الأستجابة الفنية للمتلقي في مرحلة التمتع البصري ج1

 

أن القدرة على الأستجابة للعمل الفني لدى المتذوق تتوافر فيها عوامل أما ذاتية ترتبط بأمكاناته الثقافية والتمرس على المشاهدة والألفة للأعمال، وأما عوامل موضوعية تنحصر في مبادئ العمل الفني من وحدة عضوية وتوازن وتنوع، وهكذا تتألف تلك المبادئ لأنتاج المنجز الفني الذي يواجهه المتذوق ويستجيب له وتتباين شخصية المتذوق تبعاً لأنماط أو الطريقة المؤدية الى أدراك الموضوعات الجمالية التي يستجيب لها المتذوق وللتعرف على أستجابة المتذوق للعمل الفني، لابد من التطرق الى سمات ومراحل التذوق الفني أولاً، ثم التعرف على شخصية المتذوق ثانياً .

سمات ومراحل التقبل البصري الفني:
أن العمل الفني لكي يكون ناجحاً في التأثير، لابد من أن يستند على عوامل ومبادئ يستجيب لها الجمهور المتذوق، وأول هذه المبادئ هو مبدأ الوحدة العضوية في العمل الفني ( مطر، أمير حلمي مقدمة في علم الجمال 1972)، هذه الوحدة هي أرتباط أجزاء العمل الفني، أو سيادة الفكرة، وفي أشكال الفن المعاصرقد تختفي الفكرة المباشرة حيث لا توجد نقطة مركزية واحدة، ومن المبادئ الأخرى مبدأ التنوع، فقد يكون للموضوع الواحد أصداء وتكرارات وتنوعات، وكذلك مبدأ التوازن ومبدأ التماثل (السيمترية)، أو مبدأ التوافق بين الأشكال المختلفة، ومبدأ الأيقاع أي الأنتقال من أجزاء أو وحدات زمانية الى أجزاء لاحقة تتخللها فترات أو سكون، وكذلك الحركة والتنوع.

وتعد هذه مبادئ عامة للعمل الفني أما العمل الأكثر أهمية ورقياً في البناء والتكوين وخاصةً في الأعمال المعاصرة، فأنها تخرج من الأطر المقيدة للعمل مثل الستاتيكية (الجمود) الى ديناميكية في حركة الوحدات والأيقاع الحر بدل الأيقاع الرتيب والتنوع في الوحدات بدل التوزيع (السيمتري) وهكذا تتآلف كل تلك المبادئ لأنتاج المنجز الفني الذي يواجهه المتذوق، وتحدث فيه تلك الأستجابة الجمالية، لذا كان لابد من تحديد سمات تلك الأستجابة ومراحلها وقد حدد – ريمون بابيرR.Bayer، 1959 – الخطوات التي يمر بها المتذوق عند أستجابته للعمل الفني وهي :

التوقف: بعد حدوث الأدراك الحسي لعمل فني ما، وحدوث حالة الشد والأنتباه للمشاهد، تحصل حالة التوقف لمجرى التفكير العادي والكف عن مواصلة النشاط الأرادي بفعل الأستجابة لفعل الأنعكاس الجمالي، والأستغراق في حالة المشاهدة أو التأمل.

العزلة أو الوحدة: وهي المرحلة الثانية في عملية التذوق حيث يصبح للمنجز الفني أو الموضوع الجمالي، قدرة أنتزاعية تجعل المتذوق والموضوع الذي متأمله، في عالم جمالي قائم بذاته، بل كأن المتذوق قد أنتقل الى عالم آخر متوحد مع المنجز الفني ومنعزل عما حوله منمن يحيطه يحيا في عالم جمالي خاص نقله اليه ذلك العمل الفني حيث يجري التأمل في سكون التوحد والعزلة.

ويبدو أن التجربة الجمالية – في أحسن حالاتها – تعزلنا نحن والموضوع معاً عن التيار المعتاد للتجربة، فحين نعجب بالموضوع في ذاته، نفصله عن علاقاته المتبادلة بالأشياء الأخرى، وتشعر كأن الحياة قد توقفت فجأة، اذ أننا نُستغرق تماماً في الموضوع الماثل أمامنا ونترك أي فكرة عن النشاط الفرضي المتطلع الى المستقبل. الأحساس: بأننا موجودون أزاء ظواهر لا حقائق، وهي المرحلة التي تتم بعد أن يحدث فعل التأمل الذي (هو نظر عقلي محض لموضوعات لا يمكن أن نقع تحت مراقبة الحواس) بمعنى أنه يتجاوز الأدراك الحسي ليزودنا بأجوبة عن تساؤلاتنا حول وجود الشيء أو الموضوع والتي لا تكفي حواسنا المجردة لأستيعابه، بعد حدوث التأمل يشعر المتذوق بأنه أزاء عالم ذو طابع ظاهري بعيداً عن الوقائع والحقائق “ومعنى هذا أن الشعور الجمالي يفتقر بالضرورة الى الواقعية نظراً الى ما للموضوع الجمالي من طابع ظاهري، فنحن حين نشهد أي عمل فني نشعر بأننا لا ندرك الأشياء صورياً خداعاً.

الموقف الحدسي: أن الفعل الجمالي الذي يشارك المتذوق فيه لا يعتمد على الأستدلال أو البرهنة أو الأستقراء، بل يعتمد على الحدس والعيان المباشر والأدراك المفاجيء، فهو إما أن ينجذب الى الموضوع أو ينفر منه نتيجة لأحاسيس مبهمة تتملكه فجأة “ويمكننا أن نصف الأحساس بالمتعة، الذي يشعر به المتأمل الذواقة في المنجز بأنه أحساس أقرب ما يكون الى الشعور الوصفي عند تأمله العالم المرئي الذي يعيش فيه.

الطابع العاطفي أو الوجداني: بعد أن فعل الحدس فعله في عملية الأنعكاس الجمالي يرتبط الموقف الجمالي بأستجابة شخصية مطبوعة بالطابع الوجداني، العاطفي، وبالشعور، مبتعداً عن أي تصور عقلي (فنجد في تأمل الجمال… مظهراً وجدانياً يتجلى بوضوح، فيعيد الى حالة بدائية من حالات (الوعي والشعور) والوجدان هو مادة حدس ومعرفة منعكسة، وهو تسمية تطلق على الحالات الأنفعالية المطبوعة بطابع عاطفي، حيث تبرز الأنسان بوصفه موجوداً ضمن شبكات علائقية مع غيره من الأشخاص والموجودات الأخرى.

التداعي: وقد تثير عواطفنا وأنفعالاتنا ونحن بازاء عمل فني معين ذكريات وعواطف ماضية تتعلق بعمل فني جميل مماثل أو مشابه، فيقوي بذلك أحاسسنا بتذوق العمل الفني القائم .

التقمص الوجداني والتعاطف الرمزي: وهي المرحلة الأخيرة حيث يضع المتذوق نفسه موضع العمل الفني، حيث يحكم عليه حكماً جمالياً، فكأنما يقوم معه بعلاقة بشرية تشبيهية، أي تحدث محاكاة باطنية بعد نشوء الأنفعال بين المستلم والعمل الفني وأنتقال ذلك الأنفعال الى المتذوق.

والتعاطف الرمزي بأسقاط ذاتي تقوم به ذات المتذوق، مقترن بما يشبه الأمتزاج أو الذوبان في الموضوع، فتشيع في الشيء الذي نتأملهُ في حياتها وروحها ونوازعها ورغباتها ومشاعرها، وشتى مظاهر أحساسها.

ب- شخصية المتذوق: أن معرفة ماهية الأنفعال الجمالي وآليته، ومعطياته النفسية يستوجب الأشارة الى أن التقبل الفني، الذي يتم عن طريق الأدراك، لا يمكن أن يكون سلبياً مقتصراً على التمتع بالوضوح الجمالي فحسب، ولكنه يستوجب وجوداً أدراكياً يرتبط مع الخبرات المعرفية، الحياتية التي أختارها وعي المتقبل في حياته الماضية، فالأدراك الجمالي نتيجة فهم عقلي واع ناتج عن تأثيرات وظواهر ومعارف ومصادر عديدة تطبع بها المتذوق، وحيث يتأمل العمل يقوم ببنائه الشكلي أو التركيبي في وعيه بأثر أسترجاعي بغية أدراكه بشكل شامل، وبذلك فأن قيمة العمل تختلف صياغة بنائها الادراكي لدى المتلقي بين شخص وآخر من حيث أقتران قدراتهم أو أستمرار التواصل في درجات مراحل التذوق أبتداءً من الأنتباه ومروراً بالأحساس الأنفعالي، ويتعلق ذلك بمستوى الوعي والفهم، ودرجات التركيز والدقة والملاحظة، والمستوى الثقافي والوعي الجمالي وأختراق البيئة والمثل والقيم والعادات والأعراف الأجتماعية وأختراق منحى العقائد والمفاهيم والأعراف بين المجتمعات.

فضلاً على أختراق المستويات التعليمية والتربوية وتباين مستويات التحصيل العلمي المعرفي الذي يؤدي الى تباين درجات القبول أو الرفض لكونهما نمطاً من أنماط التفكير الأنساني، مما ينعكس سلباً أو ايجاباً في درجات الأحساس والأنفعال الجمالي والقدرة على الأستجابة والتقدير الفني للعمل.

لا تعليقات

اترك رد