قراءة نقدية في الديوان القصصي ثمة حارس يفزعه الوقت للأديب إيهاب الورداني

 

قراءة نقدية في الديوان القصصي ثمة حارس يفزعه الوقت للأديب إيهاب الورداني
بعنوان (القص الشعري كتجريب وتأثيراته).

هو ذاك كما أسمى المجموعة القصصية ديوانًا، وهكذا عزفَ المبدع إيهاب الورداني على أوتار القلوب بقصائده الشعرية النثرية أو السردية، ولن أدخل في معادلة الشعر؛ فمقصدي السرد، ولكن في البداية كنت أود التأكد أنها قصائد، وبالفعل حينما وزنت أول قصة وهي على الغلاف الخلفي بعنون (هو) بينما عنوان المجموعة لم أجد مكانًا لكه وكنت أتوقعه عنوانًا لإحدى القصص، وكأن الشاعر أو القاص أحالني بوضع قصة (هو) على الغلاف الخلفي، وكأنه يقول أنه هو الحارس الذي يفزعه الوقت، وكانت القصة موزنة ولمستْ تفعيلتها القلب، وهي موضوعة بشكل رأسي كالقصائد على الغلاف الخلفي، هل هي قضية فرض رأي من المبدع؟ ربما، لأن القاص يجبرني بأسلوبه الجديد أن أتذوق قصائده القصصية وهي تجربة نجحت معي وأتوقع أنها تعجب كافة الأذواق حيث أن الأسلوب السلس والجمل القصيرة وبساطة السرد يهيئ أي ذوق لاستقبال الآتي، لذا فالتجريب كان مُبررًا.

_ لا أعرف لم كانت أول قصة جذبتني هي قصة برهومة، ربما لإنني كنتُ أبحث عن قصة بعنوان ارتسم على الغلاف “ثمة حارس يفزعه الوقت” وهو عنوان أفزعني جدًا وسوف أرجئ الحديث عنه وعن العتبات الأولى من غلاف وإهداء ومقدمة، ونعود لقصة برهومة هذه القصيدة المبهجة والمحاورة قرأتها مرتين لأتأكد أن الحديث عن ثلاثي .. أنا، وأقصد البطل، وهي وبرهومة، وكيف لا تكون قصيدة ببساطة سردها وتلون جملها الفعلية القصيرة المشوقة، حتى الفكرة بسيطة لكن طريقة سردها أضافت لهالا رونقها المميز الذي يجذب القارئ من كافة الطبقات الثقافية الواسع المعرفة والفقير منه.

انتقلت إلى قصيدة (هو) وفي بداية الطرح كان هو أنا وهو أنت وهو كل من يقرأ وسوف يقرأ ، ولكن النصيحة في النهاية جعلتني أفكر ما مدلول السرد بهذه الطريقة لتأتي بنهاية جملة خبرية مملة بنصيحة، ولكن حين القراءة سوف تعرف لم أنهى السارد القصة بهذه الطريقة فما بين السطور يحمل آلامًا وتورية، فهي آلام أمة ولمحات سياسية، فهو محمل بقضية أرض أو وطن وأي كلمة زائدة ستجعل الطيور تطبق على أعناقنا.

لم تمر قصة هو عليّ هكذا فقد أحالتني قهرًا إلى العنوان والإهداء، فاضطررت أن أعود لأول كلمة كتبتها في هذه الدراسة المرهقة نسبيا لتماهي عواطفي مع السرد الشعري، متأثرة بما يجذبني نحوه هذا الشاعر

_ ألم أقل أنني سوف اتجاهل الأسلوب الشعري وألهث وراء القصة، لكنه لازال يجذبني نحو الشعر ومن خلال الضمائر أنهيت قصة هو لأدخل في لماذا أنا، وحدة الضمير في العنوان اختيار موفق، ومرة أخرى أجد نفسي أسبح فوق قصيدة بنظمها تتصارع مع القصة التي تتعلق بها التفعيلات.. ولكن دعنا عزيزي القارئ نحاور عبور الحواجز ونفك شفرات الألغاز، انهم عراة وهو لم يشأ أن يراهم أو يرى الأشلاء المتناثرة لآداميين كانوا هناك وهو لم يكن معهم ولم يشأ أن يرى هذا المشهد وهو يتحدث عن أحداث تؤول إلى العديد من الأحداث فقد يكو هؤلاء الأطفال لاجئين، أو أطفال تهدمت منازلهم، لكن هناك علامات تجعلنا نسيرعلى طريقة أن المشهد نتاج اعتداء ظالم، والمسكوت عنه له رائحة فواحة تنبأ القارئ بخبر أكيد رآه في حياتة ربما في نهاية حرب ما، أو مطاردة أ و…أو.

_ وعدت إلى القوافي بين الآلات والدبابات والجرافات وجنود فوق رأسهم خوذات، والأيام البادئات، أهي جبانات أم مساكن بحجارة من طير أبابيل، وهنا يُظهر مجهود القاص الشاعر في صنع توليفته، ولكن تأويل المضمون ما زال يجرني إلى نهاية حرب أو دمار أو معركة، وهذا المشهد الدرامي الشبه مقفى في قصة تهيؤ ماذا كان يقصدبه القاص؟ ايقصد السارد أن الدمار الذي ذكره لم يبدأ بعد؟ أم كان هذا شعورًا بالإنفجار الكوني الأول وصنع أنثى يشعر معها بلذة الفراش! يا لها من توليفة يحيطها الغموض والوضوح معا.

_(وفيما بعد) هي قصة يتأنق بها التجريب في شكل القصة ومضمونها والغرض منها وقابليتها للتأويل، وذلك للمزج بين الطبيعة الحية والجماد وصنع صورة مشهدية عجيبة بين الأضاد، فعلى ماذا تسقط الكلمات والفكرة، أنا فهمت فمن أيضا فهمها يا أولي الألباب؟

_في قصة حنين، لولا العنوان وهو المفتاح لدارت بي القصة في كل اتجاه ” اكفأت نفسي على نفسي” يقول المبدع هذا في سرده الشعري، بالرغم من لقاء عذب وكأنه سراب أو قد يكون حنينًا، وكيف لا يكون الحنين ومضة وغصة ودفء وبرد وسلام وحرب نفسية؟

_ تجلى التناص من القرآن الكريم في قصة (تحقق) والتناص في كثير من القصص يتوافق مع المعنى والمضمون ومتناسق في شفافية تامة، فهاهو النص”سبقتني طيوري في امتدادات البراح.. رابعهم كنتُ” فأول ما جاء في ذهني سورة الكهف”سيقولون ثلاثة رابعهم كلبه”. أليس في السرد انسيابهة في التناص؟ وبراعة اقتناص من القرآن؟

_(لا عاصم منهم غيري) قصة جديدة تبدو وكأنها قصة إعادة الخلق، وكأن العالم من مئات القرون أو يزيد كما هو محموم، وقلب المبدع مشحون

بإنسانية آنسنت الحمى والسنين والقرون المقروءة وغير المقروءة، وكأن قضية الإنسانية من عهد نوح في سفينة لم يركب بها الكل ولم ترسُ على الجودي، فلا عاصم حقًا إلا في عصور بعيدة عن سيدنا نوح، تتكرر المهزلة الإنسانية ولا نتعلم من قصة نوح فهل نتعلم من قصة إيهاب الورداني؟

_ غضبة سومة؛ قصة أبهرتني؛ فكيف لخص القاص تاريخ في قصة قصيرة، وماذا كان يقصد ب(ستة إبريل) أكان يقصد بركان التمرد وإنشاء حركة 6 إبريل نتاج تحرك المعارضة 2008، أم كان يحكي تاريخ نضالي فذات اليوم لكن عام 1250م، وما حدث في المنصورة من انهزام للصليبيين وأسر ملكهم لويس التاسع، ومَن لا يعي لهاتين الحركتين، ولكني أميل للحركة الأولى لتماهي الملابسات مع حال القصة والظلم الواضح وكانت البراعة في جرأة سومة والمشهدية التي صورها لنا الكاتب ببراعة في نهاية القصة وكأننا نرى الوقائع وميلاد 6 ابريل.

_ تاء التأنيث واضحة في العناوين والمواضيع

بالنسبة للعناوين مثل(شتاءات_ هزهزات للروح_ مدارات_دومات للعودة _ علامات_ ثمرتان، ومفردها ثمرة بالطبع _ بنت الكذاب_ رجفة_ رغبة) وبغير تاء التأنيث فالروح مؤنثة ولا تحتاج تاء التأنيث كما في عنوان(روحان).

