تأمّلات في قصائد الشّاعر المصري عبد النّاصر الجوهري

 

فاتحة القول :
الشعرُ العربي سليمٌ و حاضرٌ ليس غائبًا عن السّاحة العربية ، ومنقول إلى لغات العالم ، يُعبّر عن هموم و مشاغل الإنسان العربي ، نلمسُ ذلك في آلاف الدواوين المنشورة ، و لا نرى داعي للخوف المبالغ فيه على وضع وحاضر الشعر العربي. فرغم هيمنة التقنية و الصّورة وتكنولوجيا الاتصال و حروب المال و نزاعات الامتلاك و الثروة و السّلطة ، استطاع الشعر العربي أن يُحافظ على موقعه ك{ ديوان العرب} ولم يقف مكتوف الأيدي تجاه الرّاهن ، و تفاعلَ وعبّرَ عن الحياة العربية و و ما فيها من هزّات سياسية واجتماعية وثقافية و اقتصادية و تربوية ، هزّات تركت وراءها أوجاعا دفينة ومرارة بشعة و اضطرابًا خارقا و أحوالا من التّيه والضّياع و التّشتّت و الغربة و الفقر وظواهر أخرى لم تغادر المدائن العربية لسنوات . فـَـ{الشعر يعبّر عن حاجتنا إلى كسر فظاظة الواقع وتليينه عبر هذه الحساسية الفاتنة التي نقارب بها الأشياء وتجعل الحياة والأرض متيسرة}لتنظر شوقي بزيع حوار في جريدة البيان الإماراتية2018/ يناير/ ولكن أليس الشّعر هيدغاريًا تأسيس بالكلمة و في الكلمة و أنّ ما يؤسسّه الشعراء يبقى ويدوم ؟

يخوض الشاعر العربي معركة تاريخية لمواجهة مساعي الحدّ من تَدَخُّلِ الشعر في تفكير القضايا المختلفة التي تنتجها حركية المجتمع و صيرورة الفاعلين ، و مختلف استراتيجيات المتخيّل و بنياته ، بنصوص شعرية تُساؤلُ و تعرّي و تحكي ، وتنقدُ و تتشوّف و تستبق وتتطلّع إلى أفق مغاير ، نصوص مختلفة و جريئة ، متفجّرة و مندفعة ، و مشاكسة تفتحُ آفاقا جمالية رحبة ، يستحيلُ معها الجمود و الخمول . آية ذلك مثلاً في ما نقرأه من نصوص شعرية و دواوين في مصر ، وهذا ما جعلنا ننعطفُ على تجربة الشّاعر عبد النّاصر الجوهري ، فما هي ملامح هذه التجربة ؟

موضع القصيدة موضع الدّيوان موضع الشّاعر :

