ثقافة التغيير بين التجرير و التحرير .. ج 8 التظاهرات العراقية في التشكيل المعاصر

 

يختلف مفهوم الثقافة وتنوع من حضارة الى أخرى باختلاف المواقف الفكرية والفلسفية والجمالية ؛ بوصف ان الثقافة كمفهوم لم يعد مجرد ظاهرة ذهنية اجتماعية أو معرفة انسانية موضوعية ، ولم تقتصر على الجانب المادي في بعدها الحضاري ولا على الجانب الروحي في بعدها الفكري ، بل نجدها بكل تفاصيلها بمثابة منظومة معرفية بانورامية تحقق بعض الكمالات في حدود معاني التغيير والتحرير والتجرير، من أجل أن تبعد عنها وجهة النظر المحدودة القائلة بانها مجرد زخرفة او تزويق للفراغ او مجرد مرآة افلاطونية للواقع .. بمعنى ان الثقافة في الفكر المعاصر أصبحت منظومة طاقة روحية وذهنية تقابل أو تعادل الواقع بل ونجدها تتميز عنه بوصفها قادرة على تغيير طبيعة الطبيعة الجغرافية للواقع ومن ثم الانتقال به الى شواطئ الامان ضمن مفهوم التشاطئ في الفكر والمعرفة والفن .

فالفنان بشكل عام والتشكيلي العراقي المعاصر بشكل خاص نجده صانعاً للثقافة والحياة ، حاول ان يغير واقعه المأساوي من خلال اقتراحه لأفكار تنويرية تناهض ثقافة الحروب والاحتلالات المتكررة على البلاد فتتحد ملامح الوطن الجديد وتضاريسه الاجتماعية باتجاه الانتاج والتنمية والابداع … فالفنانة التشكيلية زينة سليم المظفر نجدها في تجربتها الاخيرة (حب في زمن الثورة) قد أعادت صياغة المشهد المأساوي للمتظاهرين الذي يدوّن حكايات ومواقف ومشاهد يومية من ساحات التحرير ، بعيداً عن مشاهد القتل والخطف والقمع وقريباً من مشاهد الوجدانية التي تركز على بعض الصفحات الانسانية الغير مدرجة على صفحات تاريخنا المعاصر المحتفي بالحروب وتداعياتها التراجيدية ، وعلى وجه الخصوص المواقف الانسانية النبيلة ذات الطابع الوجداني الحاضرة بين الرجل والمرأة وبمختلف الحالات (الاخوة والزمالة والعائلة والمودة …) ، جنب الى جنب مواقف الكرم والبطولة والشهامة والشهادة والتعاون والتسامح والتعايش السلمي وغيرها من أجل تكريس الافكار النبيلة التي تحرر الارادة من القيود الشائكة .. كما هي ماثلة في أشكالها التكوينية المتنوعة ومفرداتها البصرية (رجل – امرأة – حصان الشطرنج ..) . في حين نجد ان الفنان لطيف السمهان في عمله (لنتحد من أجل العراق) قد اتخذ من موقف الاتحاد أوالوحدة في الوطن موضوعاً رئيساً في تجربته لما لفكرة الوحدة من رمزية عن التلاحم والتآزر بين افراد الشعب حفاظاً على ما تبقى من البلد بعيداً عن التحزب و التخندق والتعصب والانغلاق فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية بقدر ما هو انتماء وولاء وهوية .فضلا عن عمل (الفجر) للفنان ضياء حسن الذي يبث فيه ملامح حلم عراقي بفجر جديد لهذا البلد العريق والتليد الممتلئ بالخيرات والخبرات .. فالمشهد العام يُظهر لنا مهرجانا لونياً مبهجاً يشبه الاحتفال بالعيد لما يحويه من مفردات نوعية (اطفال – طيور – شجرة – عربة العيد – بسط شعبية …) .

اغتراب صامت وتحرير صائت :
مفهوم الاغتراب قائم على تعارض مابين الذات كفرد والعالم كمجتمع من وجهة النظر الهيجلية وبالتالي يحاول الانسان التنقيب في سرائر الذات عن طرق جديدة تتجاوز مناطق الاغتراب ؛ لان عدم الاتزان والتوتر يؤدي الى فقدان الانسان الى السعادة وبالتالي تغترب ذاتيته عن روحه .. والكثير من فناني العراق قد نزحوا عن الوطن لأسباب مختلفة فاعتراهم مشاعر الخوف والحنين والقلق وصولاً الى العزلة ، الناتجة عن الصراع ما بين الذات والموضوع والذي يؤدي الى إلتجاء الانسان الفنان الى الابداع لتحقيق الذات وتحريرها .

وقد نجد هنالك العديد من تجارب التشكيل العراقي قد انطلقت من الاغتراب في ترسيم حدود مشاهدهم التشكيلية فنرى على سبيل المثال لا الحصر ، في عمل الفنانة نادية ياس (غربة وطن) آثاراً لمحنة الاغتراب وأعباء العيش خارج حدود الوطن فالفنانة جسدت غربتها من خلال رسمها لفتاة في مركب صغير ومعها تمثال الملك السومري كوديا لسلالة لكش تعبيراً عن محنة ضياع التاريخ والتراث لبلد مهد الحضارات بعد أصبح الوطن بلا هوية موحدة بسبب سيطرة منظومة فسيفسائية من التحزب والتخندق .. فضلاً عن عمل الفنان حيان عبد الجبار (انا أبكي وطني) الذي احتفى بملامح وجه حزين ، باكي ، متهالك ، يُعبر عن صورة مرثية للوطن بعد ما قدم الاخرون في الامس واليوم الخراب والرماد والحروب والاحتلالات والفساد الاداري الذي أغرق البلاد وقسم الجسد ، فالفنان حاول أن يُرثي وطنه الغارق في المجهول وبنفس الوقت يدعونا الى نصره ومناصرته .ولاننسى عند التكلم عن ثقافة الاغتراب عمل الفنان علي طالب المعتمد على جماليات التصميم في تشييد مشهده البصري الذي يحوي رأس تمثال أحد الملوك الاكدية من العراق القديم على مساحة حمراء اللون ، تعبيراً رمزياً الى ماحصل ومايحصل في البلاد من فساد اداري أسهم في ضياع وسرقة الاثار العراقية لحظة سقوط العاصمة 2003 ودخول المحتل الى العراق واعلان الاحتلال .

في حين نجد ان الفنان قيس بهنام قد اعتمد على استعارة صورة قناع سيدة الوركاء (أوروك) الذي عثر عليه في معبد الالهة اينانا في العراق القديم والذي اتخذ منها تاريخاً رافدينياً وحضارة انسانية عريقة تتظاهر بوجه ظلام اليوم وهي تلبس كماماً تجابه به سحب الدخان المنتشرة بفعل سقوط قنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين في ساحات التحرير في العراق ضمن التظاهرات العراقية القائمة على الفساد الاداري المنتشر في جسد البلاد .. بينما قدم الفنان فلاح العاني موضوعته (من وحي الوطن) المحتفي بالتعبير وآلياته الاشتغالية والذي يلاحظ فيه تمركز هيئة بيت اتخذ من الخيمة شكلاً له في مركز ثقل المشهد الفني ويتوجه غيمة مشطورة الى نصفين ، يحيط بالمشهد كرات سوداء صغيرة تسبح في فضاءات المشهد ككل .. بينما الفنان حسام الداوود قد اعتمد جماليات التعبير في تمظهر ملامح شخوصه المثقلة بالهموم والاحزان والاغتراب في الجسد واللون والشكل ، والتي جاءت بمثابة اعادة صياغة للحياة اليومية العراقية الدراماتيكية الهرمة مع منح المشهد حرية في التفكير والانتقاء . وان الفنانة ندى عسكر في عملها الاخير المعنون بـ (فتح المزاد لوطن) قد اهتمت بابراز ثيمة المزاد العلني للوطن الذي تم بيعه تحت وطأة الحروب والاحتلالات وضيق أفق الدولة وبالتالي تصبح اللوحة بمثابة ادانة تاريخية لمايحصل في البلاد من سرقة آثار واحتلال وتجفيف مياه واهمال الثقافة والحضارة .. بينما نرى في عمل الفنان فراس البصري (سنة خير ورخاء) مظاهر الاحتفاء بالرخاء والسلام القادم على البلاد والذي تبناها الفنان في مشهده من استعارة نصب الشهيد ببغداد الذي أصبح رمزاً للشهادة ومنه تبلورت معاني النضال والاستقلال والحرية فضلا عن تواجد جموع من الشعب رافعي رايات العراق ضمن مناخات لونية مبهجة .

المقال السابقجلسة ُسمر
المقال التالىإعادة تدوير حياتنا
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد