ديوان وشم الجدران لأحمد الجحفلي، وشم في الذاكرة وتوق إلى آفاق أرحب


 
ديوان وشم الجدران لأحمد الجحفلي، وشم في الذاكرة وتوق إلى آفاق أرحب

للشعر الشعبي أو النبطي طبيعة مختلفة، يبدو مختلفا عن معتاد الشعر الذّي اعتدنا قراءته وكتابته، فوراء كلّ جملة من جمله ذاكرة مسموعة وثقافة غير مسجّلة وفضاء دارس ومشهد رأته عين لم تعد موجودة. ووراء كلّ قصيدة نهارات طويلة وليلات ملأى بالغموض. وهو مع ذلك يحتاج إلى تعرّف البيئة التّي يكتب فيها، واللغة التّي يصدر بها، والثّقافة التّي ينطق بلسانها. وهو شعر متعدّد بتعدّد شعرائه، مختلف باختلاف المناطق، مع ميل للمحلّية والبداوة غير خاف في جميع تجاربه. والحقّ أنّني أجيء من أفق مختلف، وأجد صعوبة كبيرة في النّفاذ إلى مكنونات هذا النوع الأدبي المسيطر بقوّة على الحياة الثقافية في الخليج عموما وفي سلطنة عمان على وجه الدقّة. ولكنّني بمرور السنوات هنا، وبالمعاشرة والتفتّح استطعت أن أنفذ إلى خصيصتين أراهما مفتاح هذه الثّقافة وهما الأصالة والعراقة من ناحية والرغبة في التجديد من ناحية ثانية. وهذان الخصيصتان يتناميان ويعملان معا في كثير من الخطابات الشعرية الحديثة. ومنها شعر أحمد الجحفلي، الذّي يقع في هذا الأفق الذّي تشدّه القدامة الشعرية المتمثلة في الإرث الجمالي التقليدي الذّي يمتدّ عميقا في تراث عمان، ولكنّه أيضا مأخوذ بحداثة قويّة حالمة تحاول أن تغيّر العادة وأن تزحزح القاعدة وأن تثري هذا النمط بإحساس جديد أو بصورة أو بإيقاع أو حتّى بمفردة جديدة.
لقد كانت صلتي بأحمد الجحفلي في بداية وصولي إلى سلطنة عمان، والحقّ أنّه كان معبري إلى الكثير من المناطق في صلالة، وهو الذّي عرّفني بأهمّ أدبائها، حيث حضرنا معا مجالس ولقاءات كثيرة وأعراس، وكان حرصه كبيرا أن أعرف بلاده معرفة عميقة تجعلني قادرا على فهم ما فيها من غنى وما يتوفّر لها من تراث ومنجزات. وفي كلّ ذلك كنّا ننشدّ انشدادا كبيرا لجلسات قراءة الشعر الذّي نعقده في كلّ لقاء فأنشده باللغة العربية وينشدني بلغته التّي كنت أجد فيها الكثير من العنت والصعوبة في الأوّل ثم زال العنت والحيرة وبقي صدى مورق حبيب لصوت الجدات الناعم الذّي يسري في عروق الحروف، ولطالما ارتسم على وجهي ذلك الضياء الناعم الحييّ حين يقرأ قصيدته فتأخذني فيها الجدّة والقوّة في اقتناص اللحظة والعمق في التعبير عن الذّات. ولقد تمّ بيننا نقاش طويل، كنت فيه طول الوقت مستفسرا عن كلمة هنا وكلمة هناك، وكان هو يبادلني نفس الرغبة في النهوض بنصّه ليصبح “حديثا” بشكل أفضل. في هذا الحوار الذّي يتكرّر من ثلاث سنوات تعلمت أنّ بين الشعر النبطي والشعر باللغة العربية خيطا واهنا جدا، ويبدو أنّنا استطعنا قطعه تماما في تجاربنا الأخيرة. وأحمد الجحفلي من أكثر شعراء ظفار شهرة، يعرفه الجميع هنا، ويحبّون شعره، رغم أنّه تأخّر قليلا في نشر كتبه.
في ديوانه تحضر تلك اللغة “الشعبية” بكلّ بهائها، مع ميل لتفصيح العبارة وإدخالها في تراكيب إضافية غير معتادة في اللغة المحكية. خصوصا حين يقرؤها غير العماني بصوته، فيستملح طريقة نطق التنوين في بعض الكلمات، وهذا الأمر قليل جداّ عنده، ويشعر بغنى العبارات وقدرتها على الإخبار والإيحاء، ويستشعر قوة الإيقاع وهديره المتعالي في بعض الفقرات، ويأنس لخفوته ونعومته في مقاطع أخرى. والشاعر في كلّ ذلك قادر على التعبير عن نفسه عارضا مشاغلها ومشاغل مجايليه نافذا إلى ما يحيط به من عوالم قريبة وبعيدة. دون أن يهمل بلاده التّي يفرد لها في شعره وحياته نصيبا كبيرا.
لقد كتب هذا الكتاب منذ سنوات طويلة، وتمّ جمعه بإلحاح منّي، وحين ولد سقط على يدي كاملا، سعادة كبيرة تغمرني حين بدأ يتشكّل، وشعور بالفرح غمرني وهو يصفّف ويرتّب، ذلك لأن أحمد شاعر كبير بكلّ المقاييس، باقة أحلام تمشي على قدمين، وطموح لا حدود له. والشعر عنده ليس فقط مجرّد نصّ يكتب وينشر، بل حياة تعاش ولا تقال. ولقد استطاع في رأيي أن يزرع شجرته عميقا في تربة الشعر الظفاري، ومن المؤكّد أنّ هذه الشجرة التّي لا تزال غضّة قادرة على رمي جذورها عميقا في تربة الشعر.
إنّ دفع القصيدة نحو الحداثة وزحزحتها بعيدا عن مجراها الطبيعي المعتاد هو هدف الشعر عموما، وخصوصا حين تكون القصيدة في الأصل نابعة من تراث عريق فيه نماذج شعريّة راقية وفيه شعراء يحفظهم الناس ويتناقلون أخبارهم، وهنا يتنزّل عمل الشاعر إذ يصرّح بوضوح برغبته في تجديد النصّ الشعري، بل لعلّه من أوائل الشعراء الذّين تغيّرت قصيدتهم تغيّرا عميقا آخذة من الشعر الحديث بعض مقوّماتها، ومحافظة على أفضل ميزات نوعها. ما يعجبني شخصيا في هذا الشّعر أنّه لا يشبه تماما النصّ العربي، وأنّ جمالياته غير مدجّنة، وبلاغته عذراء، وقدرته على الكشف بسيطة ومتحققة دون إفراط في الجماليات، ودون “شقشقة” لفظيّة. ومع ذلك ففي هذا الشعر صدى بعيد للغنائيّة والرومنسية وحبّ الحياة، دون أن تغفل عن الحزن والألم، إذ تحوّله إلى أنين رتيب يسري في صلب الجمل مستوعبا ما يقع له في لحظته.
“وشم الجدران” إطلالة على وطن، هكذا أحبّ أن أقدّم هذا الكتاب، فقصائده ممعنة في الخصوصية، ولكنّها ترنو إلى آفاق أخرى. تحمل في داخلها هاجس المحافظة والتّطوير في نفس الوقت. وفيّة لبلاغتها المحكيّة ولكنّها أيضا تستوعب، من حيث الشكل خصوصا، الحديث من النّصوص. لا تشعر بتناقض وأنت تقرأ النصّ المنفتح على رافدين، ولكنك تطمئن إلى ثقافة صاحبه الذّي استطاع بكثير من الجهد أن يتنامى مع إرثه وأن يطعّمه بالجديد. لهذا فالمحكيّ في هذا الكتاب ليس عائقا أمام القراءة، بل دافع لها، وتنويع لمفردها، وهي فضاء بكر غضّ، في لغة تميل إلى الاقتصاد والتقشّف في التركيب، والميل إلى التوازي الإيقاعي، ومحاولة صنع صور عبر التشبيه والاستعارة تكون نابعة من البيئة وليس من الثقافة. وأحمد الجحفلي في قصائده الطويلة يستهدي بالقصيدة الحديثة كقالب يصبّ فيه رؤيته للوجود، وينوّع في القوافي، ويتغاير مع الشكل المستقرّ والدائم. وهو يتطرّق في شعره لجميع المواضيع المعتادة في الشعر النبطي، مع ميل لعرض ما يرتبط بذاته خصوصا في تلك المقطوعات القصيرة الغزلية التّي يتميز بها. والكتاب في جميع نصوصه واقعيّ يعرض للحياة فيصوّرها وللناس فينقل مشاهد من حياتهم، ولكنه لا يكتفي بذلك النقل الواقعي بل يعمد إلى تخييل ذلك الواقع في مشاهد رائعة، بحيث يصبح الواقع مجرّد قماشة في يد الشاعر يشكّلها كما يريد، وهو من أجل ذلك يرقّ في مواضع حتّى تحسبه الشاعر البدويّ العاشق العفيف المتوجع، ويشتدّ فتحسبه السيل في غموضه وجريانه، أمّا النصّ فهو نصّ ثريّ بالمواجع والأحاسيس المتدفّقة من نفس حالمة بغد أفضل.
يقول الشاعر:
غصبا عليك تحن بكره وترجعْ
ما هو على كيفك تسلّم وتمشي
أكلّمك وأنته على الدرب تجزع
ماكنّك إلاّ ماشياً خلف نعشي
تحضن خطاويك الندى وانت مسرع
يعني تمشّيني وعينيك عشّي؟
في هذه القطعة القصيرة نلحظ اهتماما بالقافية التّي تبدو هنا رافدا قويا لشعرية النص القصير، ولكنّ من المهمّ أيضا أن نتفطّن لذلك الانتقال الطريف بين الخير والإنشاء، وذلك الاقتناص اللطيف للحظة الوداع التّي جعلها شبيهة بوداع الحياة نفسها، فذهاب المودّع مثل ذهاب النعش بالروح، والنصّ موشّى بتشابيه صغيرة شديدة التدفّق والشعرية مثل استعارة الندى للخطاوي، واستعارة حدث الموت بأكمله لحدث الوداع، ولا يغيب عنا حرف الشين وما أحدثه في النصّ في قافيته وفي متنه من تكرّر مبهر ومحفّز للقارئ. شاعر متمكّن من وسائله يستعملها بمقادير يتحكّم في منسوبها، ويهتم بمواضيع هي من صميم واقعه لكنه يخيّلها ويدفع المعنى بعيدا وعميقا.
ومن نصوص الكتاب أيضا نقرأ له:
لا هان وجه الشعر ما دمت عطرهْ
أنا وشعري بوح في خافق العطـر
عطرك يذيب الحرف ويضج خصره
لا قلت شعر أختال وارتجّ له خصر
ضمي بيديك العشب لا فزّ زهره
وارمي السنا في مملكة أجمل الزهر
الصبح شقّ الليل يا حلم فجره
والليل غضبان أزعجه واهج الفجر
يربط الشاعر بين المرأة والكتابة، فحدث الإنشاد عنده شبيه بحدث المحبّة والوجد، إذ تتخلّق المرأة من الحرف، فتولد الدّنيا إذا قال شعرا، والعالم بأكمله يصبح استعارة يصنعها الشاعر بديلا لواقعه. إن فهم الشعر في هذين المقطعين فهم متقدّم حديث، ليس الشاعر فيه مستعيدا لكلام السلف فقط، بل راغب في معانقة أعاليه. وفي نصّ آخر يربط بين اللغة والوطن، إذ يقول:
يا وطن نحن جنودك
جيشك الحامي حدودك
وجودنا يعني وجودك
الديانه والهويه
وطَني لبيك سمّي
فدوَه لك روحي ودمّي
فيك تفكيري وهمّي
وانت أول أبجديه
وهو نصّ عادي بسيط البنية، يقوم على القافية، كان يمكن أن لا نعلّق عليه لولا أسطر الخاتمة حيث جعل الشاعر الوطن أوّل أبجدية، الربط، ربط الحبيبة أو الوطن باللغة غرض مهمّ يخبر عن وعي عميق بأنّ الكتابة فعل تسمية للوجود. وهو حين يصرّح قائلا: “وأنا السماء والأرض قدام بيتي” إنّما يرقى بالعبارة، ويحسن السبك، فيجعل الصورة المعتادة أي البيت بين الأوض والسماء إلى صورة ممعنة في الطرافة أي الأرض والسماء قابعين أمام بيت الشاعر.
لم يرفع أحمد الجحفلي معول الهدم، بل جعل حروفه تصغي جيدا لمكنونات ذاته، واستطاع أن يركّز على الأسلوب باحثا عن صوته الخاص، ونحسب أنّه وفّق في كثير من نصوص ديوانه لكتابة نصّه الخاص. يقول :
حتى المرايا لا تطالَعْك تصمتْ
بعض السوالف تأخذك للغرابه
والبعض لا تمتم شفاياه يسكت
وجوه ملأى.. بالسّأم والرتابه
ووجوه كنْها الصخر من وين تنحت
من وين أجي؟ لما الملل صار غابه
جهاتي الأربع.. توضّت وصلّت
بعيدا عن هذه التقفية المزدوجة التي تثقل نصوص الشاعر في أـحيان كثيرة، نلاحظ أنّ النصّ نسيج صور، صورة المرأة في المرآة، وصورة السوالف أي الحواديث الغريبة، وصورة الشفاه الساكتة وصورة الوجوه الملأى بالسأم والرتابة، وصورة الوجوه المنحوتة من الصخور القابلة للنحت، وصورة الملل الذي صار غابة، وصورة الجهات الأربع التّي توضّأت وصلّت. نسج من التصوير مؤلّف بعناية وعمق، معناه قريب المأخذ، بعيد الغور للمفكّر، وبلاغته ليست من قبيل التوشية بل هي بلاغة قائمة في جوهرها على التشبيه وعلى الاستعارة، ولكنّ الشاعر يدفع بالمعنى إلى نوع من المشهدية حيث يصبح الملل غابة والإنسان ذلك التائه الأبدي في غابة الملل والرتابة. وإضافة إلى ذلك كلّه فإنّ الشاعر يضبط شعره من حيث الوزن بطريقة تامة، ويختار لأغلب قصائده تفاعيل مناسبة لمواضيعها.
وتحضر المرأة بكثافة في ديوان الشعر النبطي، وتحضر في ديوان أحمد الجحفلي بقوّة، وحضورها في الغالب ليس ذلك الحضور الفعلي لامرأة بعينها، ففي قوله:
رحتْ وماودّي أروحْ وجيتْ وماودّي أجي
شي يسحب خطوتي قدام والنظرهْ وراء
بنت عمي إيه وجميله وراسك في الجَدي
بس قلبي سرمدي وقطفت وردهْ من الثرى
يصرّح بأنها بنت عمه، لكن الدّيوان بأكمله يتباعد عن هذه الدلالة القريبة، إذ تصبح المرأة في قصائده الأخرى لغته أو حروفه أو وطنه أو وجوده. ولقد صرّح الشاعر في قوله:
قلبي ملي بالحبْ من يشتري حبْ
ناديت لكن.. ما لقيت اللي يدفع
كلن يبي ببلاش كلن يبي حب
وقّفتْ اسحب من وريدي.. وَوَزّع
أنّ قلبه مليء بالحب لكلّ الوجود، وليس لأحد معيّن، فهو يسحب من وريده دما، ويوزعه على الكون، وهو معنى من النادر أن نجده في الشعر النبطي. ومن قصائده المميّزة نقرأ هذا المقطع من ال،صّ الذّي يحمل عنوان الكتاب، يقول فيه:
وشباب الجدران العذراء
بحثوا عن جمله عن فكره
رسموها في عين العالم
وشموها في كف الدنيا
في المدن الكبرى وفي الحارات
على الجدران وعلى الشرفات
وأقاموا معرضهم في الضوء
وشم الجدران وحريه
رسّام الشارع يا عيني
تغريه الجدران الحره
وفيه نلاحظ توجّه الشّاعر إلى القصيدة الحرّة، لكن باللغة النبطية، إذ تتطابق أو تكاد مع النصّ الحرّ باللغة العربية، وتنهل في الحياة اليوميّة مواضيعها، مع ميل للترميز والتطرّق إلى الموضوعات المتعلّقة بالشباب وثورتهم التّي رسموها على الجدران، وهذا يعني أن الشاعر يلتزم بقضايا الإنسان في شعره وأهمها قضيّة الحرية، ولهذا تكثر في لغته عبارات الضّوء، والصور التائقة إلى الغد الفتيّ واهب الحياة، دون أن يسيء لحزب أو دين أو وطن أو شخص.
المقاطع التّي تصلح لاستعمالها شواهد كثيرة جدّا، ولا نريد أن نثقل على القاريء، فغرضنا أن نقدّم بسطة قصيرة تقدّم الكتاب وتوضح بعض مميزاته، وهي كثيرة، وكلّها تخبر عن شاعر لا تخطؤه العين، صوره نحت في ذاكرة الوقت، وأساليبه رغم انشدادها في كثير من المواضع لتقاليد الشعر النبطي فإنّها تنبئ بتطوّر أعتقد أنّه سوف يطرح في المستقبل أجمل نماذجه، وأحمد الجحفلي يستحقّ الانتباه له بقوّة، ونحن ندعوه في كتبه القادمة إلى مزيد الاشتغال على الشكل بغرض تطويره أكثر ، وندعوه إلى المزيد من النفس التجديدي الذّي تعود أوّل جهود تحديثه هنا في ظفار له، كما نهيب به أن يتطرّق إلى حياته وحياة مجايليه بإسهاب، لأنّ القارئ العربي يرغب في تعرّف ما هو خاص من تراث الشعوب العربية في شعرهم، بإمكان الشعر أن يصبح مطرا ويبلّل قامات الشجر العالي، وأحمد قادر على الحفر عميقا في نصوصه لتصبح أشدّ قدرة على تمثيل ما يرغب في فعله. وهو قادر على المضيّ أكثر خصوصا في النصوص العربية في ديوانه الفصيح المعدّ للنشر قريبا.
نأمل أن يكون هذا الكتاب أضافة للشعر النبطي العماني، وهو بالفعل كتاب قيّم، ألّف في سنوات وليس في أشهر، ووقعت مراجعته مرارا وتكرارا، وبعض نصوصه حصلت على أفضل الجوائز، تجد فيه النصّ القريب المأخذ، السّهل، الذّي يسهل تحليله وحفظه، وتجد فيه النصّ العصيّ المذكّر بجيّد النصوص المرويّة. تجد فيه ما تطيب له نفسك فتتغنى به، وتجد فيه ما يظلّ عالقا بذهنك، دون أن تفهمه بسرعة بل تظلّ تطوف في لياليه باحثا عن مستدقّ المعاني. غايتك منه وافية إن كنت تطلب شعر العاطفة، أو شعر الأوطان أو ذلك التأمّل في دواخل النّفس البشرية أو ذلك الطواف في محراب الفكر..
شخصيا أحبّ شعر أحمد الجحفلي، ويلذّ لي سماعه، وفي النّفس منه أشياء أستعيدها دائما مثل نصّ مرثية محمود درويش أو نصّ أمرشا أو النصّ الذّي يذكر فيه اليمن أو صباح الخير يا أجمل نساء الأرض أو قصيدته هنا لندن التي يذكر فيها الغربة.. الكتاب متنوّع الروافد والأساليب وهو بحقّ فسحة ممتعة للقارئ. لكنّني رغم إعجابي بالشاعر ، فإنّني لا أظنّ أنّه استوفى الغاية والجهد، ونصوصه رغم جمالها وعمقها كما دللنا في بداية الدراسة تخبر عن إمكانيات كبيرة وتنبئ عن طاقة شعرية عميقة قادرة على تثوير الشكل الشعري النبطي والإضافة إليه، والشاعر في كتابه هذا صادق، شديد الصّدق، مجدّ في المضيّ عاليا وبعيدا في مسعاه الشعري، وراغب دون شكّ في أخذ مكانة مرموقه في المشهد الشعري العماني أوّلا والعربي ثانيا، وما نشعر به حقّا في خاتمة هذه الكلمة هو أنّ هذا الكتاب ليس غير بداية، بداية قويّة، يوشّم بها الشاعر اسمه في ذاكرة سلطنة عمان.

صلالة في 27/01/2016

2 تعليقات

اترك رد