عبادة الفرد..؟

 
الصدى- عبادة الفرد
لوحة للفنانة سميرة عبد الوهاب

أنتجت البشرية عبر تاريخها الطويل والعريق مفهوم تأليه الفرد؛ هذا المفهوم يشمل جميع حضارات العالم القديم منها والحديث. لم يأت ذلك من فراغ، فحضارة الفراعنة جعلت من الفرعون بمثابة إله. وكان ملوك الفراعنة يمثلون أنفسهم كآلهة مقدسة من السماء للبشر العاديين. سعتْ حضارة وادي الرافدين بجميع مراحلها نحو تأليه الفرد والمثال الأكبر هو الزعيم جلجامش الذي أراد بلوغ مرتبة الألوهية وما نال سوى نصف إله. طبيعة البشر تتعلق بالمحسوس أكثر منها بالامحسوس. البشر تريد ممارسة الطقوس باللمس وشم الرائحة وإحياء المندثر في مجال محسوس حتى وإن كانت رائحة دماء الأضاحي. لذا يذهب الناس للقبور ولأضرحة الأولياء لكي يمارسون طقوسهم بشكل واقعي على تماس مع مشاعرهم الحسية الدفينة.

المجتمع المحلي ينتج بطله على طريقته الخاصة. ويحمّلون هذا الرمز جميع أمانيهم الدفينة عندما يكون زعيما مطلقا. تستفحل عبادة الفرد في المجتمعات البدائية المتخلفة بشكل كبير، وتضمحل في المجتمعات المتطورة علميا وثقافيا. في المجتمعات المتخلفة تكثر الخرافات، وبذلك صار “المشعوذون ـ المنبريون الجاهلون في العصر الحديث” والسحرة لهم النصيب الكبير من السلطة المعززة بالقوة من قبل الزعيم الفاقد للمصداقية الحقيقية. وآل الأمر إلى وضع رجل السلطة المطلق “القائد” رجال الشعوذة إلى جانبه الأيمن بدل الرجال الشرفاء الأوفياء. المشعوذون هم الذين يتنبأون له عن المستقبل وهم الذين يشوا له بمن يتربص به من الأقربين. وتّحول هذا المفهوم إلى رجال الدين الدجالين الذين لعبوا أدوارا مهمة في التاريخ البشري المعاصر كمثال القس الروسي راسبوتين الذي قلب الأمة الروسية رأسا على عقب وأخضع سلالة القياصرة وقادهم نحو التفسخ والهلاك والسقوط الذريع وهو مجرد قس ريفي معتوه. كم راسبوتين في عراق الحاضر؟ وكم مشعوذ يرتدي لبوس الدين؟

العراقيون شغوفون بحب الزعامة، أحبوا الزعيم الوطني الشريف عبد الكريم قاسم؛ ورأوا وجهه مرسوما على وجه القمر. وهو لم يكن سوى زعيم عسكري وطني عراقي نبيل. وبعده جاء الشخصية الأبرز الذي حكم العراق عشرة أضعاف ما حكمه الزعيم عبد الكيم قاسم، فصلى له العراقيون وسجدوا. وذبحهم وأهانهم وجندهم في أبشع الحروب المدمرة. يقف الشعب العراقي اليوم أمام فراغ قيادي لشخصية فردية تحتل موقع “الدكتاتور العادل” هذه الشخصية تتمثل اليوم برئيس الوزاء حيدر العبادي الذي يعوم في مخيلة شيعة العراق ولا يجمعها. الشعب العراقي يصنع حكامه على وفق ما تشاء الأهواء الطارئة، لذلك يقتلونه في الفرصة الأولى ثم يبكون عليه طوال سنين. نقع بالخطأ الفادح دوما منذ جلجامش حتى وقتنا الراهن بصنع رموز جديدة تصلح لعبادة الفرد.. هل يكون أحدها السيد القادم من مسارب المجهول (……..) ؟ ربما؟

لا تعليقات

اترك رد