فيلم صه ! … الفتيات لا يصرخن للمخرجة الإيرانية بوران درخشندة

 

فيلم صه! … الفتيات لا يصرخن للمخرجة الإيرانية بوران درخشندة
السينما تطرح القضايا والأسئلة الشائكة وتعري المجتمعات

الفنان عندما يعري مجتمعه ويكشف عيوبه فهذا لا يعني أنه ينتقصه أو يهينه بالعكس هناك قضايا تحتاج إلى مصارحة وصدمة وهنا السينما ليست ترفا ترفيهيا بل هي المشرط حينما يحتاج المجتمع للجراحة، العديد من المخرجين في إيران خلقوا سينما إيرانية ذات سمعة عالمية تناولت هموما إنسانية في قوالب فنية ذات بهجة تشكيلية ولذة شعرية.

هس! … الفتيات لا يصرخن” (انتج عام 2013) للمخرجة بوران درخشنده وشارك بعدة مهرجانات دولية وفاز بعدة جوائز ببعضها، نتناول هذا الفيلم حيث اتيحت لي مشاهدته بأحدى الأمسيات الفنية الخاصة وهنا نؤكد أن هناك مميزات عدة للسينما الإيرانية تجعلها مرحب بها لدى الجمهور الفرنسي والغربي بشكل عام ونجد أفلاما عدة لا تبلى ولا يذهب بريقها حتى مع تقادم الزمن حيث تظل نموذجا في معاهد ومدارس السينما ومواضيع مهمة للبحث في بحوث الماجستير والدكتوراة، أي تظل جذابة بمواضيعها الإنسانية والمجتمعية وكذا برونقها ولغتها السينمائية بحيث لايشكل الحوار واللغة عوائق.

الخوف من الفضيحة والعار
تناولت المخرجة والمؤلفة بوران درخشنده قضية التحرش الجنسي بالفتيات الصغيرات في المجتمع الايراني المسلم بصفتها قضية حساسة وخطيرة جدا حيث يدس المجتمع رأسه في التراب ويتعامى عن علاجها والوقوف بجدية لمناقشتها وربما هناك من يراها محدودة للغاية في مجتمع أصلحته الثورة الإسلامية الخمينية وجعلتها نظيفا وطاهرا ولكن الخوف من الفضيحة والعار الذي سيلحق بالعائلات الشريفات يظل أقوى الأسباب ولا يهم ما سيحل بالضحايا الصغيرات غير المذنبات رغم أن مثل هذه الجرائم تورث الكثير من الألم والعذاب لسنوات طويلة للضحية، ويبدو أن الكل يعلم ذلك ولسنا مع مجتمع جاهل أو متخلف.

داية صادمة
فضلت المخرجة أن تستخدم بداية صادمة وتعتمد على مفهوم العنف يولد عنفا أكبر منه، فالبطلة شيرين ضحية عنف وتم الإعتداء عليها جنسياً في طفولتها ولم تجد من يسمعها لا في البيت ولا بالمدرسة، عانت الألم وتضخمت فيها عقدة الخوف والوحدة لتغص حياتها بمرحلة الشباب لتوصلها في النهاية وقبل زواجها بساعات إلى القتل.
بينما خطيبها الذي يعشقها بجنون، ينتظر لحظات قليلة لتكن شيرين زوجته لكن النتيجة أنها تظهر ملطخة بدماء حارس العقار، لم تهرب شيرين ولم تصرخ، تقاد إلى السجن، ترفض النطق والكلام، تسعى عائلتها لتجد لها محامية والبحث عن حل ينقذها من حبل المشنقة.

المتهمة امرأة
تستمر الحكاية في نسق مشوق مع ظهور أمير أي خطيب شيرين الذي يصاب بصدمة كبيرة، في مجتمعاتنا الشرقية تكون التأويلات كثيرة ويُصدر الناس أحكامهم ضد المتهم من لحظة الإمساك به، في مجتمعاتنا الشرقية عند ظهور حادثة قتل فالناس تتشوق لرؤية القاتل معلقا بحبل المشنقة وباسرع وقت مما يدفع أجهزة النيابة والقضاء سرعة البث في القضية وحتى لا تُتهم بالمماطلة والتقصير وحتى تثبت أن العدالة حية وموجودة وأن إعدام القاتل يحمي المجتمع ويطهره من الشوائب ليظل مجتمعا مؤمنا طاهرا ونقيا.
عندما تكون المتهمة امرأة وبأي قضية فلا أعذار لها ولا بحث عن الدوافع، يتضح بعد ذلك قصة طفولة شيرين المعذبة وتتحمس المحامية لإنقاذها وكذلك يساندها خطيبها الشاب أمير، لكن النيابة تصر على هشاشة الدفاع وتطالب بتطبيق الشرع والقانون، يفشل المحقق أن يقنع عائلة الطفلة التى أعتدى عليها المقتول وكانت شيرين من انقذتها من أنيابه وقتلته لأنها سمعت صرخة طفلة بريئة، يرفض أب الضحية أن يدلي بشهادته ويعرض طفلته وعائلته للفضيحة ويعرب عن إستعداده لدفع الدية وتوكيل محاميا شهيرا مهما كلفه ماديا، يظل البحث عن قريب للمقتول بحيث يتنازل ويأخذ الدية، تعاكس الأقدار ومع ظهور أخ المقتول يظهر أنه مدمن مخدرات ويتعرض لذبحة قلبية وهكذا توصد كل الأبواب وتساق شيرين إلى المقصلة.

السينما والواقع
هنا السينما تحفر في الواقع وتقدم شخصيات بسيطة وليست بطولات خارقة، هنا وثيقة إحتجاج ضد المجتمع وإزالة الأقنعة الزائفة فلا يوجد مجتمعا فاضلا وطاهرا ومثاليا كما نصور أنفسنا نحن المجتمعات الشرقية المسلمة ونكتشف بعد اعتراف شيرين أن مراد الذي هتك عرضها وبعد مضي 20 عاما على جريمته، هنا تثبت التحقيقات ارتكابه 27 جريمة قذرة بحق طفلات أي فتيات صغيرات قاصرات تم الحكم عليهن بالصمت وكل وأحدة بالتأكيد نالها من العذاب والألم والحرقة الكثير، هن ضحية الأهل والعادات والمجتمع أيضا وحتى إعدام مراد لن يوقف هذه الممارسات، لا أحد يذهب إلى الشرطة ليفضح نفسه حين يتعرض للتحرش وقد تفضل العائلات الهروب إلى مدينة أخرى حين تتعرض أحدى فتياتها للإعتدى الجنسي وفي بعض الحالات بالمجتمعات الريفية والمنعزلة يتم قتل الضحية لغسل العار.

الفيلم الصرخة حية
إننا لسنا مجتمعات مثالية طاهرة وفينا الكثير من العيوب ككل المجتمعات لذا يُكتم صوت الحقيقة وتُمنع الأفلام التي تتناول قضايا الشرف، فلا يُسمح بإجازة أي رواية أو سيناريو يمس هذه القضايا التي تصنف كتابوهات محرم الحديث عنها وهذا الواقع لم يتغير إلى اليوم.
بعض صناع الأفلام الواقعية يختمون أفلامهم بنهايات سارة ومفرحة، لعلنا انتظرنا لحظة خلاص شيرين كضحية بعد أن عرفنا وأحسسنا بعمق جروحها وأنها ليست مجرمة شريرة وسفاحة لكن المخرجة الإيرانية بوران درخشندة أرادت أن يكون الفيلم صرخة حية وصادقة بعيدا عن المجاملات والمغالطات الزائفة أننا مع تراجيديا تتكرر ليس في إيران وحدها بل بمجتمعات كثيرة مشابهة تفضل أن تظل الحقائق مطموسة وتتفاخر بشعارات زائفة كأن نقول نحن مجتمعات مؤمنة وخير أمة أخرجت للناس وأن ديننا يكرم المرأة ونحن على المحجة البيضاء وغيرها من الصفات التي نتفاخر بها على غيرنا.

