لذة الحواس بعيدا عن عالم مضطرب !!

 
اللوحة للفنان عامر هاشمي

لذة الحواس بعيدا عن عالم مضطرب !!
Valehtines

لم تنتف أزلية الحب يوما، فهو يجري جريان الدم في عروق البشر، وعلى هواه تنتظم نبضات القلب أو تخفق، انفعال شعوري لا يقوى أحد على كبته، وإخفائه خلف حجاب لا يلغي وجوده المحسوس، ترتسم ملامحه بين قسمات الوجوه، وتتراسل اشعاعاته بنظرات العيون على مديات البصر، وتتوارد أنباءه دون الاعتماد على قنوات الاتصال، الخاضعة لجهاز رقابي.

أما الحاجة إلى السياسة المفتقرة للغة الحواس، فقد انتفت في العصر الراهن، كما انتفت الحاجة إلى السياسي المركون في رف تاريخ محنط، لا يقلبه أحد، وآلياته المتغيرة، خرجت عن نطاق الخدمة، بعد ان أكلها الصدأ.

فما نراه اليوم، بعد انتفاء الحاجة إلى السياسي المفتقر للثوابت في توجهاته المتقلبة، واندثار السياسة في خزائن التراث، والغاء قانون الطواريء، ونبذ الارتجال في اتخاذ القرار، أشبه بمعادلة تقنية، نتائجها لا تقبل الخطأ، وضعت قوانيها بدقة عالية، فالمتحكم بمركز القرار، لا تستهويه المفاجآة الطارئة، وهو الصانع الماهر لخارطة طريق، يستدل بها في مسار الوصول إلى عمق الهدف المرسوم.

أنها مزايا عصر الاتصال، الذي أتاح للسياسي أدوات، تيسر العمل خلف أبواب مغلقة، لا يسمح لأحد سواه بدخولها، يرتب تفاصيل المشهد اليومي، فيرى وقائعه على الأرض عبر شاشة الكترونية، تستجيب لإرادته بلمسات ناعمة.

ولا شيء خارج نطاق السيطرة، فقد رتبت الأشياء كما رتبت الأبجدية في علوم اللغات، ورتب ميزان القوافي في بحور الشعر، والحدث أي حدث بيد صاحبه، المقتدر على إشعاله أو خفوته، طالما امتلك أدوات التنفيذ، وحدد آليات التأثير في خارطة المكان بتوقيت زمني دقيق .

لا شيء خارج نطاق السيطرة .. والآليات التقنية تنتج الحدث كما رسمت خارطته، بدقة الرسم الهندسي، فتجني نتائجه خالصة، لا لبس فيها، دون الحاجة إلى استحداث قانون طوارئ يخضع لقانون الفعل رد الفعل غير المتوقع.

وبين الحب والسياسة يتسع الفارق، فشتان ما بين فعل سياسي طارئ مجرد من أي أثر عاطفي، قابل للزوال والتبدل حين تنتفي الحاجة إليه، وبين الحب كقيمة إنسانية أزلية، قدرية، تتسامى به الروح في فضاءات النشوة، ترسم المشاعر المجردة من كل سوء خارطته الأبدية.

ولعلنا وجدنا المفتاح لأبواب مغلقة على معرفة حسية لواقع مضطرب، فأدركنا الحقيقة البعيدة عن الأنظار في عالم راهن لا يعرف الهدوء، بتنا محاصرين معه في شبكة عنكبوتية اختصرت العالم في شاشة الكترونية صغيرة، اسقطت دلالات السياسة بضربة فنية قاضية، وبعثرت اوراقها، حتى انتفت الحاجة اليها ولمن يهوى اللعب بأدواتها البالية، في عصر القواعد لا المبادئ، وأبقت الباب مفتوحا على طقوس مشاعر عاطفية، ازدانت بألوان بهية في يوم عيدها، استجابت لها صفحات التواصل الإجتماعي بعد التخلي عن عقد السياسة المندثرة بلا عيد .

لا تعليقات

اترك رد