سلطنة عمان ميزان ثقل نادر في العلاقات الدولية

 

رحل السلطان قابوس بن سعيد، تاركا وراءه شعبا موحدا، لم يزج به في صراعات عرقية أو طائفية، ولم ينخرط في اصطفافات سياسية أو عقائدية، التقى في نظام مدني، سلطاني، ليس بعيدا عن نظم دولة معاصرة، انفتحت على العالم دون عقد، وابتعدت عن دائرة الحروب الإقليمية والدولية، والمناكفات التي تفسد العلاقات الثنائية.

احتفظت سلطنة عُمان بثقل نادر في ميزان العلاقات الدولية، جعل العاصمة مسقط أشبه بمنتدى للقاء الفرقاء والمتخاصمين، فهي التي تنتهج دون غيرها سياسة عرفت بها : “صديق الجميع” .

ضمنت استقرارا اقتصاديا رغم قلة الموارد القومية، وانحسار الثروات المعدنية، وحققت معدلا تناسبيا للقدرة الشرائية، ألغت شرائح الفقر، وارتقت بالطبقة المتوسطة، معززة قدراتها الإنتاجية في بناء مجتمعي متكامل.

كانت سلطنة عُمان في عقود الخمسينات والستينات من أفقر دول الشرق الأوسط، تعاني من التراجع في مختلف المجالات، الاجتماعية والاقتصادية، في ظل غياب سياسات الإصلاح والتقدم.

3 مدارس فقط في عموم سلطنة عُمان ، في تلك العقود البائدة، يحشر فيها العمانيون أبناءهم، ونسبة المجتمع الأمي وصلت إلى 66 بالمائة، ووضع صحي مترد، والفقر والحرب الأهلية تضرب الهياكل والبنى الهشة .

واقع مأساوي مرير فرض ضرورة التغيير، جاء بالسلطان قابوس بن سعيد، عام 1970 منطلقا في خطة إصلاح حضارية واسعة، على الصعد الاقتصادية والتعليمية والتربوية والصحية والأمنية والسياسية، وارتفع على الفور الناتج المحلي من 256 مليون دولار عام 1970 إلى أكثر من 80 مليار دولار.

ثورة ظفار كانت قائمة عام 1970، استنفذت الاقتصاد والقدرات العسكرية المحدودة، تمكن السلطان قابوس فور تسلمه مقاليد السلطنة، من احتواء مخاطر هذه الثورة قبل إخماد نيرانها نهائيا، والتوجه نحو بناء سلام اجتماعي كان مفقودا.

قيادة سلطنة عُمان الجديدة، جاءت بنهج جديد، يدرك قدراتها في محيط جغرافي غير مستقر، تحول إلى ساحة صراع إقليمي دولي أرتقي في ظروف ما إلى حروب مدمرة، نأت عن مخاطرها، ولم تكن طرفا في مواجهاتها، رافضة الإنخراط لصالح أي طرف كان.

أزمة العلاقات التي ضربت دول مجلس التعاون الخليجي، كانت سلطنة عُمان بعيدة كل البعد عن تداعياتها، مدركة مساوئها على أمن الخليج العربي، محتفظة بنفس المسافة مع جميع الدول المتناحرة، بعلاقات ثنائية متكافئة.

وقفت على الحياد في الصراع الإيراني – السعودي الراهن، متمسكة بنهجها السياسي المتوازن، لضمان أمنها السياسي – الإجتماعي، بعيدا عن رهانات خاسرة، لا تريد أن تدفع لها ثمنا مجانيا، في الوقت الذي حرصت فيه على جذب الأطراف المتصارعة في اليمن إلى طاولة المفاوضات الكفيلة بوضع حد لحرب أهلية مدمرة أخذت بعدا إقليميا.

سياسات متوازنة على مدى 50 عاما من حكم السلطان قابوس، أبقت سلطنة عُمان بلدا آمنا مستقرا، لن تحيد عنها في ظل سلطان جديد، يدرك قيمة الثوابت التي أرسى دعائمها السلطان الراحل قابوس بن سعيد.

لا تعليقات

اترك رد