وليد توفيق يختزل الدلالات، و يبثها بحرارة متفاوتة

 

وجوه محكومة بالرجوع إلى ملاحم منها كان ينزاح الإحتفاءات الإثارية من حب و حرب ، وجوه محكومة بذاكرة أوشكت على مغادرة الضوء ، وجوه لا تلغي المرجعية الواقعية أبداً ، بل تحييه و إن بسرد تخييلي كل ما فيها خيارات موجعة إلى حد التباين و النطق و العنف ، فالموت الذي بقي يرافق المكان الذي إليه ينتمي إبراهيم و عليه يشدد ، لا كأغراض إحداثية لإخفاقاته ، بل كرؤيا تسبر الزمن الذي على ضفافه تتوارى كل الحقائق ، فهو القادم من مرابع الحلم بتفاصيله المؤثرة و المنفتحة على الرهن القائم على التحققات العميقة و الطويلة ، لا على الهشاشة و الفقدان ، القادم من مرابع الشغب الجميل و الطويل بعشقها و أسرارها التي مازالت تستمر في المشهد دون أن تكون لها أية قدرة على مغادرته ،

فالوصف التفصيلي الذي يمثله إبراهيم هنا و هو في لحظة إندفاعاته يشي بكل ما كان يمكن أن يحققه منجزه ، فبإجراء نوع من القياس البعيد على طرائق إنتظامه و هو يقربها من الخفي المستتر سيكون من الجلي أن نخرج برؤية طافحة بالوجع الطافح بدوره بالمعاني التي تشي بفضاء ميتافيزيقي و كأن كل ما يدار فيه قدر من السموات التي باتت بعيدة عن ، و عن هذه الأرض و كأنها لم تعد يهمها لفحنا و لفحها ، فهي الغارقة في جنانها تاركة إيانا و إياها أقصد نحن و الأرض نغرق / تغرق في موتنا / موتها الأخير ، هذا الموت الذي يقترب منه إبراهيم محاولاً أن يخرج منه ما يتيسر له من الحياة ، محاذياً وجهها الآخر بتداعياتها التعبيرية ، الجمالية و ما تحمله من قيم مستعادة كبزوغ الفجر في الزمن و حركيته ، و هنا يقترب إبراهيم من إستضاءة الروح في ساعات الإحتضار متأملاً فيها بوصفها مكاشفات تؤرق المخيلة و تصعدها ضمن موجات جديدة لا يمكن إغفالها ، بل قد توافق إيقاعها حين تسعى إلى تجاوز المرئي ، و في هذا إقرار على نحو ما بعدم القدرة على إخفاء ما تختزنه الذاكرة من مناخ ما ، بحساسيات خاصة تقارب إشكالات محتملة تنتمي لمرحلة ما ، الأمر الذي يجعل إبراهيم يعز تكويانته و ألوانها على نحو لافت .

توفيق إبراهيم عندما يلجأ إلى الملاحم التراثية بوصفها مرجعية تاريخية و ثقافية تسمح بالإنتقال بين العوالم المختلفة و بصورة تردم الهوة الفاصلة بين الأشياء التي ستغدو في منجزه واقعاً حكائياً كل ما فيه مسوغ على نحو ما يثري تجربته الذاتية ، فهو يأخذ بعين الإعتبار تلك التفصيلات المطروحة ضمن حراك من الجدل المتين ذي فعالية متبادلة داخل نطاق المنجز ، يأخذ بعين الإعتبار تلك الأصوات المحكمة بالقيم الجمالية و ما تطرحها من أسئلة تثير التفكير العميق و مدى تأثيرها في بناء العملية المعرفية ، كما تثير التأمل المرتبط بمفاصل تجربته في تقاطع دوائرها الكثيرة و المختلفة و التي تدفعها في الوقت نفسه نحو تداخلات إدراكية في بعض كشوفاتها ، الزاخرة بالحركة منها ، و إستبصارية منقطعة في بعضها الآخر و على نحو أخص في تلك التي تهيمن على ملامحها كمركز ثقل لمنجزه في جوانبها المتعالقة بالإندفاعات و ما تلتقطها من عناصر بانية للرؤية و ما تفطن من لقطات تعبيرية ملحوظة ، المتواشجة بقضايا النساء و ما فيها من أبعاد إنسانية / إجتماعية ، حيث التناول مفعم بأوجاع الزمن وب أوجاع المكان و بأفول الروح فيهما

و ما محاولات إبراهيم بإستعادة تلك الروح و لو جزئياً إلا شكل من أشكال نفخ الحياة فيهما ، ببؤسها و حيويتها ، و ما يدور بينهما من محاكاة قد تحمله إلى آفاق جديدة مغايرة ، فكل المعطيات المستثارة منها و الناجزة ، الدالة منها و الفائضة ، تؤسس لكيانات متضافرة داخل منجزه ، كيانات تشكيلية أشبه بحالات وسمية غير محدودة الجهات ، و غير مرتبطة ببوصلات خاصة التي قد تسقطه في دوائر ضيقة , لا نوافذ لها و لا شمس ، كيانات مستمدة من الواقعين الحكائي و التخيلي و مرجعياتهما ، و مفتوحتين على اللانهاية ، و بالقياس إلى ذلك و ما فيها من تفريعات غير متناهية يمضي إبراهيم إلى آفاق توقعاته ، فكل الآليات المتداخلة منها و المتدخلة تمضي به نحو الخوض الذي لا بد منه ، خوض الثراء المدهش و بملاحقة أدق التفاصيل دون أي إسراف في بث الألق فيها تجنباً من الوقوع في النمطية و شؤونها ، أو في التجسيمية و إعتباطاتها الكثيرة بما فيها إنعدام التناسب بين حدودها الكثيرة و التي قد تثير أسئلة غير جوهرية ، أسئلة مسبوقة الصنع لا تكتسب أية أهمية إضافية ،

فمن الواضح تماماً أن إبراهيم يصوغ المكان الذي ينتمي إليه و يعيد له ذاكرته ببناء مرهف يؤخذ عليه تداخلاته الكثيرة و الوثيرة ، و بتأنق تعبيري ينفض تحولاته التي ترتمي لاهثة بفضاءاته و هي مازالت تتمخض عنه بكل أبعادها الميثولوجية التي تتعدى الإنهمار العادي ، و الأقرب لخصوبة ألوانه و تدفقها بجمالها ، و رونقها ، و دهشتها ، فإبراهيم بوصفه الفنان المتحمس لقضايا الإنسان و الباحث عن الجمال و خطوطه التي تتقارب في تفاعلات خصيبة تذهب في نسج الضوء و اللحظات المحتدمة ، يحررها من الأحكام المسبقة ، و يتسامى بها و هي تختزل بين أصابعه إلى إستشرافات قادرة على إختراق أفق التحولات المعرفية لمتلقيه و هو مأخوذ بالذهول و بإمكانية البدء في كل حين ، فالرغبة الصاعدة و المنبثقة من النهوض لم تتوقف لديه بعد ، و لا لدى متلقيه ، بل متفاعلة و متجاوبة مع حركةالعناصرفيكلأبعادها ،مزدحمة بأحاسيس تتراءى له في سكون المشاهد المفعمة بالحب و التعب و هي تفتح له نوافذ بصرية مقترنة بزمن يتيح له تحقيق حلم ما كان يراوده على إمتداد الولادة و الخلق ، على إمتداد الحياة و ما تنزلق منها تداعيات حادة مختزلة في دلالات يبثها إبراهيم بحرارة متفاوتة و مختلفة و في نظام متسق يمكن إدراكه

لا تعليقات

اترك رد