ابن ثنوة

 

القيت بنفسي علي السرير،هَبة نسمة تشرينية باردة من نافذة شباك غرفتي الصغيرة .. استسلمت لها أوصالي المرهقة سرقتني غفوة شعرت ..به قريباً مني ،أتسعت حدقة عيناي ،عندما رأيتهُ ينظر ألي،انه شبحاًاو ملاكاً ،يبدو مغبراً، يشعُ نوراً يكاد يصل الى عنان السماء ،انه يُشير ألي،ثم قال: استمري. فزُعتُ من النوم ،أغلقتُ عيني، وأخذت نفساً عميقاً،أنه حلم، الحمد لله. رفعت يدي انظر ساعتي اليدوية، أنها الساعة الرابعة عصراً،لا اعرف تفسير لتلك الرؤيا؛ سوى انها تَرشُدني لشيء ما، بعد ان أخذت قيلولة بعد عودتي من العمل ،نهضت مسرعة ..غيرت ملابسي.. استأذنت من والدتي،واخبرتها : لم يبقى لدي متسع من الوقت يجب ان التحق بزميلاتي في ساحة التحرير، تظاهرات تشرين التي بدأت سلمية ثم تطورات الى أعمال شغب بسبب بعض المندسين، كانت مطالبنا شبابية اعظمها هو ايجاد فرص العمل. وخرجنا نهتف بسلمية ورافعين العلم العراقي . وكان شعارنا مكتوب على بعض اللافتات (نازل آخذ حقي ).بعد ما لحق بنا من الجور واستشراء الفساد في كل مفاصل الحياة. سرعان ماتصاعدت احداث العنف في الشوارع وكما يبدو إن خريف هذه السنة قد بدأ بحصد الارواح قبل الأوراق. كنا نزف الشهيد تلو الشهيد وعديد من الجرحى، شباب في مقتبل العمر لا ذنب لهم سوى انهم ولدوا ليجدوا الحياة عقيمة، يحلمون بوطن يحقق لهم العيش الكريم .ثم سألت نفسي عجباً :”ولكن لماذا لم يلتحق بنا صفاء !؟ .هو الوحيد المُتخلف عن زملائهِ في ساحة المظاهرات !

وكان قد شارك في جميع الحركات الأحتجاجية من قبل التي صادفته تقريباً، يقول أصدقاؤه إنه لم يترك حركة احتجاجية دون أن يكون ضمن أفرادها وتعرض لكثير من الاعتقالات ،و للضرب بالهراوات على يد القوات الأمنية هل من الممكن ان تتغير مبادئ الأنسان بتلك السهولة؟!. لطالما قلت ذلك الشاب يبدو غامضاً حتى عندما كان يتحدث معي؛ يختصر الكلمات كأنها حروف متقطعة .ولكن قلبي مازال متعلق به حتى بعد رفضه الزواج بي، ولم ازل استذكر ذلك اليوم بألم ووجع يعتصر قلبي، عندما صارحني في الجامعة أنه يَعشقني بجنون .حينها قلت له؛ تقدم لخطبتي فيما كانت مشاعرك حقيقية .. فنحن في المرحلة الأخيرة من الجامعة .جاوبني و بقسوة : لست مؤهلاً للزواج بعد أن اختصر الإجابة وتركني على عجالة،وآخذ يتحاشاني بعد ذلك. شاب غريب الأطوار تبدو عليه القسوة والطيبة في آن ٍ واحد ، ..في قمة غضبه يجد منفذاً للفكاهة والمزاح مع زملائه، له وجه جسور، ووسيم في الوقت ذاته طويل القامة كأنه فارس حقيقي،كان يترأس مجموعتنا الطلابية، ونزج به بين حين وآخر ليدافع عن حقوقنا الطلابية في الجامعة .ولكن الذي زاد في حيرتي وقتها بعد ان أتهمته بالخيانة سألته؟ :تريد ان تهجرني من اجل فتاة أخرى! كلكم هكذا معشر الرجل مصابون بهوس التغير ؟.

ثم وضعت يدي على فمي وخفضتُ صوتي عندما انتبهت كان يقف بجانبه صديقه المقرب ..أقسم لي حينها وقال:

– ” لا وداعت ثنوة “.ثم ذهب مسرعاً .. تقدم صديقهُ وقال لي :
– بما انه حلف باسم أمهُ فهو يهواكِ بصدق .ولكن على الأرجح لديه ظروف خاصة تمنعه من الزواج في هذا الوقت .

