تشكيل الحكومة: قبل السقوط , بعده

 

قبل السقوط
يحقّ لك أن تفخر بكونك تونسيّا أنجز ثورة و”كتب دستورا على الجدران” كما صرّح بذلك رئيسنا السيّد قيس سعيّد في تالة. ويحقّ لك أن تفخر بتونسك التي وسع صدرها كلّ هذا الصّبر على شغب أبنائها الميامين وهم يفتّشون في محافظهم عن تشكيلة حكومية تناسب المرحلة الصّعبة لتي تمرّ بها البلاد. نعم يحقّ لنا أن نفخر بكون العالم كلّه ينظر إلينا بعين التقدير ويرانا المثال الوحيد لنجاح الربيع العربي والتجربة الوحيدة التي تولدت من رحمها ديمقراطيّة تسمح لسياسيينا بتضييع ربع العام وهم يبحثون عن حكومة لينقذوا بها ما تبقّى من البلاد ومن العام الصّعب.

من حقنا أن نفخر برجل صبور مثل السيّد الجملي ظلّ منذ ما يقارب الستة أسابيع وهو يستقبل التونسيين ويودّع دون أن يحقق التوافق المنشود ويستعيد التوازن المفقود الذي سيطلق صافرة البداية لعمل الحكومة . من حقنا أن نفخر بالسيّد الجملي الذي يعتصره النواب في هذه اللحظات ويمنعون عنه الإجازة ويوشكون أن يحرموه الولاية.

لكن من حقنا أن نفخر برئيس سينقذ الموقف في آخر الشوط الثاني من المهلة. ومن يقول إنّه يلعب في الوقت بدل الضايع فقد أخطأ الإجابة وأساء التقدير. نعم سيلعب السيّد الرئيس دوره الذي أناطه به الدستور الذي كتب على الورق وليس على الجدران . وسيعلن مبادرته التي تقتضي أن يعيّن الأستاذ قيس شخصيّة يكلفها بتشكيل حكومة “الرئيس” كما يصطلح عليها في سوق السياسة التونسية هذه الآيام.

ومن يدري كيف ستكون هذه الحكومة؟ فلعلّها ستصلح ما أفسدته “الضرورات” بعزل وزير داخليّة ناجح حقق نتائج باهرة في مقاومة الإرهاب وحيّد كثيرا من الإرهابيين كانوا يعدّون لكوارث كانت البلاد قاب قوسين منها أو أدنى. وعزل أيضا وزير الشؤون الاجتماعية الذي أنقذ الصندوق الوطني للتقاعد من الإفلاس المحقق. نعم من يدري فربّما أصلحت حكومة”الرئيس” ما أفسدته مقترحات السيّد الجملي. ولكن…

رئيسنا قيس سعيّد ليس بورقيبة ولا هو القذافي فحركته في القصر تبدو بطيئة .وقد يكون أقرب إلى السيّد المرزوقي الذي كان يعمل ضمن فريق له شروطه. وقد يبهرنا رئيسنا بآخر حكومة “السيستام” بمعنى أن تكون هذه الحكومة القيسية فاتحة جمهوريّة جديدة يكون لمستشاري الرئيس من ذوي التوجهات الإسلامية نصيب الأسد في تشكيلها.

لنا أن نملأ الرئتين بنسائم الدّيمقراطيّة والحريّة بعد أن تكون لنا حكومة إسلاميّة بتلوين رئاسيّ يُعدّ بها العدّة لديمقراطيّة قاعديّة ومحليّة على شاكلة المؤتمرات الشعبية واللجان التي كان يحكم بها القائد معمّر القذّافي. لكن هذا النفس الطويل قد يكون الأخير لأن اللعبة ستتغيّر حتما. نعم ستتغير اللعبة بدستور مكتوب على الجدران يشبه كثيرا دساتير كثير من البلدان التي لا تعتمد دساتير شفويّة غير مكتوبة.

هذه المرة يحقّ فعلا أن يفرح التونسيون لأنّ أشياء كثيرة ستتغيّر. وما لم تغيّره الانتخبات فإنّ “المبادرات” ستغيّره جذريّا. ولا شيء يمنع من أن تهبّ الملايين الثلاثة التي انتخبت الرئيس لتتظاهر في الشوارع تأييدا للسيّد قيس سعيّد ومن يحيط به وتشجيعا له على المضيّ قدما في حكومة رئاسيّة “ثورية” تجسّد حالة”الوعي” التي رأينا مقدماتها في أكتوبر الماضي بعد فوز سعيّد بمنصب الرئيس. وهل يمكن أن يحكم الدولة شعار”الشعب يريد” ؟

ولكنّ الأمر يظل معلّقا بمشيئة الله والبرلمان… نعم هنا عقدة المنشار: ففي البرلمان لا أحد يضمن أن تصوت الأحزاب لحكومة “الشعب يريد” حكومة الديمقراطية المجالسية المحلية والجهوية. ومن يضمن للدائرة المحيطة بالرئيس المحافظ أن توافق النّهضة على أعضاء حكومتها فينقلب السحر على السّاحر. ويصبح الهدف تحييد قصر قرطاج.

ومن قال أن الأحزاب ستترك الحرية للسيد قيس باختيار رئيس حكومته؟ وإلى أي حدّ سيفي هذا المكلف الجديد بمطالب الرئيس ؟ ومن قال أننا لن نكون على موعد مع تضييع140 مليار دينار أخرى ننفقها في انتخابات أخرى قد تذهب بالمتآكل من الطبقة السياسيّة؟؟؟

من حقنا أن تفخر فالعالم كله يتابعنا…إلى التصويت…

بعد السقوط
والآن بعد أن سقطت حكومة النّهضة التي تسمّى زورا حكومة الجملي من حقّنا نحن التونسيين أن نفخر بما أبداه الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النّهضة ورئيس مجلس النوّاب من قدرة على القيام بحركات بهلوانية لا يقدر عليها الشباب فما بالك ب”الشيّاب”. فلقد صحح الرجل بقفزة ثلاثيّة ما يتداوله النّاس من أنّ السّاقطة هي حكومة الإسلاميين وأوضح أن حركته لم تكن راضية عن الجملي … لكننا إن نفخر بهذا فإنه لا يجدر بنا أن ننسى أنّنا تواطأنا على ظلم الرّجل .ولكن … من حقنا أن نفخر بسياسيينا “الجمبازيين”

والآن بعد سقوط الحكومة المقترحة, هل سيشكّل السيّد الرئيس الحكومة فعلا؟ هل عنده حزام؟؟ (أقصد حزاما سياسيّا بالطبع) أم أنّه سيعود لتكليف شخصيّة نهضويّة جديدة تعيد الرّمي مرّة أخرى؟ ولكنّ النّهضة تبيّن أنها هي أيضا بلا حزام. فهل سيسقط البرلمان ذي الأحزمة المتعددة القصيرة؟ أم ستجبن الأحزمة في النهاية فتجتمع وقتيّا وتقبل بحكومة النهضة التي سيقترحها الرئيس؟؟

نعم من حقنا أن نفخر بأننا أصبحنا نسير على خطى لبنان…

لا تعليقات

اترك رد