ولائي للعراق

 
للوحة للفنانة صبا غالب

لمن تكون عراقي لازم كلماتك وتصرفاتك تشبهك وتكون حقيقية و لازم ولائك يكون صادق وتتحرر من خوفك……

، قالها واختفى وسط جمع من الشباب تاركاً اخاه واقفاًعند باب البيت صرخة في فمٍ جريح لم يذق سوى طعم المرارة ،الريح اسقطت اوراق الشجر ،زهرات تعرت  من عبيرها…. لم تُجدي كلَّ توسلات الاخ الاكبر في إقناعهِبالرضوخ والاقلاع عن فكرته وعناده بالالتحاق بالمظاهرات،رحل تاركا مسامير صوته ووجه عالقة في جسد الحائط…. شيء ما يدفعه للالتحاق بهم  ….ليصبح البيت فارغا منه …. الا من بعض صورهِ الطفولية واخرها صورته بعمر السنة جالسا بحضن الوالد فقد كانت اخر صورة للأب قبل شهر من استشهاده بسيارة مفخخة وهو في طريقه للعملوظلت معلقة على مرآة (الهول)غرفة الجلوس ، ليُسدل الستار على الشخص الثاني بالعائلة وتلفه الاقدار بعيدا منزويا. 

سار حاملاً علما بين يديه وقطعة كارتون مكتوب عليها(( نازل اخذ حقي )) وقد لفَّ وجهه (بلفاحة) شال من حياكة امه التي تعودت تدوير الاشياء  ،الجو لا يخلو من برد ورذاذ مطر ناعم ،الشجر لا يأبه للقطرات فقد تيبست عروقه والقناديل أنطفأت ولم تعد تنير الشوارع كالسابق حتى وإن غسلها المطر آلاف المرات ..

لقد كانت ردة فعل مشاعره وانفعالات عقله الباطن و لهفة الخروج من ذاته التي خنقها الضيم هي ما دفعه أن يجتر المرارة نزف في اعماقه، فينقلب الى ساخط لا يهدأ،  يسأل نفسه لماذا الحياة غير منصفة معه ،….. لطالما تمنى بطفولته أن يزور مدينة الالعاب بصحبة الوالد…. لماذااستشهد قبل ان يحقق له رغبته ؟كم تمنى أن يحضر ولو لمرة واحدة إجتماع الاباء في مدرسته ليسأل عن مستواه الدراسي و يوبخه حين يرسب بالامتحان وتمنى ان يسافر ويتعلم العزف على البيانو تمنى وتمنى ….امنياته المستحيلة! تحولت الى حبال التفت حول صدره فضاقَنفَسهُ .انه على قيد الموت ولا يستطيع الاستمرار …..سار وفي قلبه المتعب امال كبار يصرخ ،يحلم ،يشتاق …يحب.. يكره يركض  يغني وينشد موطني موطني الجلال والجمال والهناء والبهاء في علاك في علاك… يضحك ثم يبكي فيمسح دمعاته بلفاحته الحنون التي تعطرت برائحة امه ..يتوقف  على حافة التمني يحاول ان يسند نفسه فيهوي ويضيع في الطرقات …..يداهمه الدجى بجبروته ورعبه….

كيف وصل الى هنا مع هذا الجمع من الشباب الثائر الذي لا يبالي ان ينزف  أو يُقتل فقد علّق احلامه على صدره وانطلق ليعانق تراب الوطن الابي ..انهم  قدمو من دروب شتى ……. تجمعهم سنوات الضياع والتهميش والتعتيم … لكن الفجر اطل من حدقات عيونهم لينساب في ثنايا الظلام … عاهدوا ان يجددوا الوعد…  ويباركوا الارض ….ورغم انه لا يعرفهم ولا يشبههم ….هو يريد الخلاص من الضعف ومن الفقر …. ينتظر شروقا يشبه شروق وجه امه بتفاصيله الطيبة والحنون والصادقة ليتساقط الخوف منه كما تتساقط الخلايا الميته من جسده . 

                                                                  كانت الارصفة غرقى بالمشردين المركونين بخيبات الامل ،يتضورون حريقا في ليل بارد ابوابه تشهد ضحكاتهم البريئة واحاديثهم واحلامهم الساذجة  القمر يناجيهم ويهمس في اذن الليل كي يمسح جراحهم ويمطر حنانا ……

ضجيجهم يملأ ساحة التحرير نبضا معتقا، ،لابد ان جواد سليم كان يعلم وهو ينحت تماثيله انهم لن يمروا من امامها مرور الكرام فالعراق ارض للنزاع و هذه الرموز حفرت في ذاكرة الجميع تضاريسها ،ربما هو يعرفهم وعاش كل ازمانهم  في منامه… يحدقون في تماثيله كل يوم يرسموها على الجدران والازقة وفي دفاترهم المدرسية يجسدوها الاف المرات في حركاتهم وخلجاتهم ……… 

فجأة دوى صوت وصراخ فانطلق الجميع يتراكضون انهاالقنابل الدخانية …تفرقوا  …اصابع تعزف لحن الموت على قيثارة عشتار واين هي عشتار تلك ؟ربما تنظر من الاعلى وتكتم سخطها لقد ماتت وارتاحت قبل ان تشم رائحة قنابل الدخان المسيلة للدموع والاطارات المشتعلة التي تزين ساحات بغداد ماتت قبل ان ترى نصب الشهيد و نصب الحرية….. ونصب الدم في الازقة و الشوارع وقبل ان تسمع حكايا الف ليلة وليلة عن الفارس الذي قتل صاحبه واخيه وجاره لانهم ليسوا من حزبه ومذهبه، ماتت قبل ان يسألها احد عن الانتماء والولاء وقبل ان يعيّرها احد بالطائفية البغضاء ….

صرخ احد الشباب وقد امتلأ المكان دخان ولم تعد الرؤية واضحة

_ شباب احد تاذى؟

_فاجاب الاخر الحمدلله ما تصوب احد…. صديتها،،

مرت الدخانية بسلام الكلّ يضع (كمادة مبللة وبطل ببسي وخميرة) فهي المواد التي تقي من تأثير رائحة الغازات ولكن ليس كل مرة تسلم الجرة …..

الخوف 

الغدر

الرعب يلف المكان 

وكذلك بعض المطر الليلي و برد وعتمة الرصيف بارد ومبلل اين سيستريح برك الماء لا تترك له مكان 

لف وجهه بلفاحته الحنون ليدفيء نفسه ويحمي راسهفرائحة الام هي كل ماتبقى ليشعره بالامان

هناك من الطيبين من يوزع لفات فلافل للمتظاهرين ،ناوله لفة فاستند على احد الجدران ما احوجه لاستكان الشاي من يد امه…..  على جروح بعضنا ننكأ الأنين وننشر مداد الحنين…. قوارب احلامنا ترسو تحت ظل قصص السندبان تتناثرها عواصفُ الوقت الكافر ،الذي يمر ببطيء شديدالاخبار هنا وهناك …. يقولون ان هناك استجابة لمطالب الشباب خلال الايام القادمة …يقولون ….سيتحقق النصرو…. سيكون إسمه بين الشباب الثائر ……اخيرا ….سيكون له مكان بهذا العالم

تحل عاصفة هوجاء …… الكل يتراكض

تمطر مرة اخرى قنابل دخانية تهز الجمع ….تصول وتجول….حشرجة في بلعومه لايستطيع الصراخ ….أأأأ…..إختناق رجفة ثم شهقة دخان ابيض في فمه في عينيه في بلعومه في رأسه ….لقد اصابته هذه المرة…إنه ينزف …..بياض في بياض دوار يلفه ، البياض يتشكل بصورة إنسان يمدُّ يده اليه فتح عينيه بصعوبة ،وجه ناصع وعينانِ دافئتان حنون ،إنه يشبه ذاك الرجل الذي جلسَبحجره في الصورة …نعم انه الوالد لقد حضر ليحتضن ضلوعه التي اتعبها البرد وحاصرها الألم….اسند راسه عليه ليشعر أخيراً بالراحة والطمئنينة…. فقاعة أبتلعته وكلَّ أمالهِ …..فأغلق عينيه

لا تعليقات

اترك رد