّى كل منهم دوره إيجاباً أو سلباً وقدّم عصارة جهده لخدمة توجهات اليسار بغض النظر عن نجاحها أو إخفاقها.

س 45 ـ وماذا عن المجتمع المدني؟
لكي يعمل اليسار في البيئة الجديدة، فعليه مدّ الجسور مع منظمات المجتمع المدني. وهنا لا بدّ من التمييز بين بعض المنظمات التي كانت الوعاء الذي سكبت فيه النيوليبرالية ماءها، وبين منظمات حقيقية شعرت بأهمية التحوّل الديمقراطي والدور المطلوب منها مع الأحزاب والقوى السياسية المؤمنة بالتغيير.

بعض المنظمات يعمل وفقاً لأوامر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والجهات المانحة وهيئات التمويل، وبالطبع فإن مثل هذه الأجندات هي جزء من توجهات العولمة والجهات المموّلة التي كانت تغض الطرف عن مخالفة هذه المنظمات لأولويات العمل الديمقراطي كانتخاب الإدارات وتداول المسؤوليات بينها والعلاقة مع جمهرة أعضائها واستقلاليتها ودورها في عملية التنمية كقوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، إضافة إلى ضرورة الشفافية في الكشف عن تمويلها.

وفي كتاب بول بريمر “عام قضيته في العراق” ورد ما مفاده أنه وزّع 780 مليون دولار على منظمات المجتمع المدني وجهات إعلامية، لكنه لم يعترف أحداً أنه تلقى مساعدات، الأمر الذي يحتاج إلى رقابة ومساءلة وإخضاع حسابات هذه المنظمات والجهات الإعلامية للمحاسبة القانونية.

س 46 ـ هل تكره وأنت المحب العاشق؟
لا أكره بشراً، قد لا أرتاح لشخص ما، لكنني لا أكرهه، حتى من اعتبر نفسه عدواً لي أو خصماً، أو أساء لي، وقد حاولت أن أمارس رياضة روحية للتخلّص من بعض ردود الفعل.

قد يكون لديّ خصوم كثيرون، وهو أمر طبيعي ككل صاحب رأي، فما بالك حين يتّسم الرأي بالنقد، وكل نقد جارح، ويثير شتى أنواع الضغائن والأحقاد، خصوصاً لمن لا يتقبّل النقد، بل يحوّله إلى عداوة، لكنني لا أعتبر أحداً منهم عدوّاً.

وإذا كان الطغاة والمستبدّون والظالمون يقترفون الجرائم، فلا ينبغي أن نحذو حذوهم، وكنت قد قلت إيماناً مني بالتسامح “رذيلتان لا تصنعان فضيلة” و”عنفان لا ينجبان سلاماً” و”جريمتان لا تصنعان عدالة”، كما يقول صديقنا المفكر اللاّعنفي وليد صليبي.
والكره لا يقابل بالكره، والحقد لا يواجه بالحقد، ولست مع القول الشائع “العين بالعين” و”السن بالسن”، لأننا سنكون أمام مجتمعات عوراء وأفواه بلا أسنان. البشر “خطاءون” وعلينا أن نأخذ بعضنا بعضاً بروح التسامح.
أكره بعض الصفات التي يتلبّسها بعض البشر مثل: الغدر والحقد والحسد والبخل، وكلّها صفات لا تتّسم بالفروسية والشجاعة التي تحدثنا عنها، وتكون أقرب إلى الشر منها الخير.

س 47 ـ كيف تجمع بين الأكاديمية وحقول أخرى، من بينها الكتابة والبحث في الأديان؟
لعلّ ميلي الأكاديمي ودراساتي لفروع مختلفة جعلتني كثير التدقيق في الإشكاليات ذات الطبيعة المتجاورة في كثير من الأحيان والمتضادة في أحيان أخرى. الأكاديمية تمنح الباحث فسحة أكثر شمولية لدراسة الظاهرة من مصادر مختلفة وقراءة مستجداتها بالاعتماد على مراجع ومناهج ومقارنات واستقراءات واستدلالات. دراساتي القانونية والدولية منحتني قدرة على تناول الكثير من الظواهر التي تواجهنا.

وما كتبته عن الإسلام “وهو أربعة كتب” وعن المسيحية “ثلاثة كتب” هو جزء من البحث عن الهوّية والحقوق الإنسانية والمواطنة، وهو دفاع عن هذه المفاهيم التي تغيب عن مجتمعاتنا العربية. وكل دراسة للقانون الدولي أو الدستوري أو غيره تتفرع منها فروع أخرى متجاورة مؤتلفة لدرجة الاشتباك أحياناً مثل الاقتصاد والسياسة والإدارة والأديان والمجتمع المدني وغير ذلك، فضلاً عن رغبة شخصية في مدّ القنوات بين هذه الفروع التي أشعر بانتماء إليها جميعها في دراساتي السيسيوتاريخية الثقافية.

الأكثر قرباً إلى نفسي هو الفلسفة والتاريخ، وإذا أردت ما هو قريب من قلبي فإنني مغرم بالأدب.

س 48 ـ كيف توفّـق بين القانون والأدب؟
قلت في حديث سابق إذا كان القانون زوجتي، فالأدب عشيقتي، وأنا أعني ما أقول، وإضافة إلى القانون والفكر السياسي، فإنني أكتب نصوصاً في النقد وفي النثر وفي السيرة وفي السيسيولوجية الثقافية، وبعض نصوص أدبية من جنس يتداخل فيه النثر بشيء من الشعر، إضافة إلى أنني أكتب عن ما انغمست به منذ مراهقتي من تجارب وأحداث، وهدفي هو إبراز المعاني والدلالات لتلك الأحداث والتجارب التي عشتها.

لم أجلس هكذا يوماً، لأفكر أنه ينبغي عليّ أن أكتب كتاباً عن الجواهري أو أبو كاطع “شمران الياسري” أو عامر عبد الله أو حسين جميل أو سعد صالح أو منصور الكيخيا أو عبد الرحمن النعيمي أو غيرهم. وهؤلاء جميعهم تقريباً عايشتهم وارتبطت بصداقة معهم أو بمعرفة لظروف حياتهم، مثلما كتبت عن عشرات آخرين نصوصاً نقدية لأدبهم وفنهم ومساهماتهم الفكرية والثقافية.
كتبت عن هادي العلوي ومصطفى جمال الدين والطيّب صالح ومحمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر وطالب شبيب وخضير ميري ومحمد بحر العلوم وعربي عواد وخالد علي الصالح والعربي أبو سلطان ومحمد السيد سعيد ومحمود البياتي ووليد جمعة وغضبان السعد وكامل الجادرجي وعبد اللطيف الراوي ومصطفى البارزاني وإبراهيم أحمد وعبد الوهاب سنادة وعبدالله عمران تريم وجاسم القطامي ومحمد حسين فضل الله وإنعام رعد وشاكر السماوي وعزيز السيد جاسم ونصر حامد أبو زيد وعلي كريم وبدر شاكر السياب وغائب طعمة فرمان ومظفر النواب، وغيرهم، وكانت الفكرة تأتيني، وأما الأسلوب والنصّ فهو جزء من المضمون، وقد يتنوّع أحياناً.
كل ما أكتبه هو نصّ أشعر بحاجة لأعبّر فيه عن قضية أو فكرة أو مفهوم أو هاجس يشغلني ويعنيني، فألجأ إلى سرديات تجمع بين الثقافة والتاريخ والسيسيولوجيا والنقد الأدبي في إطار فلسفة لنصوص تجمع أكثر من جنس أدبي، وأصارحك القول إنني أنحاز دائماً إلى مثل هذه النصوص، ربما أكثر من ميلي للنصوص والأبحاث الأكاديمية، لما فيها من طراوة وحكاية وحبكة درامية، في حين أن الدراسات الأكاديمية تكون أقرب إلى الجفاف والصلادة. ولكنني أحاول أن أطعّمها باستطرادات وأذيّلها بشروحات تضفي عليها ندى وخفّة دمّ، لكي لا يضجر منها أو يملّ القارىء غير المتخصص.

س 49 ـ كيف تكتب؟
الكتابة ينبغي أن تكون عقد زواج كاثوليكي مع الحقيقة، هي شكل من أشكال الصلاة حسب الروائي التشيكي فرانسيس كافكا. إنها مكافأة جميلة تمنحنا الحياة إيّاها على فقداننا أشياء كثيرة. قد نضطر أحياناً ألاّ نقول كل الحقيقة، ولكن علينا ألاّ نقول ما يخالفها. النصف يحرجنا أحياناً، لكن النصف الآخر غير ملغى أو محذوف، إنه قد يكون مؤجلاً أو بعيداً لحين، أما الحلم فهو الذي ينبغي أن يكون قائماً، وبدون أحلام سيغدو العالم كالحاً، الحلم يلوّن الحياة ويعطيها رونقاً ، لذلك مهما حصل لنا من خيبات ومرارات وعذابات، لا ينبغي أن ننكّس رايات أحلامنا.

أكتب لأنني أشعر بحاجة إلى أن أقول ما أفكّر به، وما أعتقد أنه سينفع الآخرين. الكتابة أحياناً فعل هجوم لاقتحام الساكن، وتحريك الراكد ونقد المألوف ومواجهة السائد، وهي في وجه من وجوهها دفاع عن النفس والحق والعدل والجمال.

لكي تكتب عليك أن تفهم أولاً وتحسّ ثانياً وتشعر ثالثاً، وتتجلّى في كل ذلك حماستك للمعرفة، وهو ما أراده المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي من المثقف الذي حلّل خطأه باعتقاده أنه يستطيع أن يعرف دون أن يفهم وهكذا. وكما قال ابن المقفع: من العِلمِ أن تعلمْ أنّك لا تعلم، أو كما قال سقراط: “كن حكيماً واعرف نفسك… أنك لا تعرف”.

س 50 ـ ولمن تكتب؟
قد يبدو أحياناً أننا نكتب بلغة الحرير، لكن الريشة ستكون مغمّسة بالدم، لأنها كتابة من الروح.
إن شغل الكتابة مضنٍ وقاس، خصوصاً إذا أردت الوصول إلى الجمهور، وكلّ كاتب يطمح أن يصل إليه، حتى وإن توجّه إلى النخب، لكن ما هو أقسى حين تعرف أن القراءة في عالمنا العربي انحسرت على نحو كبير، وأن ثمّة قيود لا تزال مفروضة على انتقال الكتب والمطبوعات.

تتألم أحياناً حين يشار إليك ببرنامج تلفزيوني، على تمنعاتي الكثيرة واعتذاراتي المتكرّرة، لكن صدور نحو 60 كتاباً لك لا يعني شيئاً لجمهور منشغل عن القراءة بأمور أخرى. المبيعات من كل كتاب لا تصل إلى بضعة آلاف، وهذا حال القراءة في عالمنا العربي، وإن كان هناك مظاهر أخرى بعضها إيجابي.

أشعر بالحرج حين يصادفني طالب أو سيدة أو صاحب دكان أو عامل في مقهى أو صحفي في جريدة أو في إحدى القنوات التلفزيونية في العراق أو في لبنان أو في العديد من البلدان العربية والإسلامية، ليلتقط معي صورة ويبدي إعجاباً أو يطرح سؤالاً عن كتاب أو مقالة، وكذلك حين يعرض عليّ طلباً للجوء أو مساعدة في قضية تتعلّق بحقوق الإنسان أو مسألة قانونية أو غير ذلك، وهذا يعني أن بعضهم قرأني أو سمع حديثي أو اطّلع على اسمي، وهذه الظاهرة الجديدة ليست بمعزل عن دلالات جديدة أخذت بالاتساع بفضل الانترنت، ففي موقع الحوار المتمدن وحده وهو موقع مرموق، كان قد خصّص لي موقعاً فرعياً، وهناك أكثر من ثلاثة ملايين ونيّف شخص دخلوا عليه، خلال السنوات القليلة الماضية، وهو رقم أدهشني عندما اطّلعت عليه.

أكتب لهؤلاء، وهؤلاء هم مادة التغيير.

2 تعليقات

  1. تحياتي لكِ ولكل العاملين معكِ متمنياً لكم الصحة والسلامه ورمضان مبارك على الجميع
    حوارية فيها مفاهيم تستحق المناقشه

    لكِ احترامي وتقديري

    الحاج عطا

  2. مرة اخرى اقدم تحية الاجلال للمفكر عبد الحسين شعبان والى سيدتي المبدعة خيرية المنصور.. هذا الجزء هو الاعمق وهو الاكثر ثراءا في الفكر والتوصيف .. شكرا لكما..

اترك رد