الأستجابة الفنية للمتلقي في مرحلة التمتع البصري ج2

 

تتأثر شخصية المدرك بمستوى التقدم الحضاري والاتجاهات السائدة والتقدم الحضاري ومنه التقدم العلمي التكنولوجي وما يتحقق له من ثورة في عالم الاتصالات، وما يحققه من الاطلاع على النتاجات المبدعة الحديثة، التي تقلل بدورها الفجوة الثقافية والمعرفية التي تنمي مستويات شخصية المتذوق. “فالفرد لا يعيش في فراغ، فشخصيته تتأثر (بالسياق الاجتماعي) الذي يوجد فيه، والشخصية في مفهوم علم النفس هي جملة الصفات الجسمية، والعقلية، والمزاجية، والاجتماعية، والخلفية التي تميز الشخص عن غيره تميزاً واضحاً (راجح ،احمد ،اصول علم النفس 1976) وورد في مدارس علم النفس “ان وصفاً او تعريفاً مبسطاً وحيداً للنفس البشرية هو كونها نظاماً ربطياً يكيف الاستجابات الفكرية والانفعالية التي يقوم بها مع الاوضاع التي يصادفها”(عاقل ،فاخر،مدارس علم النفس 1977) وقد وضع عالم النفس الانجليز Bullough ، تصنيفاً للنمط الادراكي، بحيث يمثل كلاً من هذه الانماط طريقة مختلفة في ادراك الموضوعات الجمالية والاستجابة لها. وهذا التصنيف يكشف عن مدى الضخامة التي يمكن ان تكون عليه الفوارق بين مدركي الجمال. أي بمقدار التعاطف والتنزه عن الغرض في تجربة كل منها.

والانماط الأربعة هي:
الترابطي، الفسيولوجي، الموضوعي، والنمط الشخصي.

1. الترابطي Associative
هذا النوع يدرك المعطيات الحسية ويربطها بمعطيات وتجارب حياتية، حيث تصبح للمدركات معنى، اشكالاً كانت ام الواناً، بما تثيره في النفس من ذكريات او تداعيات، فهو لا يحب اللون الاحمر لانه يذكره بالدم، اما اذا احب الاحمر شخص آخر فربما يذكره بلون الورد، وتكون استجابة افراد هذا النمط مصحوبة بفكرة او نمط مرتبطة كل منهما بموضوع معين له صلة بتجربة في ماضي الفرد المتذوق. وعندما يُستغرق الترابط بين اللون والذكريات، فان اللون يقصد تماماً مركزه في الوعي، ويعد (بلو) هذا الترابط (غير مشروع) جمالياً.

2. النمط”الفسيولوجي ” Physiological
افراد هذه الفئة يحكمون على الموضوع من خلال التأثيرات الشخصية التي يثيرها فيهم، ولاسيما ردود الافعال الجسمية والعضوية. فثمة لون معين يجعل مثل هذا الشخص يحس “بالبروده” وشخص عند استعماله للموسيقى يحس بالخمول، وثمة شخص يحس بالرجفة، ان هذه الاحاسيس التي تحدث في داخله في خلال التجربة، فيحكم على الموضوع تبعاً لطبيعة احساسه ونوعه.

3. النمط الموضوعي : Objective
افراد هذه النمط يحللون الموضوع بالرجوع الى مقاييس ومقارنات وتحليلات موضوعية تحتكم الى موقف عقلي، حيث لا يشيرون الى ردود افعالهم الشخصية، بل الى معايير موضوعية لقياس خصائص اللون، فقد يرفضون احد الالوان لكونه غير نقي، او لان شكله غير متناسق او متكامل او غير متوازن.

4.نمط الشخصية : “Character
افراد هذا النمط يتذوقون الموضوع بطريقة مفعمة بالحيوية والعمق. وهو يتميز بنغمة انفعالية قوية، كما يشتمل على الاستجابات العضوية التي توجد في النمط “الفسيولوجي” ومع ذلك فان احكام هذا النمط، على خبرات النمط الفسيولوجي، لا تستدعي الانتباه الى الاحاسيس الشخصية للمشاهد، بل ان استجاباته تتخذ صفة خارجية، أي تعد صفات للموضوع. وعندئذ ينظر الى الموضوع على انه له “حياة ومتحفظ وتأملي.

ويشير (جيروم) ان (بلو) قد رتب الانماط ترتيباً معيناً طبقاً لقدراتهم الاستجابية والتذوقية، جاعلاً النمط الشخصي في المرتبة الاعلى، لانه الاكثر جمالية ثم يليه الموضوعي والترابطي واخيراً الفسيولوجي.

اما العالم النفسي “بافلوف” فقد استطاع ان يكشف عن ثلاثة انماط للجهاز العصبي المركزي ينفرد بها الشخص، هذه الانماط” الانسانية المحضة تستند فسلجياً الى العلاقة بين منظوتي الاشارتين الاولى والثانية، الحسية واللغوية. فالادراك الحسي: رؤية الاشياء المادية المحسوسة مثلاً او شم روائحها او سماع اصواتها، اما الادراك الحسي عن طريق اللغة – الكلمات – فهو الادراك العقلي المجرد.

وهذه الانماط الأدراكية هي :
النمط الاول: وهو النمط الذي تتغلب عنده فطرياً المنظومة الاشارية الحسية او منظومة الادراك الحسي على المنظومة الادراكية العقلية، أي تتغلب عنده المراكز الدماغية الواقعة تحت المخ، المسؤولة عن الانفعالات او المشاعر او العواطف، على المراكز المخية اللغوية المسؤولة عن التفكير، وهو نمط الفنانين عموماً كالرسامين والنحاتين والموسيقيين والشعراء وغيرهم ممن يدركون المحيط الخارجي، ادراكاً حسياً فضفاضاً مرتبطاً بمشاعرهم وخيالهم بصورة انفعالية.

النمط الثاني: هو النمط الذي تتغلب فيه المنظومة الاشارية اللغوية والادراكية العقلية على المنظومة الحسية، ويتغلب عنده المخ على الاقسام الدماغية الواقعة تحته، وهو نمط المفكرين والعلماء، واصحاب النظريات العلمية من الاختصاصات كافة الذين يتعاملون بالبيئة المحيطة بالمفهوم الرياضي والعلمي .

النمط الثالث: وهو الذي تتوازن لديه المنظومتان الاشاريتان الحسية والعقلية، وهو النمط الذي يشمل اغلبية الناس. ومن تقسيمات بافلوف هذه وجد ان الشخصيات الانسانية تختلف في قدراتها العقلية والفكرية والحسية من ناحية التكوين الفسلجي الدفاعي للانسان، مما يؤثر في نوعية الاستجابة تجاه اية مدركات خارجية ومنها العمل الفني .

وان القدرة على الاستجابة في ادراك الاعمال الفنية تتطلب من المدرك تنمية وسائل القدرة في الادراك وبالتالي تمييز الاعمال برؤية وحس جمالي واعٍ في عملية التذوق، ومن هذه الوسائل الثقافة المعرفية بعلاقات العناصر التشكيلية واسسها، فضلاً على استعدادات الفرد الفسلجية كي يساعده على الادراك الناضج والاستجابة المتكاملة والواعية.

والخبرة المعرفية تؤدي الى تراكم يزيد من القدرة في الاستجابة والتأليف الصوري، ويضعها في سياق متوافق مع الخبرات المكتسبة لديه، ومنها الرسم. فالفنان عندما يتأمل المحسوسات المحيطة به، ومنها الطبيعة وحركة الناس تتدرب عنده الحواس وتألف المحسوسات، ففي اثناء التذوق الفني يحاول المتلقي تركيب الاجزاء العديدة للوحة في نسق متماثل، طبقاً لما لديه من خزين صوري فاذا كان غير مدرب في الوعي والمشاهدة فان تركيباته تكون سطحية ويكون أمره على المشاهد المدرب فنياً وثقافياً، والحال نفسه ينطبق على المنتج او طالب الفن كذلك في عملية التأليف والادراك المعرفي.

المقال السابقالمرأة و العلاقة الفاشلة ؟
المقال التالىاقتصاديات الثقافة
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد