أوطانكم ليست لكم

 

أتذكّر أن أحد الرؤساء الأمريكان (الغالب على الظنّ أنه جورج بوش) قال ذات يوم ما معناه :إن العرب ليسوا أحرارا في التصرّف في هذه الرقعة من الأرض التي يعمرونها لأنّ مستقبل العالم كله مرهون بتدفق البترول دون انقطاع. ولكنّي متأكّد مما قاله ترامب بعد مقتل البغدادي فقد كشف عن برنامجه قائلا” ما أعتزم القيام به ربما يكون عقد صفقة مع شركة “إكسون موبيل” أو إحدى كبريات شركاتنا للذهاب إلى هناك والقيام بذلك بشكل صحيح… وتوزيع الثروة.” وما دامت أرضنا تنزف بترولا وتتنفس غازا وتتجشّأ فسفاطا وحديدا فإنّها لن تكون لنا إلاّ مؤقّتا. إننا قادرون على تحويل النّعم نقما … هذه غلطتنا التي حالت بيننا وبين إدراكنا أننا في عالم متحرّك متبدّل متغيّر لا يثبت فيه إلاّ شرهه المفرط للثروات الطبيعيّة وقرمه للبترول وإدمانه الغاز. فلا نحن فهمنا أنفسنا ولا فهمنا محيطنا.

وفي هذا الإطار انعقد مؤتمر برلين منذ يومين لغايتين إحداهما معلنة وهي عند المؤتمرين غير ذات أهميّة والأخرى غير مصرّح بها إلاّ لماما وهي الرئيسية والمقصودة. أما المعلنة فهي البحث عن حلّ سلميّ يعيد لليبيا والليبيين الأمل في فرصة للعيش في أمان. وأمّا التي لا يُشار إليها إلاّ لماما فهي السعي للحفاظ على تدفق البترول وتقاسمه بين الدّول الفاعلة. فهذا البترول الذي يضع حفتر والجيش الليبي يده على 60 في المائة منه,هو البترول الذي هدد به حفتر تركيا والمؤتمر في برلين فسارع منذ يومين أو ثلاثة لإيقاف تدفقه من الصّحراء الليبية وقطع تسويقه من المواني الشرقية في خليج سرت. فالبترول هو لغة التواصل الأفصح والأكثر بيانا.

في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ التي يتشكّل فيها العالم من جديد وتتآلف الأحلاف وتعقد المؤتمرات للحفاظ على المصالح والمنافع مازالت هذه الأرض التي تغلب عليها الصحراء موضوعا للمؤتمرات المشبوهة التي تذكرنا بمعاهدة سايكس وبيكو.يحدث هذا وشعوبها لا تعي أنها لا تخرج عن كونها مجرّد نواطير تحرس بضاعة ستعرض في سوق لا أخلاق فيها.إنّ هذه الأرض التي تغلب عليها الصحراء والبداوة قابلة للاشتعال في كلّ حين. فيكفي أن يقترب منها ضوء لتبدأ حرارتها في الارتفاع فما بالك بالنار. أرضنا التي “ليست لنا” حبلى بهذا البترول القذر الذي يقف حائلا دون فهمنا لقانون الحياة وحركتها الدّائبة.

لقد أشعل عرّابو الربيع العربي الصحراء الليبية ببترولها فتحوّلت ليبيا من شرقها إلى غربها, كما تحوّل العراق قبلها, إلى جمر أحمر ناره تحرق الأخضر واليابس ولهبها لا يبقى ولا يذر. وحينما أوشكت هذه النار التي يغذيها البترول أن تخبو جذوتها انفجر الغاز في البحر الليبي بمؤامرة تركيّة فانتشر اللهب مجدّدا ليؤكّد لنا مرّة أخرى أنّ ” أوطاننا ليست لنا”.

وفي مؤتمر برلين يجتمع أردوغان الإسلامي بفرنسا وإيطاليا وروسيا التي لا تفرّط في ما يُتاح لها من فرص للتقدّم أكثر نحو مصالحها,اجتمع بهم أردوغان ليقول للعالم المتعطّش للبترول المتحرق للغاز إنّه قام بالدّور القذر كما يجب أن يقوم به عميل يقبض تحت الطّاولة ويظهر التعفف الكاذب في صور الصّحفيين.

ليس جديدا أن يقول رئيس أمريكيّ إنّ العرب ليسوا أهلا للسيطرة على أرض أودعتها الطبيعة كلّ هذه الخيرات. وليس غريبا أن تلقي إيطاليا بالسلاح إلى السرّاج وليس غريبا أن تهتم تركيا الأردوغانيّة بمصالحها الملوثة بالخيانة وتراها مع السرّاج في حلف حتّمته المؤامرات. ولكنّ الغريب الغريب أن يساهم الإسلاميون في معركة البترول والغاز ليغرقوا ليبيا في الاستعمار والتخلف والتقاتل بين مواطنيها. فكيف يتحوّل الإسلاميون الذين يدينون بالولاء لجماعة الإخوان وفروعها حيث وُجدت إلى سماسرة لا يتورّعون عن تسليم الجمل بما حمل للمستعمر المرتزق (أردوغان) للمستعمر الذي خرج من الباب ليعود من الشبّاك وهم يعلمون علم اليقين أنه لا يبرم أمرا إلاّ بعد أن تؤشّر عليه الدول الغربية وأمريكا بالموافقة؟.

هذا البترول ليس لنا. والطبيعة الغبية أخطأت من يستحقّه.ولذلك أصبحت هذه الثروة نقمة تصيبنا سهامها المتهاطلة علينا من كلّ صوب. هذا البترول لم نصب منه غير تعفنه وسواده وانتفاخ البطون وارتجاج في الأدمغة وحروب مخسورة من قبل خوضها. ماذا جنينا من بترول غير ما يجنيه المتسول من

جلوسه قرب قمامة من ذباب ملحاح؟ وماذا سنجني من هذه الثروات المدفونة وقد أحصيت براميلها المخبأة في بيدائنا من صحراء موريتانيا إلى الربع الخالي في السعودية.

وإذا كان الغرب قد نجح في ادّعائه أنّ فلسطين أرض بلا شعب (رغم ملايين السّاكنين الذين كانوا يعمرونها ) لشعب بلا أرض,فإنّه من اليسير عليه أن يدّعي (وهو على حقّ هذه المرّة) أنّ البترول في البلاد العربية بترول بلا مالكين. وعندها لن يبقى من هذه الأوطان غير سواحل بحريّة ونهرية يرتاح في موانئها المسافرون المتوجهون إلى الهند والصين ومجاهل إفريقيا ومساحات فسيحة جدّا تغطيها الألواح اللاقطة لأشعة الشمس. فهل يمكن أن تتحول الشمس أيضا إلى لعنة؟

الحقيقة أنّنا نحن اللعنة التي أصابت هذه البقعة الجميلة من الأرض التي تحتلّ من العالم قلبه الدّافئ,قلبه النّابض بموفور الطّاقة. نحن اللعنة المتبرّجة التي استجلبت لنا كلّ ذباب العالم(أعتذر من الغرب ومن الأتراك). ولكننا أقوام بلا قلوب. نحن أقوام بلا ذاكرة. أقوام مسحنا تاريخنا بسخام البترول الذي أحرقنا به وجوهنا.

ويبدو أنّ النهاية قد قربت وأنّ أرضنا التي هي ليست لنا قد وجدت ما يكفي من المبرّرات لتحرقنا بنفطها الذي هو ليس لنا. فانتظروا الخراب الذي سيكون “خرابا بالحقّ” ولا يكون بعده إلاّ “إعمار بالحقّ”. ولننتظر بعد ذلك عالما جديدا لا يتلهى فيه العرب بعدّ أصابعهم خوفا على “هويتهم” من الطّمس.

“هذه الأرض ليست لهم” … هذه الأرض ثكلى…

لا تعليقات

اترك رد