اثليجر.. نمط ملابس مابعد الحداثة وتقديم الجسد على القواعد

 

تقترن مسيرة تطور الازياء البشرية الحديثة مع فكرة الحرية بالتخفيف من ثقل الملابس التقليدية الثقيلة، وتقليل من الطبقات والزينة المبالغ فيها، ليس في التصاميم فحسب، بل في استحداث انواع جديدة من الانسجة الخفيفة والمرنة والتي تساعد على حرية الحركة والتنقل بما يتناسب مع الحياة العصرية الحديثة وتعقيداتها.

بما يعني ان التغيير في نمط الازياء كان يتبع غالبا الحقبة الزمنية التي يحدث فيها، ويقترن بطريقة تفكير الاجيال المعاصرة لهذا التغيير، ورغبة هذه الاجيال في التعبير عن نفسها بحرية، فالازياء لصيق الجسد والحرية هي قدرة هذا الجسد على قول مايريد عبر تصاميم الملابس التي يرتديها.

لكن ظلت التغيرات في الازياء عبر حقب من الزمن ومنذ بداية القرن العشرين تتحرر من التفاصيل المبالغ فيها وتميل نحو البساطة؛ لكنها احتفظت بنوعين من الانماط هي: النمط الرسمي، والنمط اليومي البسيط الذي اقترن بالبناطيل الجينز بتنوعاتها المختلفة. لكن الاناقة اقترنت دوما بالنمط الرسمي والبدلات الرسمية مع اربطة العنق والقمصان المنشاة للرجال، والتنورات الضيقة او القصيرة مع احذية الكعب العالي للنساء التي لم يكن لها بديل في خزائن السيدات حتى وقت قريبب.

لكن يبدو ان تغيراً يحمل طابعاً ثورياً في تحولات موضة الملابس شهدته الالفية الثانية، هو (Athleisure) والكلمة مكونة من دمج كلمتين ( Athletic) والتي تعني رياضي وكلمة ((Leisureاوتعني مريح، ودمج الكلمتين اعلان لظهوراسلوب جديد مغايير كليا لما هو معروف من انماط الازياء السابقة والخاضعة الى التقسيم المعروف عن الملابس الرسمية وغير الرسمية. اعتمد نمطاً مهجناً من الملابس الرياضية ، التي غادرت القاعات الرياضية وصالات الجم، لتتحول الى لباس جميع الفئات العمرية وليس الشباب فحسب، يرتديها الناس في كل مكان تقريبا بما يكسر القواعد المألوفة في الازياء المتعارف عليها.

احسب ان هذا الاسلوب من الازياء بدأ مع ماركة جوسي كتور juicy couture التي انتشرت اوائل الالفية الثانية وحققت نجاحاً كبيراً في اوساط المشاهير، كاسلوب حياة يعبر عن الفخامة والراحة في نفس الوقت. فصرنا نشاهد السيدات يرتدين تراكسود جوسي كتور في الاماكن العامة وصار هذا الزي معبراً عن الثراء والانوثة في الوقت ذاته. لاسيما مع تصاميمه التي تبرز جسد السيدات بشكل الساعة الرملية، والوانه الجذابة والبراقة، والاعلانات التي تروج له بكثرة وتظهر نساء مفرطات الانوثة مع حقائب كبيرة ولامعة واجساد جذابة ومثيرة. لكن هذه الماركة مالبثت ان تراجعت اثر الانهيار الاقتصادي في امريكا سنة 2008م ، مما اضطر مالكي الشركة الى تصريف بضائعهم باسعار اقل في سوق الاوتلت، حتى اختفت الماركة كمعبر عن الملابس الفخمة والمريحة.

لكن اسلوب الملابس الذي يتجاوز القواعد ويخلط الرسمي مع غير الرسمي بدأ يغزو الاسواق واجتاح دور الازياء العالمية، فصار من الطبيعي ان نشاهد شابة ترتدي بنطلون اليوغا الضيق مع الجاكت الرسمي، او شابا يلبس الحذاء الرياضي مع البدلة الرسمية، او الجمع بين الاقمشة الصيفية مع الاقمشة الشتوية في نفس الوقت. كما ان العديد من المشاهير ظهروا على الريد كاربت مع ملابس تنتمي الى نمط الاثليجر.

وقد لاحظت ان شباب الثورة في العراق ولبنان كانوا اغلبهم يرتدون هذا النمط من الملابس المرنة والمريحة التي تمكنهم من الحركة السريعة والاتفاف على قمع السلطات وقوات مكافحة الشغب. لاسيما ان هذا الاسلوب لم يعد خاصا بفئة معينة من الناس، فيمكن ان يرتديه شاب بميزانية 20 دولار او 200 دولار، واحيانا اكثر.

لكن يظل السؤال هل هذا النمط من الثياب يعبر عن فلسفة ما، اكثر من فكرة الراحة والمرونة ؟.

يبدو ان هذا الاسلوب يهدم الحدود التي تجعل بعض الاشكال من الملابس مناسبة واخرى غير مناسبة لانها تفتقر عمدا الى القواعد، بل تخلط القواعد لتصنع شكلا جديدا يركز على جماليات الجسد الحر، الذي يعبر عن نفسه ولا يخجل من الظهور، مقارنة مع اشكال الازياء القديمة التي كانت تركز على فكرة جمال التصاميم التي تخفي عيوب الجسد، وكان هذا الجسد مسالة يجب الاحتيال عليها واخفائها بجمال التصميمات والالتزام بقواعد الموضة الصارمة.

وهذا بالضبط مايتناسب مع اجيال الشباب الذين شبوا في بداية الالفية الثانية حيث االجرأة والقوة والتمرد على الانظمة التي تحكم البلدان والثورات التي لاتنفك تستعرفي كل مكان من العالم.

فكرة هذه الازياء هي انكار اي شكل من اشكال القواعد في الزي الذي يرتديه الناس، ونقض لكل ماكنا نعرفه من الحقائق حول الموضة واشكالها وتفكيكها والتشكك في صلاحيتها لحياة الناس الان، حيث يظهر الجسد في بعض تصاميمها ليس كمصدر للاثارة، بل يحول الجسد الى حياد الظهور الطبيعي، فهذا الجسد موجود وعلى الجميع ان يستوعب فكرة ظهوره في الحيز المكاني الذي يشغله صاحبه بدون محددات وبدون تسليع يتعلق بفكرة الشهوانية التي استخدمت في الترويج لماركة كالفن كلاين مثلا في سبعينيات القرن العشرين.

وبأنتماء هذا النمط من الازياء الى الجماهير بكل اشكالها وبدون تحديد فئات عمرية او طبقية، فانها تنتمي الى فكر مابعد حداثوي وتتحرر من التحديد التراتبي وتنحاز للشعبي وللتنوع الثقافي، والى انسانية الجسد وحقه الطبيعي في ان يتحرر من التسليع الشهواني او الايدلوجي الديني الذي يسعى لاخفائه وابعاده من الفضاء العام.

فالاثليجر بفوضويته، واشكاله المربكة، وجماليات تصاميمه والوانه الفاقعة، التي لاتنتمي الى نسق معروف تفتح افقا للجماليات القائمة على السرعة والتلقائية والاختلاف والتمرد والتشتت. وهي ملامح حقبة زمنية قادمة لازالت قيد التشكل لكن نموها السريع يظهر مدى قدرتها على اثبات جدواها وقلب الطاولة على افكارنا القديمة حول مايصح ولايصح من قواعد الازياء، والحياة بصورة عامة.

لا تعليقات

اترك رد