الموسيقى غذاء الروح


 
الصدى - موسيقى غذاء الروح - عمر البشير
لوحة للفنانة رشا عكاب

عندما نتحدث عن الموسيقى نستعمل تعابير مثل الموسيقى لغة العالم ، ولغة الانسانية وانها لغة يفهمها الجميع ، ذلك لان الموسيقى هي لغة متأصله في نفس كل انسان ، وتعبر عن مكنونات وخفايا روحه التي تعجز اي لغة او وسيلة اخرى التعبير عنها ، لذلك الموسيقى تختلف عن باقي الفنون ، مثل الفن التشكيلي او النحت وغيرها من الفنون ، التي تستخدم المادة كوسيلة اساسية للتعبير ، فتنحصر تجربتنا مع المنحوتة مثلا لتجربة مرئية وعقليه تحليلية ، لكن بالتأكيد مصدر الابداع عند جميع الفنانين هو نفس المصدر ، بينما تستخدم الموسيقى عناصر غير مادية في التعبير ،اي الطاقة فتصبح التجربة عقلية وعاطفية بنفس الوقت، ولصوت الموسيقى ذبذبات تؤثر على طاقة المستمع ، وهذا ما يجعل للموسيقى تأثير عميق على طاقة الانسان واحساسه العاطفي ،فلها ان تبكينا وتفرحنا وتحرك الحب في قلوبنا وتزرع السلام في نفوسنا ، وممكن تكون ايضا مصدر ازعاج وارهاق عصبي او صداع او غضب ، ومصدر اكتآب ،او ممكن ايضا ان تؤثر سلبا عندما تنعدم الموسيقى من الذوق والابداع ، وتصبح أداة للترفيه الرخيص والتجاري.

هناك تجارب ودراسات علمية ، خصصت لدراسة تأثير ذبذبات صوت الموسيقى على طاقة وصحة المحاطين بها. في تجربة اوائل السبعينات تضمنت بعض النباتات والحيوانات ، كانت النتائج مذهلة عندما تعرضت ثلاثة نباتات لمختلف انواع الموسيقى.

استمعت الاولى لموسيقى صاخبة و لمدة اسبوع ، والنبتة الثانية لم تستمع لاي موسيقى ،والثالثة استمعت لموسيقى كلاسيكية ، مصير النبته الاولى والثانية كان الموت ، والازدهار كان مصير الثالثة , نفس التجربة طبقت على الفئران ، والنتيجة لم تكن مختلفة عن تجربة النباتات ، فبعد تعرض الفئران الى الموسيقى الصاخبة وذو طابع عدواني ،وجدوا الفئران في حالة قلقة جدا ، مع توتر عصبي اثرت على وظائفهم العقلية والبايولوجية سلبا.

هناك ايضا العديد من التجارب والدراسات الحديثة التي تشير الى قوة تأثير الموسيقىعلى عقل وحواس الانسان ،ففي تجربة اخرى ،راقب العلماء كيف للموسيقى تقوم بتحفيز وتنشيط هرمونات معينة في الدماغ ، لها علاقة مباشرة بالفرح والاكتآب ، ومزاج الانسان ونشاطه ، وفي نفس التجربة اختير بعض المشاركين للاستماع الى انغام موسيقية ، تدعو الى الفرح والتفاؤل لمدة اسبوعين ، لرؤية اذا كان هناك فرق في حالتهم النفسية .

بعد انتهاء التجربة كان هناك بالفعل تأثير ايجابي ملحوظ على حالتهم النفسية والمعنوية. . . فمنذ عصور قديمة وفي ثقافات مختلفة تستخدم الموسيقى كعلاج روحي ،واليوم في الدول المتقدمة نجد أن العلاج بالموسيقى يستخدم في علاج الاكتآب ، وحتى في بعض الاحيان في العمليات الجراحية .

عندما نفهم مصدر الابداع الحقيقي ، يتوضح لنا لماذا هناك موسيقى تستحوذ وجداننا وتأسر ارواحنا دون غيرها . عندما نلقي نظرة على تاريخ ومفهوم الابداع في كل الحضارات ، نرى بانه قديما كان هناك معتقد ، بان الابداع يأتي من خارج الانسان عندما تتلبسه روح مقدسة من الخارج ،و كلمة العبقري عند الرومانيين لم تكن تعني الشخص المبدع ، وانما تعني الروح المقدسة الساكنة في جدران غرفة الفنان المبدع ،يستعين بها لحظة الابداع ، لتعطيه الالهام وينتج العمل الفني.

وعند الاغريقيين كانت لديهم آلهات الالهام ،وتعتبر الوسيط بين الفنان والاله ، و مسؤولة عن الهام المبدع. ، أن فكرة الوحي المقدس او مصدر الابداع الالهي ، هي ليست بفكرة خرافية ، وانما صادرة من فكرة الابداع ، بمعنى الخلق هي خاصية الاهية تخص الخالق او الله وحده. لكن لو افترضنا بان روح الخالق تسكن فينا جميعا لاننا جميعا ارواح داخل اوعية الجسد ، هذا يعني باننا ايضا نمتلك خاصية الخلق والابداع ، لكنها كامنة اي خفية غير ظاهرة ،و لسنا مدركين بها ، لاننا بصورة عامة نعتقد بان روح الخالق منفصلة عنا في مكان خارجي ،بعيد عنا ربما فوق في السماء ، اي نحن في حالة انفصال عن المصدر ،اي عن الالهام ولذلك يصبح ما نتمكن من انجازه وليد العقل البشري ،ومهما كان كماله وجماله ، يبقى محدود ازاء الابداع الروحي ،لذي ينبع من مكان نوراني ، في جمال ونقاء مطلق واحساس العالي ويقودنا الى عوالم ساحرة داخل نفوسنا ، تذكرنا بالنقاء والحب والانسجام الكوني. ومن هنا تأتي اهمية الانتقاء الواعي للموسيقى ، والانتباه الى نوع النغمات الموسيقية المؤثرة في نفوسنا ،من حيث مستوى الابداع الروحي وذبذباته الصوتية وايجابيتها .

يمكن للموسيقى ان تبني أجيالا واعية وراقية ، قادرة على بناء امة عظيمة ،ويمكن لها ان تبني اجيالا تافهة وعقولا متخلفة ،تتسبب بخراب امة بالكامل كما يحصل اليوم .. ان كنت مثقفاً وواعياً يخشاك عدوك ،وإن كنت متخلفاً، مغرورا فلسوف يحتلك

1 تعليقك

اترك رد