إعادة تدوير حياتنا

 

بينما أتحدث مع صاحب والدي المقموع من السلطة السابقة آنذاك راحَ يسرد لي كيف كان أبنائه يسرقون الأحذية من المسجد ويركضون بها لاهثين إلى بيتهم، ليجذبوا إنتباه الرب، ليشد مشهد الملائكة المراقبين وهم يشاهدون أطفال صغار تلوذ وراء أسلاكاً كهربائية شائكة، عندما يصلون لذلك المكان تزمجر السماء، ترتعد الملائكة فيبتعدون، يبقونَ الصغار على لهاثهمِ فرحين بما حققوه، يفرشون الأحذية أمام الباب الخارجي ممسكي أيادي بعضهم مبتسمين ينتظرون ساعات بعدها يغفونَ من شدة التعب.

في الصباح التالي يأتي المفتي ليعظ ويتلوا الآيات القرآنية في محاولة لجعلهم مذنبين، يشرب بعض من الشاي ليشكوا من مرورته، في الوقت الراهن أزالت السلطة الحالية جميع الأسلاك الكهربائية وأصبح الفقر والجوع في متناول الأنظار كبروا الصغار الخائفين وتمردوا على النظام المقدس
الأحذية باتت لا تجدي نفعاً، يحملون إطارات العجلات القديمة ويركضون بها لاهثين ولكن غير فرحين هذه المرة، يحرقونها بالقرب من أجساد إخوتهم القتلى محاولين إثارة غضب الله، تحترق الأجساد مع الإطارات وتتفحم تهب الريح ويتطاير رفاتهم، تمطر السماء بدل أن تزمجر يغسل الماء الإسفلت ويعيد بريقه، تصور كاميرات الأحزاب الشوارع لتطمئن على سلامة الحواجز الكونكريتية، كيف يتكئ المتسولين ويغفوا أن لم يكن هناك أسمنت عالي الجودة في الأرض وصبات قوية لا تقهر.

حين قال النوّاب: “لستُ خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم، إن حضيرة خنزيراً أطهر من أطهركم، تتحرك دكة غسل الموتى أما أنتم لا تهتز لكم قصبة” فقد أختصر الكثير وهو يتحدث عن الطبقة السياسية التي لا تشبه حاضرنا الآن، بسبب تجاوزها مفهوم الوصف الدبلوماسي بمسمياتٍ عادية، من المفترض عندما نتكلم حولها نرتدي قفازات، خوذ أو كمامات، نتحشد بصفائحٍ ضد الرصاص، ونحاول كسب العطف الدولي ليأتي الرد بعد أشهر من نفوقنا، ويجيءُ الرد بإستنكارٍ وتقارير لم تكتمل بسبب شجار بين أعضاء اللجنة أو لضبابية المشاهد في الساحة.

الحناجر تصدح بالعبارة التي تفسر تفسيراتٌ كُثر” لا نموت أو ما نموت” كلهما أدوات نفي، هناك وسط ما يحدث ثمة شابٌ جالسٌ يتأمل الأعداد الكبيرة إمامه ويحل مسألةٍ رياضية سهلة، ” 40 مليون نسمة كل واحداً منا يتبرع بعامٍ من عمره، يكون هناك 40 مليون سنة نستطيع إعادة شهدائنا وأحدهم صديقه ذاك الذي يطوفون بجنازته بينهم” ما نموت بكل مكان نحن في السجون والمعتقلات في درابين الرب والسلطة، وأيضاً بين المساجد وبيوت البغاء ننمو كأننا لعنة وجودية يبررها الله في كل مرة يجعل من ذواتنا وقودٍ لساحات الصراع.

تعالوا نأخذه نفساً قليلاً، نترك الأجواء المحترقة تحترق بهدوء، يخترق الدخان طبقة الأوزون ويسبب ثقباً نستطع من خلالهِ إيصال أصواتنا إلى كواكب أخرى لا تعاني ما نعانيه، بينما أصواتنا تحاول الوصول، نجلس بدائرةٍ ضخمة كي يستريح عراقنا، لا نبكي أنما “نبچي بلغة المگاريد” كما يقول أحدٌ ما لا أعرفه ولكن ما أعرفه إنه جريح: لا نريد الربت على بعضنا الآخر ولا تكفيف الدموع ولا شد الجراح فهذا ما كنا نفعله منذ مدة ليست بالقصيرة، ما نريده ونحتاجه، أيدينا نضعها تحت جسد العراق ونرفعه ليخرج من الثقبِ إلى مكانٍ آمن ونبقى ننعاه ونبكيه كاليتامى، سنبكي أكثر من الفقيداتِ والأرامل سنبكي أكثر من أهل الشهداء ومن إخوانهم، سنملئ مكان تواجدنا بلونٍ أزرق ليختفي لون الدم، لنغرق القتلة من السلطة بملوحةِ دموعنا فهيهات أن نغرقهم بدمائنا الطاهرة، ولنا قولٌ كقول محمد مهدي الجواهري:
سلِ الطواغيتَ هل من غالبٍ اشرٍ
                   إلا وهذا الدمُ المغلوبُ غالبه.

لا تعليقات

اترك رد