شعرت حينها أن الأرض ابتلعتني كحشرة صغيرة.. ليس من السهل على فتاة ان تعرض نفسها للزواج من شاب .وَتُقابلُ بالرفضِ.

مرت ايام بعد تخرجنا ،من الدراسة الجامعية،انا وجدت عملاً في أحد الشركات الأهلية بسبب عدم توفر فرص العمل للخريجين .واصبحت حياتي تسير في روتين العمل وتمضية الوقت في بعض الأحيان في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي لعلني اجد دراسات للماجستير في دولة آخرى، ولم ارغب بالزواج بالرغم من العروض التي تطرحها أمي من بعض الأقارب والأصدقاء عروض الزواج .اما صفاء لم آراه الا صباح ذلك اليوم عندما ذهبنا أنا ووالدتي للتسوق ، في شارع المتنبي، انفطر قلبي، وتمسمر عقلي؛عندما شاهدت ُ ذلك الجسور الذي أحببت،ورَسَمت منه أحلامي فارس على مهرةٌبيضاء ،وهو يدفعُ عربة ُ حمل لبعض صناديق المياه وقناني البيبسي، وقد اطلق لحيتهُ السوداء وكأنها رمزاً لحزنه على عالم متشرذم يعيشه شاب في مقتبل العمر. وكانت قد برزت عضلاته ولكنه بدا اكثر وسامتاً بالرغم بشرته التي لفحها لهيب الشمس .استدرت بسرعة وحرصتُ على ان لا يراني ؛ لا أريد أن ادمي قلبه اكثر مماهر عليه .لقد ظلمته حقاً كان يعرف في حال ارتباطه بي؛ لم يستطيع ان يبني بيتاً او يعيل اسرة وأولاد .ولايريد ان يعيش عالة على أحد. وكانت تلك المرة الأخيرة التي شاهدته فيها. ولكن الغريب في الأمر إن جميع أصدقائه هنا في ساحة التحرير الا هو ! تجاهلت افكاري..وغيرت ملابسي استعداداً للذهاب الى ساحة التحرير ..زميلاتي كُنٌ بانتظاري. يالها من ثورةاحتجاجية،كلاً منا عبر عن وطنيته بطريقته الخاصة ونحرنا الطائفية على رصيف جسر الجمهورية
،وجسدنا تكاتفنا بلوحة فنية تآريخية ولحمة واحدة، ومن كل الأعمار لا نشعر بالتعب والملل لم اعد أهتم بأظافيري الجميلة. ونعومة يدي؛ فانا وزميلاتي ننتقل من جريح الى آخر لننقذ لجرحى، بينما يَنقلنا ابو التكتك الشهم مع لوازم الإسعافات وبعض قناني المياه والمشروبات الغازية وبعض قناني الخميرة والتي كنا نعالج فيها الشباب بغسل وجوهم

وعيونهم من الغازات المسيلة للدموع. تشجع كل الأهالي للمطالبة بالتغير والخروج مع ابنائهم .. انضموا إلينا نحن الشباب وأصبحنا نعمل كخلية نحل فرق تصد الهجوم، وقسم ينقل الطعام الى المطعم التركي الذي تحصن فيه الشباب واصروا أن لا يفارقوه حتى تحقيق مطالبهم المشروعة ..هُنالك الشيخ الكبير يقرأ بعض من الذكر الحكيم لنصرة الشباب والثورة بينما لاذت امرأة كبيرة في السن ببعض الصبات الكونكريتية، تُعد بعض اللفات للمتظاهرين ، بعد أن تعرضت لهم قوات الجيش ولا يتوانون بالهتاف للثورة، وتارة يتقدمون على الجيش فتتلقفهم قنابل المسيلة للدموع وبعض الرصاصات الطائشة، هنا يأتي دورنا كمسعفات انا وزميلاتي .في. تضميد الجرحى ،وعندما نفرغ من بعض الأعمال نختبأ خلف الصبات كي نأخذ قسطاً من الراحة.