كيمياء إبداعية
عندما نشاهد الكثير من الأفلام الإيرانية المتميزة فإننا نكون مع سيناريو يعي جيدا أن الإمكانيات الإنتاجية غير مريحة ومتواضعة وأن ثمة عوائق ومنع قد تصادفها لذا يكون السيناريو يتميز ببناء فنيا يتمسك باللغة السينمائية وقدرتها الخلاقة ويختار الأماكن ذات الدلالات المتعددة وخلق كادرات سينمائية معبرة، كذلك بساطة الحوارات وبلاغتها الحساسة، كما أن الإخراج ليس مجرد تنفيذا لصناعة الفيلم، رؤية المخرج تزيد العمل قوة وكذلك اختيارات الطاقم التمثيلي والتقني لتشكيل فريقا يؤمن بالفكرة وهكذا نكون مع كيمياء إبداعية منسجمة ورحلة فنية قد تصادفها أخطار كثيرة.

لسينما الاجتماعية في إيران
تعد بوران درخشندة اسما مهما في السينما الاجتماعية في إيران حيث بدأت مشوارها الفني بانتاج واخراج الافلام منذ عام 1986 وكان اول اعمالها فيلم “العلاقة” ثم فيلمها “طائر السعادة الصغير” (1988) وهي انطلقت من الوثائقي إلى الروائي كاتبة ومخرجة ومنتجة تقول أنها تنتج أفلامها من أجل الناس وحل مشاكلهم وليس من أجل الربح والشهرة وفي حوار مع قناة آي فيلم في شهر مايو 2017 تقول :ـ في الحقيقة أنني أسعى لتصوير مشاكل في المجتمع موجودة لكن لا يعيرها الكثيرون اهتماما والحقيقة أن هذه المشاكل لا تظهر و”صه البنات لا يصرخن” من هذا النوع من المشاكل فاردت أن أسلط عليها الضوء من زوايا مختلفة وآمل أن أكون قد وفقت في ذلك، ومثل هذه الموضوعات تكون حساسة وليس صحيحا أن نمر منها بسهولة.
كما أعربت المخرجة أن بعض الأفكار قد لا تقبل بسهولة وأن المجتمع يستحي الحديث عن مشكلات كثيرة تخص النساء وهي تأخذ عدة سنوات لإنتاج الفيلم وخاصة أنها تصور أفلامها ببلدها ورغم أن الممثلات يظهرن محجبات هنا بوران تقول بأحدى المقابلات الصحفية فإن الحجاب “جعل لون السينما الإيرانية مختلفاً عن غيرها”. حيث يركز المشاهد على المواضيع المختلفة.. على زوايا الطرح وطريقة التصوير والصوت والموسيقى، أكثر من اعتبارهم أن الحجاب قد يشكّل عائقا في عمل الممثّلات. علينا أن نركّز على المواضيع والأفكار ونحوّل ما يعتبره بعضهم قيودا إلى مميّزات تجعل المرأة نفسها في السينما الإيرانية مختلفة عن غيرها”.
اضطرت بوران بسبب ضعف وشحة الدعم أن تنتج بعض فيلمها “عشق بدون مرز” أي حب بلا حدود” في أميركاو كذلك تعاونت مع سينمائيين من الهند في فيلم آخر، حضيت بشهرة سينمائية جيدة اهلتها أن تكون ضيفة شرف بعدة مهرجانات دولية واختارها مهرجان السليمانية الرابع / أكتوبر 2019 لتكون عضوة لجنة تحكيم وهكذا تستمر المخرجة الإيرانية بوران درخشندة في نشاطها مؤمنة أن السينما يمكنها أن تداوي جراحاتنا وتطرح القضايا والأسئلة حتى لو كانت محرجة وشائكة.

المقال السابقالناعور
المقال التالىالعودة إلى مقاعد الدراسة مجدداً آمال وطموحات
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد