شلتوت يقدم قطوفا من ربيع البنفسج

 

“ربيع البنفسج .. قراءة في روايات عربية” كتاب جديد للكاتب أحمد رجب شلتوت، صدر مؤخرا بالقاهرة عن وكالة الصحافة العربية (ناشرون) طبعة 2020، وفيه يقدم الكاتب قراءات متعددة للرواية العربية، بلغة أدبية رفيعة يتضح فيه شغف الكاتب واهتمامه بدراسة المكان الروائي، والرواية العربية بين الأقوال المختلفة حول ازدهارها ورواجها باعتبارها حقيقة مؤكدة، وبين تشكك البعض في موتها واندراسها إذا هي خافت التجديد؛ ينتصر شلتوت لحال الرواية وواقعها بأنها قد شهدت ربيعًا غير مسبوق، لينطلق من تأكيد مصاحبة الإنسان للرواية؛ حيث إنها قد صاحبته في كل تجلياته، فهي تشبهه في قدرته على التطور والتجدد والاستمرار؛ وتمنح نفسها دائمًا حيوات جديدة، وقد شهدت تحولات كبيرة في اللغة والخيال والموضوعات والأشكال والرؤى والمواقف، حتى أصبحت أكثر أشكال التعبير قدرة على تصوير تشظي الذات والمجتمع العربيين، فالرواية العربية قد ارتبطت كثيرًا بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية، فبلا شك يسير المنتج الأدبي في فلك الحراك السياسي يتأثر به ويؤثر فيه، لا سيما تأثير ثورات الربيع العربي في الأدب؛ فقد أضافت إليها خصوصيات لغوية أثرت في مبنى الخطاب؛ مما أحدث تنوعًا في العديد من القضايا، وهذا المضمون يتعانق مع دلالة اللون البنفسجي الذي يشير إلى رجوع الرواية إلى الحياة.

للرواية العربية خصوصيتها التي تميزها؛ فهي عنده تعبر عن أزمات إنسان عربي متكرر الهزائم والخيبات؛ لذا يغلب على شخصياتها التيه والانكسار، وهي بذلك لا تكرر نفسها، فلكل حالة ولكل رواية ما يميزها عن غيرها، فالرواية تمتاز بالمرونة والقدرة على استيعاب الذاتي والموضوعي، والخاص والعام، حتى أصبحت أكثر قربًا من الحياة، وأكثر قدرة على التعبير عنها، من أجل هذا سيطول ربيعها وبقاؤها، ومنوهًا أيضًا لأهمية دور النقد في مواكبته لها، وللقيام بدوره بفرزه لها كاشفًا سمينها من غثها، ومسايرًا لمغامراتها الجمالية والموضوعية، وكاشفًا عن تحولاتها الفنية الراصدة للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يشهدها الوطن العربي خصوصًا فيما انقضى من سنوات القرن الحادي والعشرين، فالرواية نصٌّ أدبيٌّ له خصوصيته الثقافية والفنية، والأديب عامة لا ينفصل عن مجتمعه أو عن واقعه المعيش لذا يجيء النص الأدبي دائمًا مؤثرًا ومتأثرًا بمتغيراته الاجتماعية المتنوعة التي تتواءم ودراسة المكان الروائي.

وجاء ربيع البنفسج مرتكزًا على محورين أساسيين؛ أولهما: دراسة عن رواية المكان إدراكًا من وعيه بأهمية المكان الروائي وقيمته، فالمكان لديه ليس مجرد وعاءٍ حاوٍ للأحداث والشخصيات بل هو شخصية موضوعية، وأشار إلى علاقة الأدباء بالمكان كعلاقة حنا مينا باللاذقية، وإبراهيم الكوني بصحراء الحمادة بليبيا، وعبد الرحمن منيف بـ”حران”، و”مدن الملح”، ومحمد جبريل ومدينة الإسكندرية، وغيرهم.

أما المحور الثاني وهو مدعم قوي لفكرة الكتاب ويضم قراءات متفرقة لعدد من الأعمال الروائية العربية محددة، ويبدأ بتحية الروائي فتحي إمبابي الذي تنبش رواياته في لحظات غائمة في تاريخ الوطن، فقد دفعته هزيمة 67 إلى التاريخ ليس بحثًا عن إجابات جاهزة لأسئلة محيرة، بل بحثًا عن هوية اهتز اليقين بها كرد فعل طبيعي للهزيمة، هكذا تشكلت روايته “نهر السماء” التي استلهمت العقود الأخيرة من عمر المماليك، بعدها رصد تغريبة المصري في بلاد النفط في روايتيه “العرس”، و”مراعي القتل”، وفي “عتبات الجنة” يطرح سؤالاً عن هزيمة الثورة العربية.

أما عمار علي حسن، ففي روايته “السلفي” يرسم لوحة كبيرة للوطن مختصرًا في تلك القرية التي يطوف الأب بعتباتها مستحضرًا لتاريخها ومنقبًا خلف حكايات العتبات عن أصل الداء الذي حول الشاب الطيب على إرهابي.

وفي “حفر دافئة في متاهة الرمل” يتلمس صورة باريس الرمادية كما رسمها التونسي الحبيب السالمي في رواياته، أما الروائي فواز حداد، فهو منذ عمله الأول “موازييك: 39” يحفر في التاريخ السياسي والاجتماعي لسوريا، ويزيح التاريخ ببراعة إلى خلفية المشهد الاجتماعي، مقدمًا شخصياته كشهود على الواقع وضحايا له في آن، وفي روايتيه جنود الله ثم السوريون الأعداء، يطرح أسئلة عن الدين والثورة يتوقف الكاتب عند روايته الأخيرة “الشاعر وكاتب الهوامش” التي ترصد آليات تزييف الوعي وتدجين المثقفين واستخدام الشبيحة لترويع المواطنين.

وفي “حصن الزيدي”، للروائي اليمني محمد الغربي عمران، يشكل الحصن _ باعتباره رمزًا للسلطة _ فضاء يحتوي أغلب أحداثها، ويكشف عن تماثل سلطاتها سواء انتمت إلى قبيلة تقسم الناس إلى سادة وعبيد، أو أئمة يطوعون الدين لمصلحتهم الشخصية، أو ثوار لا يملكون سوى الشعارات وإطلاق الوعود التي لا يستطيعون الوفاء بها، فلم يتغير في الحقيقة إلا اسم الحصن بحسب تبعيته للسلطات المتعاقبة على حكمه، بينما أحوال الناس ظلت مقيمة على بؤسها.

وقد بدت التحولات التي شهدتها الرواية العربية أكثر من أن تكون مجرد صدى لجملة التحولات الاجتماعية المربكة التي شهدها الوطن العربي في العقد الأخير من القرن العشرين وفيما انقضى من القرن الذي تلاه، فتوقف العراقي وارد بدر السلام عند الراهن العراقي في رواية “شظية في مكان حساس” التي تسرد رحلة أسرة عراقية مع الألم الذي صهرها، وأعاد تشكيلها وصياغة حياتها عقب تعرضها لمحنة استثنائية في زمن الحرب.

وفي روايته كيميا لم يقم وليد علاء الدين بإهالة التراب على وجه جلال الدين الرومي ولم يقم بتكسير صنمه، بل قام بتفكيك الصورة النمطية لمولانا، بل بحث خلف تفاصيل الصورة المرسومة عن ملامح الإنسان الحقيقي. صورة يقبلها عقل الكاتب المنحاز للإنسان.

وللكتابات النسائية نصيب من هذه القراءات إذ يعرض شلتوت منها “وطن الجيب الخلفي” للأديبة منى الشيمي، وتعالج فيها فكرة الاغتراب وتشظي الهوية وتأثيرها على تعريف الوطن عند المواطن المستلب. وفي رواية “104 القاهرة” للكاتبة ضحى عاصي ترصد تفتت عوالم المدينة التي تشهد أفولها، وتستشرف تحول العلاقات بين الفضاءات المتجاوزة بما ينذر بنشوب صراع قد يزيد من اتساع الشروخ التي تنسرب منها أرواح أولئك المتمتعين بقوة الرأفة.

ويذكر أن “ربيع البنفسج” هو الكتاب النقدي الثالث للكاتب المصري أحمد رجب شلتوت، وقد سبقه “الرواية فن البحث عن الإنسان” و”رشفات من النهر.. قراءات فكرية”، والكاتب المولود في مدينة أبي النمرس الإقليمية في 1962، حاصل على بكالوريوس تجارة من جامعة القاهرة، ويعمل بمديرية الشباب والرياضة بالجيزة، وفاز بجوائز أدبية عدة منها جائزة جريدة الشعب المركز الأول في القصة العام 1989 ونادي القصة المركز الأول العام 1997، وجمعية الأدباء العام 2007 ، وجائزة إحسان عبد القدوس في الرواية العام 2008، وجائزة ساقية الصاوى للقصة القصيرة جدا في العام 2010، فاز مرات عديدة في مسابقات الثقافة الجماهيرية ووزارة الشباب في القصة القصيرة والرواية والمسرحية. وصدرت له مؤخرا رواية “حالة شجن” عن الدار الثقافية بتونس، وأصدر أربع مجموعات قصصية هي “العائد إلى فرحانة”، “السعار والشذى”، “دم العصفور”، “ساعة قبل النوم”، وفي مجال الرواية صدر له “حالة وشحن”، فضلا عن مجموعة قصص للأطفال “العش للعصافير”.

لا تعليقات

اترك رد