قصيدة {هل عاد سرب اليمامات ؟} تتنزّل في الدّيوان الثامن الموسوم ب{ماذا الآن أسمّيك ؟} للشّاعرعبد النّاصر الجوهري ، والصّادر عن { سلسلة أدب الجماهير} سنة 2008 ، وهو ديوان يعجّ بسبع وعشرين قصيدة تمتدّ على مائة صفحة من الحجم المتوسط ، قصائد تتّخذ من التّفعيلة بُرْدًا ،و من الفلسفة لِسَانًا ، تخوض في التأمّلات ، تخترق القتامة و المُلْغَزَ، و تبحثُ عن تباشير الصّباح ، و توغلُ في عالم الشّاعر المختلف وخفايا الإنسان و الكون و شراسة التكنولوجيا و سلطة المال و كلّ أنواع التّبدّلات السّريعة و المُربكة . قصائد تحفر في الحزن و تنتصر لصمود الإنسان في وجه القُبحي العالمي ، فيتغنّى الشّاعر عبد النّاصر بشِعره ، و يصف انقلاب المبادئ و غرق الإنسان في التّشيؤ و الاغتراب ، إنّها الكآبة تعقبها بارقة أمل ، لعبة الكرّ والفرّ الممتعة . قصائد تسبحُ في الرومانطيقية العذبة و تستضيء بالفلسفة ، تذكّرنا بأبي القاسم الشابي و إيليا أبي ماضي و إلياس أبي شبكة و علي محمود طه . و لعلّ ما يبرّرُ ما ذهبنا إليه هو الاستفهام { ماذا أسمّيك الآن ؟ } الذي اتّخذه الشّاعرُ عنوانا للديوان و للقصيدة {هل عاد سرب اليمامات ؟ } ، فتوظيف جملة تبدأ بماذا؟ {ماذا : ما ـ ذا } أداة الاستفهام المركبّة ، وتعييّن الاستفهام عنوانا للمُنْجَزَيْنِ الشِعْرِيينِ ، اختيار واعٍ . أمّا عبد الناصر الجوهري ، فهو شاعرٌ مصري من مواليد 1970 بالدّقهلية إحدى محافظات دلتا مصر ، و كاتب مسرحي و صحفي و ناقد ، يتميّز بنشاطه الثقّافي الكثيف ، ومشاركاته اليومية في إثراء السّاحة الثقافية المصرية والعربية والعالمية ، بكتابات في شتّى أفانين القول ، كالقصائد و المؤلّفات المسرحية والدراسات النقدية و المحاضرات ، ويعود ذلك إلى ثقافة الشاعر المتينة ، و وعيه الحادّ بأهميّة فعل الثّقافة/الإبداع في بناء مجتمع راقٍ منفتح ، و متشبّع بقيم الفضيلة و الإنسانية و الأمل و الطّموح و التّعايش الحضاري السلمي، كلّ ذلك يبدو في نصوص هذا السّيد عبد النّاصر الجوهري، و آية ذلك أيضا الدّواوين التي أنتجها وهي :

1} الشجو يغتال الرّبيع1999 ، 2} حبّات من دموع القمر 2002، 3}لا عليك 2006، 4} المهرّج لا يستطيع الضحك 2006، 5} لمن تهدرين شجوني ؟ 2006، 6} مكلوم هدّهُ الشوق 2007، 7} ماذا أسميك الآن ؟ 2008 ، 8} في الواق واق / مسرحية 2009 ،{{ 10}على باب المليحة، 11}حديث البراءة 12}أعدك ألاّ أحبّك 13}برزخ يليق بالعشق 14}2016}} ، و15} قصيدة الفصحى في مصر 2015 عمل مشترك مع آخرين ، و 16} الفصحى قصيدة وطن 2019 مشترك مع آخرين ، 17} دعوى لم تُرفع بعد 2015 ، 18} موؤدة لا تجيد الصّراخ 2017 ، 19}سرخة لا تجف 2015 ، 20} من وريقات الحنين 2019 ، الدقهلية عروس الشعر 2000 مشترك مع آخرين .

حديث في العنوان :

يبدأ الشّاعر قصيدته بسؤالٍ { هل عاد سرب اليمامات ؟ } ، و العنوان سؤال ، و السّؤال سرّ الوجود ، حيرة تنتابه حول البدء الدّائم ف{اليمامات } تعني العمار و النشأة و الحياة و النّبض ، و توظيف فعل { عاد } يوحي بالشّوق إلى الحركة و الانطلاق و التّواصل و الاستمرار و التّشكّل ، و هذه سمة فلسفيّة تميّز عنوان النّص الشعري .

حديث في القصيدة :

الذَّين أتوْا بي إلى وَهْدةِ الأغنياتْ

لقنوني وصايا الحروفِ ..

أناخوا لِيّ الأمنياتْ

و الذين مضوْا فوق عظم القصيدةِ ..

لم ينظروا – تحت أقدامهمْ –

ليروْا زْهرةً نبتتْ بالرفاتْ

يبدأ الشّاعر القصيدة بالإخبار عن { الّذين أتوا بي إلى وهدة الأغنيات } الذين أنجبوه شاعرا و علّموه أبجديات الكتابة قد درّبوه على خفايا الحياة و معارج الذّات و على الحلم ، و يتحدّث عن قوم آخرين ظالمين / طغاة داسوا الشّعر و أهانوا بنيانه ، ولم يعلموا أنّ الشّعراء فلاسفة و حملة مشروع الإنسانية ألا وهو الأمل / الحلم . يفضح الشاعر التضّاد الموجود في الثقّافة العربية ، بين أنصار الشعر و أعدائه ، عشّاق التكنولوجيا و البراغماتية والمال و اليوميّ البشع المسلّع ، عشّاق السلطة و الديكتاتورية بتجلّياتها المقيتة و صُنّاع التنمّر و القُبح ، أولئك الذين لا يؤمنون بالأمل و الحياة تنبت من الرّماد ، و الفوز ينشأ من رحم الانكسار ، و رغم ذلك تنبتُ زهرة الشّاعر ، زهرة الأمل و البقاء و النّصر وسط العتمة و تنبثق من كفّ الرّفات ، تلك هي الحياة . وحده الشّاعر في آلامه و صديقه هو الشّعر ، القصيدة مشبعة بالإيحاءات تقدّ نفسها بنفسها في عالم الشاعر و تنطلق نحو مدارات أخرى حرّة طليقة ، تؤسس ثورة شعرية تسترفد الموروث و تجربة الشّاعر الحياتية وكثيرا من النّصوص المقدّسة و تجارب شعرية عديدة فنجد صوت أبي القاسم الشابي و محمود درويش و سميح القاسم و علي محمود طه و أصوات أخرى ، و نجد أثر ذلك أيضا في قصيدة { ماذا الآن أسمّيك ؟ } التي تحمل اسم الدّيوان و تنتمي إليه، يقول :

{ أبدلني الله .. / حدائق شعر ../ لا تعنيك ../ ألهمني / .. أن أختصر حروفك .. وأذيع أقاصيص الشوق .. /وأن أرويك / ألهمني قافية ../ قد فاقت رنة حاديك / ألهمني ../ إطنابا ، أخيلة ../ تنبت في واديك ../ ماذا الآن أسمّيك ؟ / } . و لكن { تظلُّ الصّورة هي عنصر العناصر في الشّعر ، و المحكّ الأوّل الذي تُعرف به جودة الشّاعر ، وعُمقه ، وأصالته }1*لتنظر:الأسلوبية، بيير جيرو ترجمة منذر عيّاش،دار الحاسوب للطباعة ، ط2 حلب1994 . فالشّاعر عبد الناصر جوهري يقدّم لنا باقة من الصّور الشعرية يحاكي فيها مجالات متعدّدة متّصلة بتجارب و مواقف في الحياة ، و هو في كلّ الأحوال يلوذ بالقصيدة حصنا إذا تنكّب عن الإنسان العربي الواقعُ المعيش ، و صديقًا إذا اشتدّت غربة هذا الإنسان العربي المُرهق بالمعاناة و الشدائد ، وكأنّ لسان حاله يناجي العليّ القدير بمنفرجة الغزالي قائلاً:{ الشدّة أودت بالمُهج / ياربّي فعجّل بالفرج }، إنّه الضّيق و التّضييق يملأ المدائن العربية التي تَكفرُ بخطاب الشعر ، فَــ{ الأديب ليس شكلًا تعبيريًّا فقط، ولكنّه انطلاقًا من ذلك، أفكار ومضامين ورسالة إنسانيّة، أو قوميّة، أو فنّيّة، وألوان تُتّخذ في مجابهة ألوان من السلوك المعيّن أو الظروف المعيّنة، ثمّ هو أيضًا صادر عن نفس معيّنة ذات ثقافة خاصّة، وظروف تتعدّد من لحظة إلى أخرى }2*لتنظر: الصّورة الشعريّة، وجهات نظر عربيّة وغربيّة، ساسين عسّاف، دار مارون عبّود، بيروت، ط1، 1985م .

و يختلف المقام فيتغيّر المقال ، ويواصل الشّاعرُ توجيه فعل الأمر { اسقني }و يكرّرهُ ثمانيَ عشرة مرّة في قصيدة { هل عاد سرب اليمامات ؟} فهوــــــ {يأمر + يطلبُ + يتوسّلُ} تتمازجُ الأفعال والأحوال و تتفكّك في حركة عجيبة لا تهدأ :

1 { واسقني دفء ليلى }

2{اسقني الأسارير }

3{اسقني ، ريثما لحقت نفس أحصنة للمجاز }

4{اسقني لا دعتني اللحون لأعراسها ذات يوم }

5{اسقني ، للقريحة .. ما للبلاد من العيش }

6{اسقني ، أترك الآن خلفي خروجا }

7{اسقني ، أيّها المستحيلُ .. }

8{اسقني و الهيام المبعثر.. و الحالمات }

9{اسقني و ابتسم لا تهيّج جرار المرارة .. ما فات / فات }

10{اسقني يا قريض }

11{اسقني و امزج الشعر }

12{ اسقني مرّة قبل أن يأتي الحلم ..}

13{اسقني واسق ..كلّ الصبابات }

14{اسقني و اسق طيف اللّواتي ..خطفن رؤايا لمتن الخرافات }

15{اسقني .. فالرّياح التي نبشت مُهج العتق .. قد أرعنت }

16{ اسقني ، قد تلملمني ضحكة الشّوارع }

17{اسقني علّها تستريح الكنايات }

18{اسقني ، هل يلوح على التّل مُزن القوافي ، وهل عاد سرب اليمامات ؟ }

و هذا التّكرار ظاهرة أسلوبية تملأ هذا النّص ، وَلَّـدَ إيحاءات متعدّدة و دلالات نفسية وانفعالية، و ساهم في بناء جرس موسيقي يرافق المقاطع و يلازمها و يختلط بعجينها ، و{جعل التّشكيل الموسيقي في مجمله خاضعا خضوعا مباشرا للحالة النّفسية أو الشّعورية الّتي يصدر عنها الشّاعر، فالقصيدة في هذا الاعتبار صورة موسيقية متكاملة، تتلاقى فيها الأنغام المختلفة وتفترق محدثة نوعا من الإيقاع الّذي يساعد على تنسيق المشاعر والأحاسيس المشتّتة} لتنظر: عز الدّين إسماعيل، الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنّية والمعنوية، دار العودة بيروت، ط2، 1972. ص 62 / . و ليس يخفى ما في القصيدة من عمق عاطفة في سياق مفعم بالأسى و التحذير والتنبيه و الحيرة و الحُرقة و الطّلب و التّوسّل . وقد وظّف الشّاعر تقنية التّكرار{ تكرار الكلمة / الفعل اسقني } ، ليؤكّدَ فكرةً تسيطرُ على شعوره و تشغل خياله ، وليُشكّلَ موقفه ويصوّرهُ ، في صُورٍ شعرية حمّالة أوجه تشي بواقع {الشاعر/ الإنسان} المشحون بالتساؤلات و المفارقات و الخفايا و المحفوف بالمكاره ، و ليؤثّر على قارئ النّص أيضًا . فــ{روح الشّاعر حرة لا تطمئن إلى القيد ولا تسكن إليه، حرّة كالطّائر في السّماء، والموجة في البحر والنّشيد الهائم في آفاق الفضاء، حرّة فسيحة } من كلمات الشّابي، لتنظر: محمد فتوح أحمد، الرّمز والرّمزية، ص 160 / .

