التظاهرات العراقية في التشكيل المعاصر الجزء 5 كساد وفساد وحصاد

 

استذكرتُ مقولة لجارودي تنص على ان الفن ليس إلا أسلوب حياة وبالتالي فأن اسلوب حياة البشر بمختلف حالاته وفضاءاته ومناخاته المعرفية والادائية والفكرية تصبح بمثابة انعكاس وابداع ؛ بوصف ان الفنان لا يمكن أن يكون منعزلاً عن محيطه الجغرافي والفكري وعند لحظة الانقلاب أو الثورة على مساحات المتسلط نجدهُ يحتفي بالانتقائية للامساك بهويته .

اذ لعبت التظاهرات الشعبية في العراق دوراً رئيساً في اثراء النص التشكيلي العراقي المعاصر بفضاءات معرفية وفكرية وأخرى سوسيولوجية تقدم لنا العديد من الاعمال الفنية التي تصل بذهنية التلقي الى جماليات التعبير والترميز والتأويل والانتقاء .. فنجد في حصاد التشكيل عمل للفنان صفاء السعدون المعنون بـ (السلمية تقود الشعوب) الذي يُظهر فيه زوايا من تظاهرات ساحة التحرير مركزها شخصية المتظاهر السلمي البطل الواقف على تل من الدماء وهو المجرد من كل شيء سوى صوته وحلمه في أن يمتلك وطناً سالماً وملاذا آمناً في زمن
الاحتلالات والحروب الاقليمية السيئة الصيت المتكررة على البلاد والترسبات الماضية الاثيمة والتراكمات الفاسدة في العهد الجديد ، فضلاً عن إظهار الفنان تساقط بعض الشهداء من حوله وتحت راية (الله أكبر) التي استلمت من متظاهر آخر كدلالة على ديمومة التظاهر مع تواجد متظاهرين آخرين مع عربة الـ (تكتك) التي أصبحت احدى رموز الثورة في العراق مع تمظهر ملامح لجدارية نصب الحرية الذي تم تسليط الضوء على منحوتة السجين السياسي وهو في وضعية فك القيود من أجل كسب الحرية الغائبة منذ زمان ..كل ذلك جعل نتاجات التشكيل بمثابة وثيقة تاريخية ها حضور في ذاكرة الاجيال ، تدوّن صور الاحتجاجات ضد الفساد والكساد الاقتصادي والمعرفي . كما ونرى في عمل آخر للفنانة نوال السعدون الذي يمثل مشهداً نحتياً آخراً لتلك المدونات البصرية الشاهدة على التاريخ الحديث في العراق ومايحويه من انتفاضة تشرين الشعبية الكبرى ضد الفساد الضارب بجسد العراق ، فالفنانة السعدون قدمت منحوتات تحتفي بقصص الحرب والموت والشهادة في المشهد البصري فنجد هنالك احتفاءاً بالجسد المعنوي والثقافي المنتفض بوجه الظلام والتي كشفت عن تفاصيل تشريحية للحزن العراقي وفضاءاته الواسعة ، من آثار الرصاص في الجسد وأقنعة واقية من قنابل الغاز المسيلة للدموع ، من لأجل تجسيد صورة الشهادة التي امتزجت فيها قيم الوطنية والبطولة .

فضلاً عن منحوتة (يكفي) للفنان محمد العبيدي الذي يُفصح عن ذاكرة الالم والموت والحرب والقتل في بلاد السلام ، المتمظهرة في الجسد الهزيل المتهالك والمتعب المتوّج بالصرخة الصائتة التي جاءت ضمن مخرجات الاستبداد .. فضلاً عن نتاجات العديد من الفنانين (عامر حسن ، علي رضا – أسامة نوري – بلال دبدوب – حسين البلداوي ، فلاح حسن وآخرون) الذين احتفوا بعمليات التصميم والتعبير والتختيم والترميز والايقنة فأنتجوا تكوينات تلامس الواقع الاجتماعي العراقي المؤمن بانتصار الحق على الباطل ، بحثاً عن الخلاص والتحرر من القيود والفوضى السائدة في أنظمة الحكم ومن غربة الاوطان التي حولت حياتنا الى دراما ومن ثم الى تراجيديا الوجود !

حرية في التحرير (بوصلة وطن) :
تعددت عقائد التسلط والقمع وبقيت الحرية واحدة في عصر الحروب ؛ بوصف ان الحرية من وجهة النظر الفلسفية ، كائن بشري متكامل يغض البصر عن ترسبات الماضي وتراكمات الحاضر ويتوجه لبناء المستقبل .. فتكون المعرفة شرط الحرية والحرية تتمثل في فعل الخير ، لتصبح ثنائية المعرفة والخير لدى سقراط وافلاطون وثنائية المعرفة والارادة لدى ارسطو بمثابة قوانين ومبادئ للتحرر من الظلام فتصير الحرية بمثابة اختيار عقلي إرادي معرفي في الوقت ذاته .. وهذا ما وجدنا له حضوراً فاعلا وصدى صائت لدى الفنانين العراقيين بشكل عام والتشكيليين بشكل خاص للتعبير عن محن الانسان العراقي المعاصر . فالفنان سلام عمر على سبيل نجدهُ يقدم العديد من الاقنعة ذات التكوينات الحروفية المتداخلة معاً بفعل التصميم الكرافيكي ، فنلاحظ تواجد أقنعة مفرغة العينين والفم ، متوشحة بالأسود والابيض وأخرى بالألوان الحيادية وغيرها ملونة تحتويها حروف وكلمات وعلامات وإشارات متداخلة معاً ضمن فضاء بصري حر ، يحاول الفنان من خلالها أن يكشف عن المسكوت عنه في رمزية الاقنعة التي تُعد أحد أشكال التمويه والتزييف التي يستعان بها الانسان السلبي في تبرير أخطائه وجرائمه وما أكثرهم في المجتمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذين يتاجرون بالأوطان ومصائر الشعوب المبتلية بهم وعلى وجه الخصوص بلدنا .. فالفنان سلام حاول أن يسقط تلك الاقنعة ويكشف عن حقيقتها امام المتظاهرين الابطال الذين كتبوا تاريخاً جديداً ، علنا نقطف عناقيد الحرية

بينما نجد ان الفنان حسام عبد المحسن قد اعتمد في عمله المعنون بـ (الاعراف تحت نصب الحرية) على دلالات اللون في حدود آليات التجريد باتجاه الرمز و الرمزية التي تنتهج عمليات التبسيط والتسطيح لأجل تحويل الطبيعي الى ثقافي (مساحات مجردة) تكاد تصنع الاسئلة النبيلة المتناغمة مع خطاب الاحتجاجات العراقية الحاضرة ، لحظة التلقي حول مايحصل في البلاد من دمار ورماد وخراب وظلام متفاقم فتصبح بمثابة مدونة شاخصة على تاريخنا المعاصر والمُحاصر الغارق في الحروب . بينما قدم الفنان النحات محمود عجمي عمله النحتي (الجرح العراقي) الذي أحتفى بالتعبير والترميز بعيداً عن التجريد عندما نحت هيئة حيوان (الثور) الرمز العراقي الرافديني الذي يرمز الى القوة والفحولة والبطولة وهو جريح يقابله شكل حيواني آخر مرسوم بجغرافية الظل يشابه (اللبوة الجريحة) التي استعارها الفنان من الحضارة الرافدينية القديمة ، للتعبير عن رمزية المشهد الدرامي الذي له حضوراً في حياتنا اليومية وعلى وجه الخصوص مايعيشه العراق من حالات الفساد الاداري والقانوني والاقتصادي مما أدى الى خروج المحتجين الى ساحات التحرير والتظاهر للوقوف جنباً الى جنب اخوتهم من أجل الحرية والتحرر .. وبالتالي تمظهرت العديد من الاعمال التشكيلية في ساحات التحرير تكاد تمثل صوت الشعب الثوري كما لدى الفنان نذير مسلم ، فضلاً عن عمل الفنان وسام البغدادي وعمل الفنان حيان عبدالجبار (لن ابكي وطني) الذين عبروا عن محنة الوطن وشعبه الصابر على ويلات الطاغوت وتداعيات الاحتلال والحروب وفساد القانون تمهيداً للتحرر والسلام .

المقال السابقبيان قمة برلين يحاصر أردوغان
المقال التالىتحليل سياسي .. تمويل سياسي
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد