ما مصير الديمقراطية التوافقية في العراق ؟

 

حتى في الغرب كسرت الشعبوية قبضة الأحزاب الديمقراطية مثال ذلك ترمب رغم أنه ينتمي للحزب الجمهوري، وبوريس جونسون وفي ايرلندا أتى فوز انتخابي مدوي لحزب شين فين اعتبر لحظة تاريخية لحزب طالما واجه صعوبة في التخلص من روابطه الماضية بأعمال العنف الطائفي في أثناء الفترة التي عرقت باسم المشكلات ويركز زعيم حزب شين فين على إصلاح الأزمة الإسكانية في البلاد ورفع مستوى الخدمات العامة الأمر الذي لاقى تجاوبا من جانب الرأي العام.

في العراق الأمر معاكس تماما فمقتدى الصدر يتحول من المشاركة في الإصلاح إلى حصار الاحتجاجات، ما يعني أن إجراءات الصدر كانت في الماضي ينظر لها على أنها مجرد تكتيكات للتكيف، بمعنى أنه يربح من تلك التكتيكات لكنه يخسر على المدى الطويل، ويخسر تعويل المستضعفين على الصدر الإصلاحي الذين عانوا من حكومة المحاصصة التي كانت تتبع حكومة قاسم سليماني.

والغريب أن الكتل التي تدين بالولاء لحكومة قاسم سليماني هربت إلى داخل جحورها واتخذت قرار بالتهدئة بعد مقتل قاسم سليماني انتظارا للفرصة المواتية للظهور مرة أخرى، لكنها وجدت نفسها في حالة استقطاب إيرانية حادة ولم تجد سوى الصدر الذي يمكن أن يقوم بالدور الذي تطلبه إيران باعتباره دائما يغرد خارج السرب، ففي 3 يناير 2020 نعى الصدر قاسم سليماني وأوعز لفصيلين تابعين له هما جيش المهدي المجمد أصلا عام 2007 ولواء اليوم الموعود وهو فصيل مسلح يحمل شعار لبيك يا محمد تشكل بعد عام واحد من تجميد جيش المهدي وكلاهما يحملان عقيدة مقاومة المحتل، وهناك فصيل ثالث سرايا السلام لم يطلب منه الصدر الاستعداد الذي انحصر دوره في مقاومة داعش، ما يعني أن الصدر انقلب على الاحتجاجات وعاد همه الأول في المحافظة على الديمقراطية التوافقية.

غير جيل الشباب الثائر قواعد اللعبة إلى الأبد رغم أن أتباع الصدر عبر القبعات الزرق حجمت تلك الاحتجاجات، لكن خسر الصدر قاعدته الشعبية من المستضعفين وكثير منهم انقلبوا عليه بعدما انكشف الصدر رغم أنه معروف من قبل لدى جميع الساسة والمثقفين من أنه شخصية متقلبة ومتناقضة ويلعب بأوراق عديدة ودائما ما يناور لكن دائما ما تكون مناوراته متناقضة، لكن هذه المرة خسر أكثر مما كسبه بعدما استغل تحويل مركزه من المشاركة في اٌلإصلاح إلى وأده كي يحافظ على الديمقراطية التوافقية التي صاغت موازين القوى الشيعية بالسيطرة على المشهد ما يعني أنه طائفي وليس وطنيا أو إصلاحيا كما يدعي.

صعود الصدر أتى بصعود نوري المالكي إلى الواجهة الذي أتى بدعم الثنائي الأمريكي الإيراني، وحاول الصدر أثناءها رسم خطا سياسيا يحفظ توازن الرعب داخل المنظومة السياسية حينما دخل في مواجهة مع المالكي الذي طالبه بالتوقف عن محاربة المحتل الأمريكي، حينها أصبح رقما صعبا داخل المجتمع العراقي ولم تشكل حكومة بعد المالكي من دونه، واليوم اكتشف الصدر أن حساباته خاطئة بشأن قوة الاحتجاجات من دونه، لكن خوفه من خسارة موازين القوى الشيعية بالسيطرة على المشهد مقدمة على قوة تلك الاحتجاجات التي تطالب بوطن ولا يهمها ما يهمه بالحفاظ على تلك الموازين، ما جعل أتباعه تسيطر على بناية المطعم التركي وأزالوا كل آثار الاحتجاج منها.

عمليا صمد الحراك الشعبي وفي كل مرة تتعرض الحركة الاحتجاجية إلى نكسة ينجح طلبة الجامعات العراقية في إعادة التوازن حتى أنها جعلت المناورة الصدرية أقل فاعلية، لكن هناك محاولات لتحجيم الاحتجاجات ودفعها إلى التمركز في مكان محدد، ويتهم بعض المحتجين أتباع الصدر بالتنسيق مع عمليات بغداد في عمليات فتح الجسور بهدف تحجيم الاحتجاجات ودفعها للتمركز في مكان محدد،ولم ينطلي على تلك الاحتجاجات تلون الصدر ومطالبته بحل القبعات الزرق ومطالبة أتباعه بالمشاركة في التظاهرات بوصفهم أفرادا وليسوا أعضاء في التيار، رغم ذلك ما زالت المناكفات والاتهامات المتبادلة بينهم وبين جماعة الحراك قائمة في ظل اتهامات لعناصر مؤيدة للصدر بالوقوف وراء عملية طعن بسكين تعرضت له طالبة في ساحة التحرير، ما يعني أن المواقف المتضاربة التي اتخذها الصدر في الفترة الأخيرة ساهمت في تعميق هوة الخلاف بينه وبين المحتجين، وفي محافظة النجف اتهم أتباع الصدر بالضلوع في قتل المتظاهرين بعد قيام القبعات الزرق التابعة للصدر باقتحام ساحة الاعتصام.

لا تعليقات

اترك رد