وكالعادة بعد إن انتهينا من وجبة العشاء السريعة .. اتكأنا أنا وصديقتي على أحد الحواجر الكونكريتية وكما قالت تُمازُحني : “فاصل ونواصل”، فقد تباغتنا القنابل المسيلة للدموع في اي لحظة. يقترب إحد زملائنا نحو صديقتي ومن خلفهُ بعض الشباب الذين اخفت ملامحهم الجميلة بعض الأتربة وآثار الدخان التي لفحت وجوههم ..ينثني على ركبتيه ويمسك خاتم زواج ويطلب منها الموافقة على الخطبة وسط اهازيج الشباب ثم تتصاعد الزغاريد لموافقتها على طلبه يدها للزواج .لم ارى اجمل من تلك مراسيم الخطوبة التي تمت بالأهازيج الوطنية .ابتعدت عنهم قليلاً بعد ان تفرقوا واستندت على الصبة الكونكريتية واخذت دموعي تنهمر كأنها نهر جاري لااعرف لما أنقبض صدري .”يمكن الذين يحاولون ينسون أحزانهم يبكون لأشياء لا يعرفونها”.اخذت غفوة بسيطة شعرت بقرصة برد،لملمتُ جسدي كأنني قوقعة صغيرة ، شعرت بأحد ما يقترب ويغطيني بالعلم الذي كنت اهتف به قبل قليل يمكن صديقتي، او ذلك الفارس الغامض،لااعرف كنت حينها متعبة فكل ما ابتغيه غفوة صغيرة حتى لو كان فوق رأسي وابل من الرصاص والقنابل ..عاودتني الهواجس وحلمت كأني اسقط من اعلى السماء وتلقفتني يدا ذلك الشبح النوراني فنهضت مفزوعة وصرخت: صفاء .. حمدت الله انني بخير واخذت انظر الى جسمي لم يزل على الأرض .نهضت بسبب ضجيج الشارع الدامي ..ليس هنالك وقت للنوم والراحة وحتى للملل فيما تهالت أصوات الرمي وصراخ الشباب التي تتلاقهم القنابل المسيلة للدموع وهم يتمازحون معها كأنها كرات تنس يتلقفوها بأيديهم ويقذفوها من حيث اتت .ادهشني ذلك الشاب على الجسر والذي أخذ يتسابق كعداء على صيد القنابل المسيلة للدموع على جسر الجمهورية والذي ابهر المتظاهرين الشباب منهم . قبل البنات حتى لم تبقى واحدة لم تتكلم عن شهامته وبطولته، كأنه الرجل الوطواط تصبغ جسده بالكامل ببقايا الزيوت والأتربة والدخان ،حتى تغير لون ملابسه بالكامل، واصبح أسود اللون .اما أنا كنت في عالم آخر لا يستهويني شيء في الحياة،الا التغير.. لايمكن ان يستمر الوضع على ما هو عليه ؛ وخاصة بعد ان رأيت صفاء بذلك المنظر في الشارع وهو يدفع عربة حمل من أجل لقمة العيش. . ثم جلست وأتكاتُ على حقيبتي، وأخذتُ أبحث في صفحته الشخصية؛ بعد استغرابي لعدم وجوده معنا في ساحة التظاهر .او يمكن كنت أريد ان أعرف ماذا يفعل في مثل هذا الوقت او…. لا أعرف يمكن أني مصابة بهوس ويمكن ماقالته جدتي لي حقيقة أن أحدنا عندما يتجاهلهُ الطرف الآخر يكون حينها أكثر تعلقاً به. وبالرغم أنني لا أوافق جدتي آراه قانون مجحف للناكثين الوعود. أستهوتني البوستات الوطنية و بعض المقاطع الشعرية التي كتبها في حب الوطن ،كان دائماً يبدي اعجاباً منقطع النظير بالشاعر المعروف بثوريته مظفر النواب لذلك بعض أشعاره اخذت شيئاً من لمحة ذلك الشاعر أما صورته الشخصية والتي كتب خلفها ابن ثنوة على شكل دائرة اعتزازا بوالدته،اعطت لصفحته جمالية ولغزاً لمن يدخل صفحته الشخصية ،لكي يبحث عن سبب التسمية . .ثم بدأت ا بحث في منشور تلو الآخر حتى وجدت تعزية وحداد قبل عام مضى ينعى والدته الفقيدة ؛ والتي توفيت بعد معاناة من مرض السرطان غلقت هاتفي. واخذت ابكي بألم وحرقة حتى احتضنتني صديقتي بعد ان اخبرتها بما جرى ولحق به من الأذى .ثم قالت :من الواضح الزمن لم يشفيك بعد عزيزتي أما آن الآوان لتعيشي حياتكِ طبيعية .

ثم انتفضت وقلت:
– أنا لا ..انا لا أتذكره، ولكن أبكي ما آل له شبابنا اليوم هل تصدقين لوقلت لكِ: صفاء يعمل حمالاً وهو خريج الجامعة التكنولوجيا .حتى يوفر العلاج لوالدته المريضة بالسرطان . أي عدالة تلك. ثم قلت :انا أعتذر افسدت لك فرحتك بالخطوبة عزيزتي .

مسكت يدي ثم قالت :
– لا عليك ِ عزيزتي .بل انت مازالت تفكرين به،ولكن ترفضين ذلك في داخلك، انشاء الله تتساقط همومنا كما تتساقط أوراق الخريف .نحن خرجنا من أجل حقنا وسنأخذه أنشاء الله.

ثم قلت :لا أعرف لماذا تذكرته اليوم ؛يمكن لان غيابه عن ساحة المظاهرات مع زملائه آثار فضولي. هل تذكرين كيف كان صفاء بالجامعة عندما تشاجر مع عضو البرمان عندما زارنا وهو يريد ان يضمن اصواتنا في انتخابه وكيف زئر عليه كأسد ثائر حينما قال:

– له وعودكم كاذبة كوجوهكم الكالحة تتمسكنون حتى تعتلوا الكرسي، وأول ما يحارب هو نحن الفقراء الذين أنتخبناكم ؛ ولم يكف عن الهتاف والصراخ حتى خرجوا من الحرم الجامعي .ثم ثاروا عليهم بقية الطلبة. لا يوجد لدي سوى تفسير واحد انه اناني يُفكر في عملهُ فقط،وكان يتفاخر بأفعاله المصطنعة، الم يفكر في تحرير نفسه من عبودية هذا النظام ومحاربة الفساد،بأنظمامه الى جانب زملائه في هذا الوقت.

قطع علينا حديثنا صوت دوي الرصاص بعد ان تسلق بعض المتظاهرين الجسر وهم يحاولون أقتحامهُ.وسط هتافات الشباب وغضبهم والوصول الى المنطقة الخضراء ،واخذ اصحاب التكتك يخترقون الحشود الكبيرة وهم ينقلون المصابين في الخط الأول للصدامات بين الطرفين، وينقلون الجرحى الى المستشفيات بسبب غياب سيارات الأسعاف.صور مؤلمة ..كلما سقط احداً منهم يتقدم عشرة، لا يهابون الموت لا اعرف من اين أستمد أولئك الشباب قوتهم كما كانوا يتمازحون بينهم وهم يقولون هل ترى أصحاب لعبة البوبجي لقد تصدروا الساحة .انهم خليط عجيب يتباكون على شهدائهم حيناً ويهجمون ثأرا حينا آخر . وآخرون يهتفون ويتقدمون ويدافع احدهم عن الآخر. خذت تشتد القنابل المسيلة للدموع حتى اتشحت السماء بالغمام الدخاني ..تقدمت فرقة من الشباب الذين يتصدون للقنابل المسيلة للدموع ويتقدمهم ذلك الشاب الجسور وهو يمسك بكفه الذي غلفه بكفوف صنعها بنفسه ويرميها نحو القوات الأمنية .

واخرى يدفعها بساقهِ نحو زملائه؛ ليطفئوها ببطانيات مبللة .

وفيما انا انظر الى صيادين القنابل الذين اذهلوا الجميع بشجاعتهم يسقط احد الشباب وقد اخترقت القنبلة عينه فأردته قتيلاً؛ فتصاعدت الصيحات والتكبير بعد ان رفعه الشباب واخلوه الى الخلف ،وانا لم أزل واقفه في نفس المكان،أشعرُ ان قدماي لا تقوى على حملي،مفزوعة من آثر سقوط بعض القتلى،وبدات الغازات تؤثر على تنفسي حتى شعرت بالضيق والأختناق،وعيوني ُتهمل ولم اتمكن من الرؤية ، فأخذت افتحها ثم أفتحها تارة أخرى .. أسمع صريخ ابتعدي الى الخلف انها واحدة يابنت ارجعي للخلف ولم اشعر الا وكأن ما أحدا دفعني وسقطت على الأرض وتوالت على جسدي بطانيات مبللة وكل جسمي ينتفض كريشة في فراغ، وابتلعت لساني اريد ان اسألهم : مالذي حصل من دفعني بقوة ؟ هل انا أصبت؟ هل أنا متٌ وانا في عالم آخر ولكن بقيت روحي تسمع من هم يتحدثون حولي ؟ ولكن لم اكن اشعر بألم! .بدأت اشعر بجري الشباب نحوي وهم يصرخون لقد استشهد صياد القنابل الجسور .. ابن ثنوة لا ..صفاء .. قبضت على العلم بقوة .

لا تعليقات

اترك رد