صُوَرٌ ترسم ظمأ الإنسان العربي و انكساره و تفجّعه ، وتنقلهُ من القاع إلى السطح :{اسقني وابتسم لا تهيّج جرارالمرارة ..ما فات فات/ اسقني يا قريض/ اسقني ، قد تلملمني ضحكة الشّوارع }، أبدع عبد النّاصر في هذا النّص وغالب قارئه في إثارة الأسئلة و الحيرة أمام الجبهات المفتوحة، فالمرارة جرارٌ مخبوءة في الباطن مثلما تخبّأ المؤونة ، وهنا إشارة إلى خيبات الإنسان العربي المتتالية طيلة حقبات تاريخية متعاقبة و الآن أيضا ، فتحوّلت المرارة إلى خبز يومي في وطن كلّ العيون فيه موجّهة إلى التقنية و الإحصاء والأزرار و التّسليع و الجنيهات و العربات و الفيلات ، الكلّ في تفتّت ، لا أحد يلتفتُ إلى أحد ، ولا أحد يهتمّ بالشّاعر ولا بقوله ، ضاعت الثّقافة و تاهت الفنون ، و أُهْمِلَ الإبداعُ ، و تدهورت الأخلاق و اضمحلّت القيم. ويحاول العقل التكنولوجي أن يحذف الشّعر بإقصاء الشعراء و محاصرتهم في دائرة ضيّقة كي لا يساهموا بما يقدّمونه من إنتاج شعري يتضمّن النّقد و الخلق والإبداع ، في بناء حياة أفضل لا تموت فيها الآداب و الفنون و لا تبلوُ الذّائقة الشعرية ، و كان لهجمة هذا العقل التكنولوجي على الأوطان والشعوب الأثر البليغ في عقول وأنفس و حياة النّاس ، فاحتجبت المفاهيم و توارت القيم و تحوّل الوضع العام إلى العطالة و الرّكود و التّقهقر ، إنّها حال الفوضى تجتاح الإنسان و تحاول تحويله إلى شيء . و في النّصوص تُـوجد{ الشّرارة الأولى لزلزال أرضيّ مقبل، أو لزلزال في النّفس البشريّة، وبعض الأرواح التي يصيبها هذا الزّلزال إصابة حقيقيّة تستطيع أن تنقله إلى آلاف الأرواح الأخرى، والصّورة أداة لتحرير الوعي وتحرير الجماعات }لتنظر: في النقد التحليلي للقصيدة المعاصرة ،ص129 / .

وقد وظّف الشّاعر الصورة الشعرية في نقل حالاته الانفعالية وهو يخوض غمار تجاربه و يعيش مختلف الأحوال ، و نعتبرهُ نجح في ذلك بأسلوب فنّي ساحر يجمع بين المتعة واللّذة ، فهذه القصيدة نصّ ممتع وفق منظور رولان بارط ، تتغذّى من خيال رحب و خصب ، وحسّ شعري مرهف ، و وعي حادٌّ متوثّبٌ . فالشّاعر من ناحية أولى عبّر عن آلام الإنسان العربي و غربته ونفسه المعذّبة و عقله التّواق إلى الانعتاق و الحرية ، و عبّر عن الاضطراب الذي طرأ على حياته الفردية و على حياة المجتمع ، وتوالت الصّورُ تنقلُ الوقائع والأحداث وتكشفها ، و من ناحية ثانية عبّر عن مشاعر الشّاعر/المثقّف ، والتي استمرّت تتصارع في داخله ممّا جعله يطلب السقيا/ الماء / الأمل/ الشعر ، ليتواصل عطاؤه فهو لا يستطيع العيش إلاّ بالشعر أنزله منزلة ماء الحياة ، به يستطاب العيش ، و به تُفتحُ منافذ على الكون ، و به تُنسجُ الأحلام .

إنّها بلاغة التّصوير و حذق البوح و الحرفية الشعرية في أعذب اللوحات ، وكأنّ المقاطع تتلاحم لتشكّل مشهدا فسيفسائيا يحكي خفايا المفرد في صيغة الجمع ، وكأنّها سمفونية تتعدّد فيها إيقاعات الآلات و لكن الصّوت واحد ، ينبعث منها نشيد كوني تختلف فيه الألوان و الأصوات ولكن الّلحن واحد ، إنّه لحن الحياة ، يرسم الشّاعر عبد الناصر بالكلمات لوحات فنيّة و نغمات و أناشيد ، تتغنّى بالحياة و الشعر ، فالحياة بيت والشعر نايٌ و يقول { اسقني يا قريضُ ، اسقني ، قد تلملمني ضحكة الشّوارع .. اسقني علّها تستريح الكنايات} ، وتنتشر الصور الشعرية في قصائد الدّيوان ، و من أروع تلك الصّور ما وجدناه في قصيدة { ما جدوى النوم ؟} ، وجمع الشّاعر في هذا العنوان السّبب الرئيس في ما لحق {الوطن/الشّعب / الأمّة} ، من وَهَنٍ و تخلّف ، إنّه النّوم = الغفلة= الضياع =التّيه = الأميّة ، وأحسن الشاعر توظيف ظاهرة المشي أثناء النّوم المحفوفة بالمخاطر، والتي يعاني منها الأطفال في عمر من {3 إلى 7 سنوات} ليعبّر عن معاناة وطنه ، فالأطفال الذين يمشون نِيامًا هو {الوطن/ الشعب} ، و أولياء هؤلاء {الأطفال = الوطن = الشعب} تجمّعوا داخل القصيدة كلّهم في شخص الشّاعر، فهو الذي يخشى عليهم السقوط والهلاك ، إنّه ضمير الأمّة و قلبها النّابض و الفيلسوف الذي يرصدُ الخفايا ، و كأنّ الشّاعر يشيرُ إلى دور الشّاعر التاريخي داخل القبيلة من قبلُ ، و داخل المجتمع الآن ، يقول :{ وطني/ يمشي أثناء النّوم / و تختلط لديه اليقظة بالغفلة .. بغطيط الأوجاع/ و رائحة الثوم/ وطني يتجول..دوما في عزلته/إنّي أعرفه / يغرقُ في بحر العولمة/ و يخشى العوم / وطني.. ماجدوى الهذيان ؟/ وكيف يقايض طير الصحو../بأسوار الغيم ؟ / أخشى يوما أن يسقط من فوق سياج الشرفة/ ماذا سنقول إذا سألتنا الأرض الثرثارة / أو قتلتنا صرخات اليمّ / وطني / استيقظ يا وطني / الهرب من العتق / أضاع بقايا الحلم }. وتلاحقت الأفعال في الزّمن المضارع ليبيّن الشّاعر أنّ الخطر مازال قائما و محدقا بالوطن/ الشعب ، خطر انغماس الشعب في الغفلة و التّيه و الخبز و الطّحين و لقمة العيش و الأنترنيت و العولمة و الآلام والأحلام و العزلة و الغربة و متاهات العشق و الجسد ، إنّه وطن { يغرقُ في بحر العولمة .. و يخشى العوم } ، فالعقل التلفزي / التكنولوجي / العلمي ـ بلغة جاك دريدا ـ هو الذي يسيطر على الحضارة الحديثة و يحاصرُ الوطن ، فالعولمة الكاسحة التي يشهدها الوطن حوّلت الإنسان إلى عبدٍ مشيّئٍ عاجزٍ تابعٍ يغطّ في النّوم و يمشي وهو نائمٌ من أثر الوهم ، وطن يخشى الإقدام و المبادرة من أجل تغيير الواقع الشخصي و الجماعي و الكوني ، وتلك هي نكبة العرب ، لا قدرة لهم على الفعل في مجريات الأمور التي يعيشها العالم ، هاهو الشّاعرُ يصرخُ:

