النَّشْأَةُ الْأُخْرَى

 

هذه السّماء بنت الكون المتجدّد أبدا تجدّد نجومها حِليةً للنّاظرين، وهذه الشّمس تغتسل كلّ ليلة في نهر الحياة الجاري فتصبحُ متوهّجة كقلب خافق، وهذه الأشجار تخلع خريفها وتلبس ربيعها كلّ عام، وهذه اللّغة لا تنفكّ تبدع مفرداتها تُشربُها ماءَ الحياة الثرّ، وهذا العالم لا يفتأ يتغيّر من حولك، وعن كثب منك، وفيك.

فلم لا يتسلّل الضّوء إلى أوراق لنا حال خطُّها وتآكلت أطرافها؟
ولم لا نخلع لبوس عادات ضَجِرَ منها الدّرسُ ومسّنا منها السّأمُ.
ولم لا نركب نهرَ الحياة أحياءً مُريدين؟
ولم لا نبدع حروفا فاتنات ونسلك طرقا غيرَ مسطورة؟

لِمَ نُعَلّم نصوصا مارقة عن قيود النّقّاد وتصنيفاتهم، وعن حدّ اللّغويّين وتقعيداتهم ولا نتعلّم منها أن ننكر سمتنا الخَلِقَ الُمعْتَاد، لِمَ نركب فيها المجاز والرّمز والتّخييل ونخشى المغامرة والتّجريب؟ لم لا نجوز إلى الطّارف البديع؟

إن لم نفعلْ ما حظّنا من جِدَّةِ الأدب وروعته؟ ما حظّنا من جماله وبهجته؟ ما حظّنا من أعاصيره وثورته؟
وما حظّنا من أبي هريرة كالماء يجري؟

تعالوا نتأمّلْ فعلنا وحياتنا ونحن نقرأ حديث الوضع تُبهرنا هذه الصّورة:” كُلَّمَا قَامَتْ فِي قَلْبٍ أَعَاصِيرُ جَعَلَتْهَا النِّسَاءُ خُطُوطًا مُسْتَقِيمَةً”. وكلّ التّحايا للنّساء سرّ توازننا الفريد.

على مدى الأحاديث الأولى قامت الأعاصير في قلب أبي هريرة فترك الأجوبة الجاهزة، ومال عن الطّرق المسطورة فآمن بالحياة وَطَرا يُقضى ولذّة تصهر. ويأتي حديث الوضع ليجمل تجربة الحسّ في حركتين فعل فتأمّل وهذه الصّورة المصطفاة نواته الجامعة.

أجملت الصّورة تجربة الحسّ كما أجملت نصَّ الحديث من خلال السّرد المؤلّف نهضت به (كلّما) الظّرفيّة. وقد جاءت فيه عبارتا الأعاصير والخطوط المستقيمة -وهما معقده وبؤرته الاستعاريّة-على التّقابل معنى ودلالة ورمزا. وجاء نصّ الحديث توسّعا له في مواطن عديدة هذا بيانها:

الأعاصير مفردها إعصار وهي “الريح تُثِير سحاباً، ذات رعد وبرق”، وهي” الّتي تهبّ من الأَرض تُهَيِّج التّراب وتُثِير الغبار فترتفع كالعمود نحو السّماء”، وهي الّتي تُسَمِّيها النّاس الزَّوْبَعَة، “وهي ريح شديدة لا يقال لها إِعْصارٌ حتى تَهُبّ كذلك بشدّة”

وكلمة الإعصار بالعناصر الطبيعيّة المحيلة عليها (السّحاب والرّعد والبرق والغبار) نراها لحظة تجميع لصور جاءت في الحديث راصدة لحال البطل تَحُول وتتغيّر، وللبطل يعيش تحوّلاته النّفسيّة والذّهنيّة؛ ينبئ عن ذلك إطراقه وجهد ريحانة في صرفه “إلى سابق فرحه بالحياة”:

– “تراكض لدى قلبي خيول كرؤى السّحر يدوّي (1) الدنيا ويذرو (2) جبل الصّخر
– “ثمّ أغمّ (3) وحالَ كسماء خريف وقال إنّي أجد كهمس المتناوحة (4) العاصفة يا ريحانة، مثل عقر (5) السّحاب يُسمع ولا يرى.

بهذا تجوز العبارة معناها اللّغويّ إلى مدلولها المجازيّ فإذا الإعصار رمز الثّورة والتّمرّد ينشأ في النّفس يروم كسر الحدود ويحمل الوجود الإنسانيّ على التّجاوز والتّخطّي للواقع والنّاجز يستشرف أفقا أرحب وأبعد وقد ارتبط في النّصّ بمعنى الرّفض: رفض قرار الجسد المتهالك إلى تعالي الرّوح وهذا من حركة الإعصار ذهابا من الأرض إلى السّماء.

وقد تكفّل النصّ نفسه بإيضاح هذا الرّمز من خلال إعادة صياغة التّعبير الاستعاريّ في مناسبتين:
– أولاها: “أكلّما تمرّد شيطان في إنسان قامت له امرأة نبيّا؟”

الشّيطان تنويع دلاليّ لرمز الإعصار ثورة على الثّوابت والحدود والسّنن المفروضة التي تحيل عليها عبارة (النّبيّ) ويحضر بمرجعه الدّينيّ دالّا على الرّفض. فقد رفض السّجود والإذعان لأمر ربّه.

