روسيا ما بين العرب وتركيا في حرب الغاز في ليبيا

 

روسيا لها مصالح مع تركيا وإيران والعرب ولن تصطف إلى طرف ضد طرف لكن روسيا تصطف إلى جانب مصالحها أولا عندما تتضارب مصالحها مع هذه الأطراف خصوصا وأنها تدرك أن الغاز مادة الطاقة الرئيسية في القرن الواحد والعشرين سواء من حيث البديل الطاقي لتراجع احتياطي النفط عالميا من حيث الطاقة النظيفة ولهذا فإن روسيا ترى أن السيطرة على مناطق الاحتياطي الغازي في العالم أساس الصراع بين القوى العالمية والإقليمية.
بعد إقرار اتفاق كيوتو 1992 بدأت الدول الأوربية الفقيرة في الطاقة الأحفورية بحجة أنها تتخذ إجراءات حازمة للحد من تلوث الجو فتضاعف استهلاك أوربا للغاز ومن المتوقع أن يزداد الاستهلاك بأكثر من خمس مرات في السنوات المقبلة في ظل قرارات بإغلاق العديد من المفاعلات النووية المولدة للطاقة ما فتح شهية الدول المصدرة للغاز نحو أوربا بشكل مباشر أو غير مباشر وتعتبر روسيا المصدر الأول للغاز بسبب أنها الدولة الأولى في العالم امتلاكا للاحتياطيات.
قرأ بوتين الخارطة وتعلم الدرس جيدا أن سبب سقوط الاتحاد السوفيتي كان بسبب غياب موارد الطاقة العالمية عن سيطرتها لذلك تعلم أن لغة الطاقة الآتية إلى القرن الواحد والعشرين على الأقل هي لغة الغاز خصوصا وأنه استطاع إبطال الطابع الجيوسياسي الأنجلوساكسوني نابوكو الذي ينقل الغاز من أذربيجان في وسط آسيا عبر الأراضي التركية في اتجاه دول الاتحاد الأوربي ليصب في مستودعات كبيرة للتخزين تقع في بلدة حدودية داخل النمسا وهو ما يهدد مشروعا منافسا لمشروع خط الأنابيب الروسية.
تحول اليوم الصراع على ثروات النفط والغاز في شرق البحر المتوسط إلى مادة ملتهبة بين تركيا من جانب وكل من اليونان وجمهورية قبرص من الجانب الآخر إذ تجاهلت تركيا في طريقها للتوسع السياسي للوصول إلى الشواطئ الليبية، وصولا إلى الصراع بين تركيا ومصر الدولتين الكبيرتين في منطقة شرق المتوسط ، وتود تركيا أن تكون نقطة عبور مهمة لنفط وغاز روسيا ودول بحر قزوين إلى أوربا إلا أنها تفتقد الاحتياطيات البترولية وهي بحاجة إلى زيادة وارداتها السنوية البترولية نظرا لضخامة وتطور صناعاتها ولهذا انتهزت تركيا فرصة التنقيب عن النفط في شرق المتوسط للمشاركة في ثروات المنطقة.

دخول تركيا إلى الإقليم من البوابة الليبية سبب مباشر في تأجيج الصراع ودخول المنطقة مرحلة جديدة من الصراع على المستوى السياسي والعسكري معا ما دعا دول المنطقة إلى إنشاء منتدى دول غاز المتوسط مقره القاهرة ويضم مصر واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن وفلسطين وإسرائيل فيما استبعدت منه تركيا لحسابات سياسية واستراتيجية جعل تركيا تضطرب خصوصا بعدما قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركي احتياطيات الغاز الكامنة في شرق المتوسط ما بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعبة وتلجأ إلى البحث عن أساليب التدخل في ليبيا المنقسمة منذ 2011 خصوصا وأن لها مليشيات إخوانية تدعمها عبر تمويلها من قبل دولة قطر.
تدرك روسيا أن قانون الطاقة الأوربي ينص على عدم السماح بهيمنة مصدر واحد على صادرات الغاز إلى السوق الأوربي وامتثلت روسيا لهذا القرار في تقليص وخفض صادراتها من الغاز عبر أنبوب أوبال الأنبوب الثاني من سيل الشمال إذ خفضت الضخ من 107 ملايين متر مكعب من الغاز يوميا إلى ما لا يزيد على 36.8 مليون متر مكعب يوميا في 14 سبتمبر 2019 التي تمتلكها شركة غاز بروم رغم أن أوكرانيا مستعدة لمساعدة غاز بروم في نقل الكميات الضرورية من الغاز إلى أوربا عوضا عن أنبوب أوبال، خصوصا وأن سيل الشمال 2 إلى أوربا دون الحاجة إلى الشبكة الأوكرانية سينتهي مع بداية عام 2020 لذلك تسعى روسيا أن تكون شريك دول شرق البحر المتوسط في نقل الغاز إلى أوربا.
وفشلت جهود أمريكا في عرقلة مشروع نورد ستريم 2 عبر بحر البلطيق لنقل الغاز إلى ألمانيا متجنبا أوكرانيا الذي ينقل 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويا وتبلغ حصة عملاق الغاز الروسي غاز بروم في المشروع 50 في المائة وتملك الشركات الأوربية الخمس المشاركة في المشروع 10 في المائة كل على حدة ويسير الخط بمحاذاة خط أنابيب التيار الشمالي 1، بجانب اعتراض بولندا واعتراض دول البلطيق لإجبار أوربا على شراء الغاز الأميركي المسال والغاز الذي تستخرجه الولايات المتحدة بطريقة التصديع الهيدروليكي بأسعار مرتفعة بسبب المسافات الطويلة التي سيقطعها هذا الغاز.
وفي نفس الوقت تنفي روسيا استخدام سلطة الغاز كوسيلة للضغط واستغلال حاجة أوربا للغاز، وبشكل خاص انزعجت أميركا من تدشين روسيا الهيمنة على القطب الشمالي باستعراض القوة حيث احتياطيات الهيدروكربونية الضخمة تحت مسار هذا المحيط الجليدي قد تتسبب في قلب أسواق الطاقة فيما يشكل تزايد النشاط العسكري مثار اهتمام القوى العالمية ما جعل وزير خارجية أميركيا بومبيو ينتقد السلوك العدائي للصين وروسيا في القطب الشمالي، وأوضح أن الولايات المتحدة ستعزز وجودها في القطب الشمالي لكي يبقى التصرف العدائي للصين وروسيا في تلك المنطقة الغنية بالمواد تحت المراقبة، واعتبر بومبيو أن الصين ليست دولة قطبية وأعرب عن مخاوف البنتاغون حيال سعي الصين إلى تحقيق حضور أمني دائم لها في المنطقة القطبية عبر نشر غواصات لردع الهجمات النووية وأنه يجب مراقبة الأنشطة الصينية في المنطقة عن كثب، وأكد بومبيو أن نمط السلوك العدواني للصين يعلمنا كيف سنتعامل مع القطب الشمالي.
فأصبحت تركيا في مرمى الضغط المزدوج من جانب الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة اللذين يدرسان فرض عقوبات عليها بسبب أنشطة التنقيب غير الشرعية في شرق المتوسط والمضي في صفقة صواريخ إس 400 مع روسيا.
وبين روسيا وتركيا مصالح اقتصادية ضخمة جدا حيث افتتح الرئيسان التركي أردوغان وبوتين في 19/11/2018 تورك ستريم عبارة عن خطين رئيسيين لأنابيب نقل الغاز تصل طاقة كل منهما إلى 15.75 مليار متر مكعب الأول مخصص لتوريد الغاز لتركيا والثاني مخصص لتوريد الغاز إلى أوربا عبر الأراضي التركية ما يسمى بالسيل التركي الذي يعد من أهم المشاريع الاستراتيجية المشتركة بين موسكو وأنقرة ويطمح الرئيسان إلى وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 100 مليار دولار.
عبر البوابة الروسية وبتوقعات بشأن توقيع اتفقا في موسكو بين المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي وفائز السراج رئيس حكومة الوفاق لكن الأزمة الليبية دخلت مرحلة جديدة استباقا لمؤتمر دولي سيعقد في برلين لبحث حل الصراع القائم بين الطرفين الليبيين واستبق الجيش الوطني اتفاق موسكو المتوقع بنفي اعتزامه سحب قواته من طرابلس.
لكن وقع السراج على الوثيقة فيما حفتر طلب مهلة بسبب الخلاف حول الدور التركي الذي ترفض الدول العربية كافة من التدخل التركي في ليبيا وكانت تلك المباحثات استمرارا لمبادرة الرئيس الروسي بوتين ونظيره أردوغان لوقف إطلاق النار في ليبيا، وكانت النقطة الخلافية رفض مشاركة الجانب التركي في المحادثات أو أن تكون تركيا جزءا من مبادرة وقف إطلاق النار في ليبيا لأنها طرف في الصراع وتدعم المليشيات الإرهابية وترغب في نهب ثروات ليبيا ورفضت حكومة شرق ليبيا اقتراح تشكيل لجنة روسية تركية مشتركة لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

لا تعليقات

اترك رد