{ أخشى يوما أن يسقط من فوق سياج الشرفة}

وقد صرخ من قبله الشّاعر أبو القاسم الشّابي في قصيدة إرادة الحياة يخاطبُ شعبه / وطنه :

{ وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ * يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر}

و يقول الشّاعر عبد النّاصر الجوهري:

{ ماذا سنقول إذا سألتنا الأرض الثرثارة / أو قتلتنا صرخات اليمّ }

وقال الشّاعر أبو القاسم الشّابي :

{ وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ – لَمَّا سَأَلْتُ : ” أَيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟”

“أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر

وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر}

إنّهم في موضع التّوابع فتلحقهم الزّوابع ، بسبب التّخلف و النأي عن الكتاب و الثقافة ، الثقافة التي تصنعُ الفكر الخلاّق و تكرّس أسباب الحرية مكتملة ، أمّة غارقة في العولمة و التّسويف والتّأجيل و المعارك الكلامية و نزاعات الإرث و تعدّد الزوجات و البطالة و الفقر ، ويعلو صوت الشّاعر فوق هذه الغيوم ، صوت النّبي المجهول ينبّه وطنّه و يحذّره من شرّ الرّقاد و الخمول،و يقول عبد النّاصر الجوهري:

{وطني/ استيقظ يا وطني / الهرب من العتق / أضاع بقايا الحلم }

الهربُ من الحريّة أضاع تحقيق حلم الحريّة ، فالأشياء موصولة ببعضها ، فلا يتحقق حاضر الإنسان العربي إلاّ بماضيه التّليد ، يستلهم منه العبر و يطوّره ليرتقي و يبني حاضرا متينا يقدر على مجابهة تحدّيات القرن الواحد والعشرين . ونختمُ بالسّؤال / العنوان { ما جدوى النّوم ؟ } فيجيبنا الشّاعر أبو القاسم الشّابي في قصيدته الموسومة بـ{ يا ابن أمّي}:

أَتَــخْـشَى نَشِيدَ السَّـــــــمَاءِ الْــجَمِيلَ؟

أتَرْهَـبُ نُورَ الْـــــــفَـضَا فِي ضُــحَاهْ؟

ألاَ انْهَضْ وَسِــرْ فِـي سَبِيلِ الْـحَـيَاةِ ..

فَــــمَنْ نَـــامَ لَــمْ تَنْــتَـــظِــرْهُ الْـحَــيَــــاهْ

وَلاَ تَــــخــْـــــــشَ مِــــمَّــا وَرَاءَ الـتِّــــــــــــلاَعِ ..

فَمَا ثَــــمَّ إلاَّ الــــضُّـحَى فِي صِــــبَاهْ

وجماع الكلام أنّ نصّ الشّاعر عبد النّاصر جوهري ، نصُّ ملتفٌّ حول ذاته ، و من النّص ينطلقُ النّظر المستجدُّ إلى الدّاخل /الشّاعر و إلى الخارج / الوطن / المتخيّل الشعبي / الحياة / المدينة / الكون ، متواصلين متداخلين ، وبين الهُنا و الهُناك بنشوة الكتابة تتشكّل قصص و حكايات ، و إذا أنعمنا النّظر في كلّ نصّ نلفي العشق الأبدي للشعر، عشقٌ بمثابة الصوتيم يكتنز بدلالات و حمّال لمعان ضمنية عميقة ، وممّا زاد أشعار عبد النّاصر جوهري حُسنًا أن كانت الابتداءات هنَّ دلائل البيان : فـعنوان الدّيوان {ماجدوى النّوم ؟ } هو نفسه عنوان قصيدة فيه ، فيكون الديوان قصيدة والقصيدة ديوان ، وداخل هذه الثنائية تحلّ قصيدة: {هل عاد سرب اليمامات ؟ } .

لا تعليقات

اترك رد