الفن بين الواقعية والرأسمالية ج 2

 

الواقعية الإشتراكية:
بعد ان تطرقنا عن الفن والرأسمالية في الجزء الاول، نتطرق هنا عن الواقعية الاشتراكية، وفي البداية نود التوضيح بان الواقعية الاشتراكية سبقتها الاتجاهات الادائية التي تضمنت تجسيد الجانب التعبيري وليس الجمالي تحديدا، حيث كان الفن في السابق تجسيد اشخاص الامراء والاميرات والاجواء الراقية من القصور والمفردات الراقية، بينما كان الفن الذي مهد نحو التجسيد الواقعي الاشتراكي يتضمن اناس في حالات تعسة في الشكل والاعاقة والوضع المزري وبشكل عام تجسيد مضامين اجتماعية عامة بمعنى آخر التنوه الفني نحو مشاكل المجتمع بشكل عام من الطبقات الفقيرةواصحاب العمل الانتاجي: العمال والفلاحين والصناعيين او اصحاب الكفاءات العلمية التربوية للمجتمع، اما من الناحية الجمالية فانه يتجسد بالمضمون الهادف والاداء التقني وليس شكل الوجوه والاجواء ومستوى الطبقات العالية، ولقد صاغ جوركي عبارة الواقعية الإشتراكية في مقابل الواقعية الإنتقادية، وأصبح هذا التقابل أمراً مسلماً به الآن من جانب النقاد والباحثين الاشتراكيين. غير أن عبارة – الواقعية الإشتراكية – كثيراً ما أسيء إستخدامها، كما إنها أطلقت خطأ على لوحات أكاديمية تأريخية، كما أطلقت على روايات ومسرحيات لا تهدف إلا الى الدعاية وإخفاء الأخطاء، ولهذا السبب والأسباب الأخرى من الأفضل إستخدام عبارة – الفن الإشتراكي – فهي تشير بوضوح إلى موقف..لا إلى أسلوب، وهي تؤكد النظرية الإشتراكية، لا المنهج الواقعي. إن الواقعية الإنتقادية، وبعبارة أوسع الأدب والفن البرجوازي، تتضمن نقداً للواقع الإجتماعي المحيط بالفنان.

أما الواقعية الإشتراكية فتتضمن الموافقة الأساسية من جانب الكاتب أو الفنان على أهداف الطبقات العاملة والعالم الإشتراكي الناهض. والفارق هنا فارق في الموقف لا في الأسلوب فحسب. الواقعية الاشتراكية واحد من تيارات الواقعية، وقد ظهر هذا التيار رسمياً في الاتحاد السوفيتي في ثلاثينات القرن العشرين وساد فيه وفي الدول الواقعة تحت تأثيره، حيث كان التيار الموصى به أو الملزم، وكان له ارتباط وثيق بالإيديولوجيا والبروباغندا. وهنالك فرق بين الواقعية الاشتراكية والواقعية الاجتماعية اللذان قد يختلطان بسبب تشابه تسميتيهما بالإنكليزية، فالواقعية الاجتماعية تيار ظهر في الفترة نفسها تقريباً في الولايات المتحدة. تركز الواقعية الاشتراكية، بخلاف الواقعية الاجتماعية، على دور الفقراء والطبقة الكادحة. أقر الحزب الشيوعي السوفييتي الواقعية الاشتراكية في سنة 1932 في الآداب والفنون.

تعود بدايات الواقعية الاشتراكية إلى بداية القرن العشرين، ومن أبرز الأمثلة على الكاتبين به مكسيم غوركي، وتبعه أدباء آخرون أضافوا نظرتهم الاشتراكية إلى كتاباتهم الواقعية، مثل جون ريد وهنري باربو وتسمَّى أيضاً الواقعية الجديدة. وقد نشأ هذا المذهب منذ البداية رداً على الرومانسيّة والواقعية الانتقادية المتشائمة والطبيعيّة السطحيّة، ونما وانتشر مع اتساع الدراسات الاشتراكية والتطبيق الاشتراكي؛ ولما كانت الاشتراكية نظرةً فلسفيّةً واجتماعية تشمل كل فروع المعرفة والحياة فقد اهتمت بالأدب الواقعيّ ووجهته وجهةً خاصّةً تناسبها، ووجدت فيه خير مصوّر للواقع وباعثٍ للوعي وحافز إلى التغيير باتجاه التقدُّم. ومن هنا نشأت الواقعية الاشتراكية في الأدب وأصبحت مدرسةً عالمية لها منهجها العقائدي المتميّز الذي تمّ من خلاله استخلاص مدرسةٍ نقدية سميّت بمدرسة الواقعية الاشتراكية. وقد تبلورت معالمها في الثلاثينيات من القرن العشرين.

وتتلخص سمات المدرسة الواقعية الاشتراكية في الأدب بالخصائص الآتية:
اولا: إنها تنطلق من الواقع الماديّ من خلال فهمٍ عميقٍ لبنية المجتمع والعوامل الفعالة فيه والصراعات التي ستفضي إلى التغيير. فالواقع هو الصادق الوحيد والقاعدة العلميّة الموضوعيّة.

ثانيا: الأديب طليعة مجتمعه بما أوتي من مؤهلاتٍ فكرية وفنيّة ووعيٍ للعالم ومؤهلاتٍ قياديّة تمكّنه من التأثير في الأفكار والعقائد والقناعات والسلوك؛ فله إذن رسالة جوهرية إيجابيّة وهي الاتجاه مع المجتمع لبناء مستقبلٍ أفضل للجماهير العريضة. إن الأدباء هم (مهندسو النفس البشرية) ولذلك لابد لهم من رؤية مستقبليةٍ واضحة لما يجب أن يكون.

ثالثا: ينطلق الفهم العميق للمجتمع من التحليل الماركسيّ للصراع الطبقيّ والوصول إلى كنه التناقضات الجدليّة في هذا الصراع الذي يقوم على التأثير والتأثر والناتج.

رابعا:عدم الاكتفاء بالتصوير بل لابد من شفعه بالتحليل واستخلاص العوامل الفعالة في صياغة المستقبل التقدمي، وهنا تبرز رسالة الكاتب وإعلاء شأن الإرادة الإنسانية ونضالها العنيد ضمن الإطار الجماعيّ الطبقي لصنع المصير وفق المنطق التاريخي. وإنّ الكاتب لا يبقى مشاهداً سلبياً بل يتدخل لتغليب الإيجابيات وتعزيز النضال.

خامسا: الواقعية الاشتراكية متفائلة، تؤمن بانتصار الإرادة الجماهيريّة التي تتجه دوماً في طريق الحق والخير وتتمكن من إعادة بناء المجتمع الجديد.

سادسا: تولي الواقعية الاشتراكية أهمية كبرى لرسم وإبراز النموذج البطولي في إطار التلاحم النضالي مع الجماهير والتصميم الإرادي والصلابة والوعي والتضحية، بحيث يصبح نمطه مثالاً للمناضلين، يحبّونه ويقتدون به.

سابعا: الواقعية الاشتراكية إنسانيَّة وعالميّة تؤمن بوحدة قضايا الشعوب ووحدة نضالها في سبيل التحرّر الاجتماعي والسياسي ووحدة الخط التاريخي، وتدين أشكال الاستعمار والاستغلال والفردية والتمييز العنصري والدينيّ.

وترى أن القوميّة جسرٌ إلى العالمية، وترفض الاعتداء والتسلّط والحروب.

ثامنا: لا تهملُ المقومات الفنيّة كالمقدرة اللغوية والأسلوبية وبراعة التصوير الطبيعي والنفسيّ وحرارة العاطفة والمقومات الخاصة بكل جنسٍ أدبيّ وهي تتجه إلى الجماهير في خطابها ولذلك تختار اللغة السهلة المتداولة. ولا تقيم وزناً لأدب يؤدي الأهداف دون حسٍّ مرهفٍ وأداءٍ فنّي. فالمضمون والشكل متضامنان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

وممّا تقدم نتبين أن الواقعية الاشتراكية مدرسة إيديولوجية ملتزمة سواء على الصعيد الإبداعي أو النقدي؛ ولكنها تلحّ دوماً على أن يكون الالتزام نابعاً من صميم القناعة، يتدفق من تلقاء ذاته وليس مجلوباً أو مفروضاً أو مرائياً أو مجاملاً.

إن الأدب الواقعي الاشتراكي هو أدب التلاحم مع الجماهير، والنضال معها وفي مقدمتها مع إبراز دور الفئة الواعية المحايدة في فضح الطبقة المستغلة والعناصر الفاسدة والمتحكمة والرجعيّة والحياديّة والمتردّدة والوصولية والانتهازية وكل أعداء الاشتراكية والتقدم الذين يشكّلون فيما بينهم حلفاً عائقاً لمسيرة الجماهير بشكل صريحٍ مباشر أو ضمنّي غير مباشر.

وقد ازدهرت الواقعية الاشتراكية خلال القرن التاسع عشر، وكان من أوائل منظّريها بلنسكي (المتوفى عام 1848) وهو من النقاد الديموقراطيين ومؤسس علم الجمال الواقعي ومن الاشتراكيين الخياليين، وقد ناضل في الصحافة والأدب لإخراج روسيا من نير العبودية والاستبداد ومن أعلامها أيضاً تشرنشفكي (المتوفى عام 1889) الذي ناضل ونفي إلى سيبريا بسبب أفكاره، وهو أحد القادة الديمقراطيين والداعي إلى ثورة الفلاحين والنضال في وجه السلطة التقليدية، والدفاع عن الطبقات المسحوقة ولا سيما الفلاحين المستعبدين الفقراء. وله أيضاً رسالة في (علم الجمال) تعدّ أساساً لعلم الجمال الواقعيّ، انتقد فيها نظرية الفن للفنّ، واعتبر الحياة الواقعية نفسها مقياساً للجمال ومعياراً للصدق والإخلاص والعمق. ومن أشهر رواياته رواية (ما العمل)؟.

المقال السابقالعدل الاجتماعي
المقال التالىإسرائيل وقفص الاتهام
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد