لعبة تحالفات جديدة لحماية الأمن العربي والإقليمي

 

تتجه المنطقة العربية بقيادة السعودية في تشكيل مجلس يضم الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن يتكون من دول عربية وأفريقية حيث وقع وزراء 8 دول في 6/1/2020 ميثاق المجلس في الرياض لحماية الممر المائي الفاصل بين قارتي آسيا وأفريقيا في ظل بروز أطماع حقيقية في هذه المنطقة، بعدما حاولت تركيا إيجاد موطئ قدم كإقامة أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج في الصومال عام 2017، وتحاول تركيا إقامة قواعد عسكرية متقدمة في عمق محيطها الملتهب وغير المستقر في الشرق الأوسط، ولتركيا اليوم قواعد عسكرية في قبرص والعراق وسوريا وقطر إلى جانب الصومال، وتبحث أنقرة عن إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي التي تستضيف بالفعل قواعد أميركية وفرنسية ويابانية وصينية، وكانت أيضا تنوي إقامة قاعدة عسكرية في سواكن قبل الثورة السودانية على البشير.

لكن للدور السعودي اليقظ أدى إلى تراجع للدور التركي في الصومال وخفض تركيا بسبب أزمتها الاقتصادية مساعداتها العسكرية للصومال من 30 مليون دولار إلى 20 مليون دولار بسبب انزعاج تركيا من البيان الصومالي الداعم للسعودية منذ اغتيال خاشقجي بجانب انضمام الرئيس الصومالي محمد فرماجو إلى محور القرن الأفريقي الجديد الذي يضم كلا من إثيوبيا والصومال وإريتريا وهو محور محسوب على السعودية والإمارات وقد نجح هذا المحور في عقد سلسلة لقاءات تمخضت عنها مصالحات تاريخية بين دول القرن الأفريقي.

الأزمة بين السعودية ودولة الإمارات ومصر مع تركيا أتت بعد المقاطعة العربية للدول الأربع مع قطر في يونيو 2017 انزعاجها من نشاط تركيا الجديد في البحر الأحمر التي تريد إحياء الأحلام العثمانية الجديدة وهو نشاط مدفوع في المقام الأول بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لتركيا، ولعبت على علاقات مصر الخلافية مع السودان في ضوء نزعات المياه مع إثيوبيا وكذلك بسبب مطالب السودان مصر الانسحاب من مثلث حلايب وهو الإقليم المتنازع عليه على الحدود المصرية السودانية منذ العام 1958، ووضعت أنقرة والقاهرة في مسار تصادمي، كما تنظر السعودية والإمارات إلى الدور التركي في البحر الأحمر من أنه مقامرة خطيرة وبدورهما عززا من وجودهما العسكري في العديد من الموانئ الاستراتيجية في البحر

الأحمر خاصة في صوماللاند وإريتريا اللتين تستضيفان قواعد عسكرية إماراتية ما يعني أن منطقة البحر الأحمر بدأت تتجه نحو العسكرة.

كذلك تقيم إيران شراكات اقتصادية مع إريتريا وقاعدة عسكرية في ميناء عصب الإريتري ومركز لتموين سفنها إضافة إلى تدريب عناصر من الحرس الثوري والمليشيات التابعة لها في إريتريا في معسكر دنقللو الإريتري وهي حلقة وصل لتقديم دعم عسكري للحوثيين في اليمن، وتسعى إيران لاستكمال الدوائر المفرغة من الهلال الشيعي الذي لا يكتمل إلا من خلال سيطرة إيران على الجانب الجنوبي من هذا الهلال على حساب دول منطقة القرن الإفريقي ومضيق باب المندب على وجه الخصوص، مع قيام إيران بتزويد العناصر العسكرية البحرية التابعة لها في خليج عدن قبالة السواحل الصومالية تحت ذريعة محاربة القرصنة للسيطرة على الممرات المائية الدولية والمؤثر أيضا على مدخله الشمالي من جهة قناة السويس.

لذلك فإن البحر الأحمر هو شريان الحياة الواصل بين أرجاء العالم أجمع، وحلقة الوصل المحورية لسريان التجارة العالمية، ويعد البحر الأحمر صمام الأمان والمحدد الرئيس لاستقرار الدول العربية والإفريقية بصفة عامة ومصر والسعودية بصفة خاصة.

حيث تعتبر منطقة القرن الإفريقي الركيزة الأساسية للأمن القومي العربي ويعد أهمية استراتيجية خطيرة إذ تضم المنطقة منابع نهر النيل الذي يعد شريان الحياة لمصر والمصريين وتعد إثيوبيا أهم منابع نهر النيل بنسبة 86 في المائة بالنسبة لمصر من إجمالي المياه الواردة من دول حوض النيل جميعا ما يضعها على رأس قائمة أولويات السياسة المصرية العربية.

استدعى ذلك إلى جانب تشكيل مجلس يضم الدول ال8 المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن تدشين مصر أكبر قاعدة عسكرية في البحر الأحمر برنس بالقرب من الحدود الجنوبية شرق مدينة أسوان وبحضور خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودي ومحمد بن زايد نائب رئيس دولة الإمارات وأرمين سركيسيان رئيس أرمينيا وبويكو بوريسوف رئيس وزراء بلغاريا التي أنجزت في فترة قياسية لا تتجاوز سنة لتتحول إلى قوة عسكرية ضاربة في البر والبحر والجو رابطا تدشينها الرئيس المصري السيسي بمتغيرات إقليمية ودولية خصوصا مع توترات متنامية مع تركيا على صلة بالنزاع على الطاقة في منطقة شرق المتوسط وتطورات الأوضاع في ليبيا فضلا عن تعثر مفاوضات مصر مع إثيوبيا بخصوص سد النهضة.

افتتاح هذه القاعدة يأتي تعزيزا لدور مصر المحوري في منظومة الأمن العربي والاستقرار الإقليمي، وجاء الإعلان عن القاعدة بشكل مفاجئ لتكون إحدى القلاع العسكرية المصرية على الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي بقوة عسكرية ضاربة لتأمين السواحل الجنوبية وحماية الاستثمارات الاقتصادية والثروات الطبيعية ومواجهة التحديات الأمنية في نطاق البحر الأحمر فضلا عن تأمين الملاحة العالمية عبر محور الحركة في البحر الأحمر وحتى قناة السويس والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها وجاء افتتاح القاعدة بعد عامين على افتتاح قاعدة محمد نجيب العسكرية في شمال مصر.

في المقابل من أجل محاصرة مصر تركيا عقدت اجتماع منتدى شرق المتوسط الذي عقد في 16/1/2020 في القاهرة الذي يرتقي به إلى مستوى منظمة دولية حكومية مقرها القاهرة فيما طالبت كل من فرنسا والولايات المتحدة الانضمام لهذا المنتدى ويتشكل المندى من سبع دول متوسطية تشمل مصر والأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا بهدف إدارة مواردها الطبيعية وفقا للقانون الدولي وطلبت فرنسا طلبا رسميا للانضمام لعضوية المنتدى وكذلك أعربت أمريكا عن رغبتها في الانضمام كمراقب بصفة دائمة.

ما جعل تركيا تتدخل في لبيا عبر دعم حكومة السراج وجماعات متشددة في غرب البلاد تريد أن تنتزع لنفسها مقعدا في كل ما يتعلق بليبيا من مفاوضات أو تفاهمات لكن هذه التحركات رفعت من حدة التوترات القائمة مع دول شرق المتوسط وبشكل خاص مع مصر، وهدف تركيا في اتفاقها مع حكومة السراج الوسيلة لإحباط أي خطط أو مشروعات تتجاوزها في شرق المتوسط حيث ربطت تقديم العسكري للسراج بالحصول على الاتفاق البحري الذي يتيح لها التعدد في شرق المتوسط والمشاركة في عمليات ليبيا للتنقيب عن النفط والغاز وقبلت حكومة السراج ذلك لسعيها لإيجاد حليف خارجي يساعدها في الخروج من حصارها في طرابلس.

من أجل الرد على منتدى شرق المتوسط الذي تقوده مصر واستبعدت تركيا وهو يعني قطع الصلة والفصل بين مصر وقبرص وإسرائيل وفلسطين في الشرق عن اليونان وإيطاليا في الغرب ويهدد مشاريع إمداد الطاقة المخطط لتدشينها في المنطقة بما فيها خط إيست ميد بين إسرائيل واليونان وقبرص، ولذلك أعلنت تركيا أنها على استعداد لإبرام اتفاقات مماثلة لما أبرمته مع حكومة السراج يعطيها الكلمة العليا في المنطقة ويجعلها حارس بوابة المتوسط الذي لا يمكن أن يمر شئ منها إلا بموافقته وتصبح ممرا للطاقة من المتوسط إلى أوربا على غرار حتى تحتكر أنها دولة ممر من الشرق والجنوب لأوربا.

خسرت تركيا تلك التحالفات بسبب أنها لم توقع على قانون البحار عام 1982 التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994 والتي تنص على أن المياه الإقليمية لأي بلد تمتد 12 ميلا في البحر، وأن المنطقة الاقتصادية الخالصة يمكن أن تمتد 200 ميل حيث باستطاعته المطالبة بحقوق الصيد والتنقيب والحفر وعندما تكون المسافة البحرية بين بلدين أقل من 424 ميلا عليها تحديد خط فاصل متفق عليه بين منطقتيهما البحريتين وتحفظ الاتفاقية حقوق الجزر البحرية كما هو حال الجزيرة القبرصية.

وعدم توقيع تركيا الاتفاقية والمطالبة بدلا عنها استنادا إلى جرفها القاري مع توقيع اتفاقية للجرف القاري مع جمهورية شمال قبرص التي يعترف بها إلا تركيا التي أعلنتها تركيا جمهورية مستقلة عقب غزوها للشطر الشمالي للجزيرة القبرصية عام 1974 بحجة حماية الأقلية التركية ويتناقض مع حقوق جمهورية قبرص العضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي.

لذلك ستدخل تركيا ليس فقط الصدام مع دول المنطقة بل مع العالم وهو ما يؤكده تبلور تحالفات إقليمية ودولية وتحركات في مواجهة التصعيد التركي من أهمها إعلان قيام منتدى المتوسط للغاز وإطلاق الجهود للتوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وتوقيع سلسلة اتفاقات بين مصر وقبرص واليونان على شكل تحالف إقليمي في مجال الطاقة بالمتوسط وصولا إلى اتفاق ايست ميد لنقل الغاز إلى أوربا عبر قبرص واليونان مع تحرك أوربي لدعم عضوية قبرص واليونان في مواجهة تركيا.

ومن أبرز التطورات في هذا الشأن موافقة مجلس الشيوخ الأميركي على قانون أمن الطاقة في المتوسط وإقرار رفع الحظر عن بيع السلاح لقبرص وإنشاء مركز أميركي دائم للطاقة في المتوسط وهو ما يعد ضربة قوية لتركيا ما يجعل تركيا في مواجهة تكتل إقليمي دولي ضخم وهذا الشرخ الكبير بين تركيا وحلفائها في الأطلسي يجعلها أكثر قربا من روسيا والتي في نفس الوقت لن تقف في وجه العالم إلى جانب تركيا.إفتتاح

لا تعليقات

اترك رد