وأثبتت لنا كتب السّير كما أثبت تاريخ الثّورات قديمها وجديدها أنّ “لا” هي صوت الرّفض الذي عبره كان البناء والتّأسيس وكانت الحياة المُريدة: وهذه وصيّة سبارتكوس (6) الأخيرة:

“المجدُ للشّيطان معبود الرّياح
من قال “لا” في وجه من قالوا “نَعم”
من علّم الإنسان تمزيق العدم
وقال ” لا ” فلم يمت .. وظلّ روحاً أبدية الألم !” .
– ثانيتها: “قلت: وما الرّاحل بك؟ قال: كره البيوت”.

البيت إطار مكانيّ يسم الحدث الرّوائيّ متّصلا به أو منفصلا عنه. هو البيت الذي اتّخذه أبو هريرة وريحانة سكنا، وهو البيت الذي كان أبو هريرة كثير الانصراف عنه وريحانةُ به قبل أن يقلّ انصرافه عنه، وريحانة معه بعد أن علّمته “الطعام ما لذّته وما سكرته”، وهو البيت الذي يعود إليه وقد قام في نفسه حياءٌ يكبح جموحَه “وكدتُ أتّقدُ وقلت: ألا تستحي؟ قال بلى”، وهو البيت تخرج منه جارية قبيحة صمّاء بكماء، وهو البيت الذي أحال حدودَه بخمره أقاصيَ في الزّمان وفي المكان “وجدت من خمره ما أزفّ بي أرقص وأغنّي حتّى ارتميت من ذرى الجبال كراقصات الأساطير”، والبيت ريحانة كانتْه فكرِهَه “فقلت: وقد كنتِ بيتا فكرهتُه. فقال: نعم ولو اكتنفتني فاكتفيت بك إنّي إذن لجبان”. وإنّما بيت الرجل امرأته، وبالبَيْتِ يُكْنى عن المرأَة.

ويقوم البيت رمزا للحدود والنّواميس والأعراف تملك على صاحبه أمره وحركته فهو طوقه دون توقه: ” “لقد سكنت البيوت من يوم خلقت فلم أصب منها إلّا الباب أعلم أنّي أدخل أو أخرج منه، أو الجدار أعلم أنّه يردّني لو طلبت الخروج منه أو السّقف أخشى أن يقع علينا”.

ويقوم رمزا للامتلاء والاكتفاء، هو الخطوط المستقيمة اعتدالا واستواء تُلزَم وتُحتذى.

ولمّا كان أبو هريرة “شديد الكره للنّزول يرتاد ولا ينزل” قامت في قلبه الأعاصير حركةٌ في نفسه، سؤالُ المعنى علّةً في عقله وقلبه. وقد أسلمه سؤال المعنى إلى أنّ الحواسّ إذا ما امتلأت أعجز من أن تملأ

الكيان، وهذه المتع لا يؤجّل فيها إلّا ساعة واحدة، وهذا الموت الرّاصد ومقبرة المدينة تَلْقَاه ما أشرف من بيته. فلم يكن من وضعِ ريحانة بدّ ولم يكن بدّ من أخذ العصا رحيلا عنها إلى ما به يكون إنسانا “لأنّه قد صحّ أنّ شأن الحسّ أن يورث الملال والكلال ويحمل على الضّجر والانقطاع”(7)، وتلك العتبة صميم المعنى.

وقد كان وضعُها مكابدةَ من تشدّه نوازعُ الحياة إلى هواها الجُراف ويأبى عقله وقلبه إلّا أن يعتسف بكر السّبيل إلى إنسانيّته يرقى مراقيها وقد وشى بهذه المكابدة تردّده بين حالي الفرح بالحياة والنّكوص عنها جزعا وهمّا وإذا منه إطراق وغضب وزفير ودموع “وضعتُها كما تضع الحامل المعسر”.

لقد حمل أبو هريرة ريحانة هوى مقيما فلم يكن أشدَّ من وضعه لريحانة الّتي كانت جذوتَه المكينة لا تلبث أن تعتمل فيه تنشئه نشأة أخرى.

وبعدُ
أنستكين لسلطان العادة بعد قراءة هذا النّصّ؟ إذن كيف ينجع النّصّ في تلاميذنا إن لم ينجع فينا؟

أم نطلب بالنّصّ النّشأة الأخرى؟
(1) عَصَفَتِ الرِّيحُ تَعْصِف عَصْفاً وعُصوفاً إذا اشتدَّت. والرّيحُ تَعْصِفُ ما مَرَّت عليه من جَوَلان التّراب تمضي به”
(2) ذَرَت الرّيح التّرابَ وغيرَه تَذْرُوه وتَذْريه ذَرْواً: أَطارَتْه وسفَتْه وأَذْهَبَتْه.
(3) أَغَمَّتِ السّماءُ أي تغيّرت، وسحاب أَغَمُّ: لا فُرْجة فيه.
(4) المُتَنَاوِحَة: التي تهبّ من جهات مختلفة
(5) غيم ينشأ في عرض السّماء لا تبصره إذا مرّ بك ولكن تسمع رعده من بعيد.
(6) سبارتكوس قائد ثورة العبيد. قصيدة كلمات سبارتكوس الأخيرة. أمل دنقل.
(7) تصدير حديث الوضع.

لا تعليقات

اترك رد