أما من حيث المضمون فالأنثى تلعب دورا كبيرًا في قصص المؤلف كما في قصة غضبة سومة، فنرى المرأة وأختها والسيدة التي ضربها شبل، ومن شابه هؤلاء النسوة.؛ وكان هذا واضحا أيضًا في قصة مشاويرالأسياد، فدور الجدة والأم يتجلى، وأيصًا في دور الضلع الثاني من أبطال القصة

وهي الفتاه الهاربة ذات الخمسة عشر من عمرها والتي لا تعرف غير عتبة منزلها، وفي بداية القصة( احتفت السماء بقطعان الجمال) ومن الجميل عدم تشكيل الجمال، فهي تنطق جَمال أي حسن وتقرأ جِمال أي إبل وله مدلول الصبر، والكثير من المدلولات التي لها مغزى تحيل القارئ إلى التخبط وإعادة القراءة وليس الوضع في هذه القصة فقط، ونرجع مرة أخرى لتاء التأنيث في الأسياد فمن كان خدامهم؟ كانت الحاجة كاشفة الأسرار، ولم تكن فاطمة واحدة بل كانتا فاطمتان، وحينما ظهر مدلول آخر( شارع الثورة) أعطاني مفتاحًا جديدًا فأنا أقتربُ من الحل ( فماذا لو انطبقت السماء على الأرض، ماذا سيحدث؛ سيخلق عالم جديد) هكذا قال السارد وكشف لي حل قصتة في الفقرة قبل الأخيرة، وأنا أقول ماذا بعد وأحاول كقارئ أن ألحق بفكر السارد كي أحل اللغز وكلما اقتربت أبعد ويجذبني المؤلف ليقول هاقد وصلنا وبذلك عند عبارة(ربماسافرا العراق أو الكويت) وتكون النهاية متعلقة بالعديد من الشخوص وكل سخصية لها صفاتها الخاصة ومعنية بجزء من الوطن.

_ لم تتحقق روح القصة القصيرة من وجهة نظري في قصة روحان، ربما لخلوها من الحدث وربما لطغيان الشعر، كذلك قصة الخنازير، الفكرة طاغية على السرد الشعري.

_ عناوين القصص :
استخدمت العناوين بأكملها كمفاتيح للقصص وهذا جعل القصة في الحقيقة تعد وتحسب على القصص رغم أنف أي معارض، فالعنوان كما نعرف عتبة هامة للقصة ومفتاح من مفاتيح حل اللغز القصصي ودرجة من درجات إعمال العقل للمتلقي ومشاركته للسارد في العقدة أو الحدث القصصي.

_ تعليق على قضية المزج بين الأصناف الأدبية المختلفة:
أولا هل الشعر صنف أدبي قريب من السرد القصصي؟

بالطبع ولم لا والقصة القصيرة كالسهم تصيب الهدف، والشعر يثير العاطفة، فيتكون الحدث المؤثر؛ إذا فالعلاقة وثيقة الصلة ولنقل إن مواضع التأنق في السرد تستلزم حسن البداية والتخلص والنهاية مع مراعاة مقتضى الحال.. كيف التزم السارد هنا بهذه الأحكام التي مزج بها الشعر والقصة، أرى في رأيي الشخصي المتواضع أنه التزم جدًا بل إبدع، لدي الدليل فقد استخدم الشعر لتحسين الكلام في كل قصة من بدايتها إلى النهاية مع مراعاة مقتضى الحال وهو المقصود به مراعاة موضع القصة وعدم الخروج عنه، بل أبدع لأن التأنق هنا مناسب للسرد، وخرج لنا ببداية وانتقال إلى موضع به حدث ثم نهاية داهشة، وليست النهاية الداهشة أتت في كل قصة ولكن يكفي الدمج المتهور الداهش بين الشعر والقصة ألا يكفي هذا ليصور لنا المشهد بإبهار شعري! وهذا رد مناسب لمن تمسك بالتصنيف والتوحد للأجناس.

عيب وحيد شعرت به ولا أجد غيره.. خطير ربما، لكنه عيب مثير للجدل وبما أن تأثيره وصلني وشعرت به؛ فهو بالفعل سوف يحدث مع غيري وهو أن تجرفني اللغة وتأثر على عواطفي فأنسى القصة ولا أدري هل أسير مع الشعر أم أعيد القراءة للبحث عن القصة وحل لغزها وهكذا سجنني المؤلف بين رحى الفنين وأنا المتلقي المسكين لا أجد حلًا سوى أن أقرأ هذا الفن الجديد مرة شعرًا ومرة قصة وأحتفظ بالديوان القصصي لأعيد قراءته كلما اشتقت إلى الجمال، هذا بالرغم من وعدي لنفسي منذ بداية الدراسة على القراءة والتحليل للسرد فقط. وهكذا غلبني الجمال!

لا تعليقات

اترك رد