إوعى لمخك هيتسرق !

 

من أعظم روايات العصر الحديث التي تلقي الضوء على دقائق عالمنا الحالي هي رواية “مزرعة الحيوانات” Animal Farm لكاتبها العبقري جورج أورويل George Orwell، والتي ظهرت في عام 1945. ومن أهم الأفكار التي تناقشها تلك الرواية أن ما قد يبدو للعيان أبيض هو في حقيقة الأمر أسود، أو بمعنى آخر قد يبدو لنا أمراً أو شيئاً طاهراً بريئاً – أو قد يشاع أنه كذلك – لكنه في حقيقة الأمر خبيثاً، يطوي في ثناياه دمار مقنع. ولقد عاصرنا جميعاً أشياء من هذا القبيل على المستوى الشخصي، ولكن عندما تكون على صعيد دولي يصير الوضع مدمراً. فكلنا نعلم أنه قد أشيع قديماً أن الشرطة في خدمة الشعب، ولكننا أصبنا بصدمة عندما وجدنا أنفسنا في عصور تالية ضحايا للدول البوليسية، أي كنا نعيش في خرافة. أما الصدمة الأكبر، تلاشي خرافة “العلم في خدمة البشرية”، لأن العلوم صارت تدمر البشرية، مع الفارق أن ذلك يتم بطريقة ممنهجة خالية من أي رحمة أو شفقة؛ لأنها تجرى تحت مشرط جراح قاسي لا قلب له ولا ضمير، يسمى بالعلوم المتقدمة. وعند ذكر الآثار المناوئة للعلوم الحديثة، قد يتبادر للذهن اختراع الأسلحة، والقنبلة الذرية التي تم قذفها على هيروشيما ونجازاكي، أشياء من هذا القبيل. لكن العلوم التي صنعت الأسلحة المدمرة، أو حتى أسلحة الدمار الشامل تعد “رحيمة” حينما يتم استحداث علوم يكون المستهدف تدميره الإنسان نفسه. فعند تدميرالعنصر البشري داخلياً، لن يكون هناك آية حاجة لأسلحة تدميرية؛ فلن يكون لها أي جدوى حقيقية؛ لأن البشر سوف يصيرون لا حول لهم ولا قوة؛ مجرد قطع بشرية متراصة لا قيمة لها، مثل أي قطعة جماد، يمكن وضعها وتوظيفها في آية صيغة حسب رغبة المالك.

وعندما شاهدنا قديماً أفلام مثل السعدان الإثنى عشر 12 Monkeys(1995)، ونظرية المؤامرة Conspiracy Theory (1995)، وإجراءات شاذة Extreme Measures (1996)، ومؤخراً سلسلة أفلام “بورن Bourne” كان أولها فيلم هوية بورن The Bourne Identity (2002)، وغيرها من الأفلام التي تدور في هذا السياق، كنا نحسب أنها أفلام تنتمي لفئة الخيال العلمي؛ لأنه لا يوجد شئ يسمى السيطرة على العقل لدرجة أنه يمكن محو ذاكرة فرد بصورة كاملة ليصير تابع خانع ينفذ أوامر أطراف تتحكم في عقلة عن بعد، حتى ولو بعد غياب أو موت الرقيب عليه، لأنه يوجد دوماً مفتاح لأي فرد مبرمج عقله يمكن من خلاله تقفي آثار الشخص المبرمج بكل سهولة، حتى ولو اختبأ لسنوات طويلة. ولكم كانت الصدمة عظيمة الوقع عند علمنا أن تلك الأفلام مستمدة من الواقع – حتى وإن تدخل فيها خيال المؤلف – لأن الفكرة التي تم بناء الأحداث عليها هي أحداث حقيقية مستمدة من وثائق معتمدة. وأما الصدمة الكبرى هي معرفة أن الواقع أشد قسوة مما تصوره الأفلام.

فلقد كان أول ظهور لهذه السلسلة من الأفلام ذات الموضوعات الغريبة في عام 1995، وهو نفس العام الذي تم فيه الافصاح عن مشروع إم كيه ألترا MKUltra الذي يستهدف التحكم بالعقل البشري ، وهو مشروع تابع لوكالة الاستخبارات الأمريكية US Central Intelligence Agency، وتم تنظيم المشروع من خلال مكتب الاستخبارات العلمية التابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية Office of Scientific Intelligence of the CIA، بالتنسيق مع مع مختبرات الحرب البيولوجية التابعة للجيش الأمريكي United States Army Biological Warfare Laboratories. ويستهدف المشروع السيطرة على العقل البشري من خلال عمل تجارب نفسية وحسية على البشر، ولم يتوقف الأمر إلى هذا الحد بل أنه تم تجريب عقاقير مخدرة غاية في الخطورة على العناصر البشرية محل التجربة من أجل تطوير الطرق المستخدمة في الاستجوابات من خلال تحديد وتطوير العقاقير والإجراءات الواجب استخدامها من أجل إضعاف الفرد، وإجباره على الاعتراف الكامل من خلال السيطرة على عقله. ولقد كانت تستحدث هذه الطرق إبان الحرب الباردة لتكوين شبكة قوية من رجال الاستخبارات، وكذلك أيضاً لإجبار الجواسيس الروس على الاعتراف، لمعرفة كل ما لديهم من معلومات. وبالتأكيد، كان يتم ذلك بطرق غير قانونية، وبدون موافقة العناصر البشرية محل للتجربة. فلقد كانت العناصر البشرية المستخدمة في المشروع تنتمي لفئات المساجين، والمرضى النفسيين، ومدمني المخدرات، والعاملين في البغاء؛ أي كما يقول أحد الضباط المشروع: “جميعهم أفراد ينتمون لفئات لا تقوى على إثبات حقوقها.” ولقد استخدم المشروع أساليب عدة لتغيير الحالة الذهنية ، ووظائف المخ للأفراد محل التجربة، من خلال تناول أدوية خاطئة بجرعات عالية. وكذلك تناول عقاقير تؤثر على الحالة النفسية، وخاصة عقار إل إس دي LSD — الذي انتشر في الأسواق فيما بعد بين فئات مدمني المخدرات على أنه واحداً من أشد عقارات الهلوسة. أضف إلى ذلك، كان يتم حقنهم بمواد كيماوية أخرى، وتعريضهم للصدمات الكهربائية، والتنويم المغناطيسي، والعزلة، والاعتداءات اللفظية والجنسية. ووصل الأمر أيضاً لحرمانهم من الحواس، من خلال منعهم من الإبصارأو السمع لفترات طويلة. وتعريضهم لوسائل تعذيب أخرى ، ووخضوعهم لتأثيرمخدرات مستحدثة. ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل تم تجريب هذه الوسائل في طورها الأخير على متطوعين من أفراد الجيش في محاولة لتطوير “مصل الحقيقة” في شكله الأمثل، استعداداً لتجريبه على سياسيين كبار مثل فيدل كاسترو Fidel Castro. وتمت التجارب تحت شفرات تختص بالتجارب المتعلقة بالمخدرات وهي مشروع الطائر الأزرق Bluebird ومشروع الخرشوف Artichoke اللذان عند افتضاحهما وجدت آلالف المستندات لممارسات غير قانونية، وعقارات مجرمة.

ويلاحظ أن تمت الموافقة على المشروع بشكل رسمي عام 1953، و خفض نطاق إجرائه عام 1964، إلى أن صدرت الأوامر بتقليص التنفيذ عام 1967. وأخيراً، صدرت الأوامر بإيقاف التجارب بعد أن اشتم خبرها الكثيرين عام 1973. فما كان من مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA في ذلك الوقت والذي يدعى ريتشارد هيلمز Richard Helms إلا أن أمر بإتلاف أغلب سجلات مشروع إم كيه أولترا MK Ultra، فصار من الصعب على المحققين فهم أكثر من 150 مشروعاً بحثياً تم تمويله برعاية برنامج إم كيه أولترا MK Ultra، وبرامج أخرى من الاستخبارات المركزية وثيقة الصلة به. وفي عام 1975، تم افتضاح المشروع في الكونجرس الأمريكي. واستمرت التحقيقات ومحاولة فهم المشروع، إلى أن قام مكتب المحاسبة العامة بالولايات المتحدة US General Accounting Office باستصدار تقريراً في 28 سبتمبر 1994 يذكر فيه قيام وزارة الدفاع وغيرها من أجهزة الأمن القومي بوضع آلاف من البشر تحت اختبارات وتجارب متعلقة بمواد خطرة بين عامي 1940 و1974.

وعلى هذا، في السنة التالية تم انتاج الأفلام السالفة للذكر لتدوين أحداث تاريخية حقيقية. وبالطبع، لو كان هذا المشروع تم افتتضاحه في الولايات المتحدة، فهناك آلاف المشروعات المشابهة ليس في الولايات المتحدة فقط، بل في أماكن أخرى من العالم تجرى في طي من الكتمان والحرفية على عناصر بشرية عشوائية بشكل غير مباشر، ومن خلال استحداث أنواع أخرى من البرمجة العقلية، والمخدرات التي صار تناولها علناً دليلاً على التحضر والجاذبية. قديماً قالوا “العقل زينة” إجلالاً لدوره، وحالياً صار قطعة زينة لا قيمة لها.

لا تعليقات

اترك رد