سناء بلول تمسك بالأثر و بنقاط الإستدلال

 

“ تجربتي الفنية دخلت مرحلة النضج و اصبحت لمسة ريشتي أكثر حساسية و وضوحا لكن مازال التجريب هو الهاجس الاكبر الذي اسعى من خلاله لاكتشافات فنية جديدة و كأنني في بداية الطريق و أرسم لأول مرة مع كل لوح ةجديدة ”. هذا ما قالته سناء بلول مرة ، من ذلك ندرك إلى أي مدى هي تنتمي ، و إلى أي مرج، فهي تقود أحاسيسها بالشكل الذي تبتسم لها ، و تصافح الحالة بأنفاس ليست ثقيلة عليها ، فالتي تقر بأنها مع كل عمل جديد لها و كأنها ترسم للمرة الأولى رغم خزائنها المدججة بخطوات غاصة في الشارع التشكيلي فهي بكل تأكيد لا تباغتنا بذلك بل ربما تباغت هؤلاء الذين يجترون لوحة لهم من بدء تكوينهم الذي هي نهاية تكوينهم أيضاً

فهي لا تدع أعمالها أن تتمتم برياح تهب من حقول لا تثمر ، بل تتركها على سجيتها ، تتحدث و تتنفس بالشكل الذي تشاء ، و بالتالي التي ستثمر كما تشاء ، فهي تقبض على ما تتحرى عنه بإندفاع تجعلها تجري في الشطآن أولاً ثم تغور في الحياة بفهم إستثنائي تزين به طريقها ، تغور في الحياة الجديدة بمفردات جديدة ملؤها ألوان جديدة بحالات جديدة ، و كأنها مراسيم جديدة صكها ملهموا الحياة ذاتها دون فرض أي نوع من المراقبة ، فبلول و بوقار و ثقة تقترح حالة الطوارىء لأجواء عملها حتى تضبط مقاساتها بالشكل الذي بها ستحارب الأوبئة المعششة في المكان ، و لهذا لا نستغرب حين نجد الإهتمام الزائد لسناء بلول بالمرأة و قضاياها الكثيرة ، و تكاد تكون الثيمة الأهم التي تشتغل عليها ، و ترافع عنها و لها ، حتى أنها قد تسن قوانين فنية خاصة بها ، كربط المضمون ببعض الآراء و بما تحتاجه من ألوان مع إستشراف الممكن و المحتمل من صياغات تسهم في إحياء منجزها و تطويره بما يرتقى إلى مستوى الوعي الناهض المأخوذ بأسئلة لا تعجز في فتح مجرى قريب أو بعيد في دوائر توجهها الإبداعي بما يعزز الثيمة التي أشرنا إليها ( المرأة ) ، الثيمة المسكونة بمنجزها و بفكرها على نحو مغاير ، على نحو تلتقط محنها بالشكل الذي يحميها من خطر التلاشي دون أي تشبث بالقديم و تصدعاته ، فهي تقتفي أثر روحها أولاً ، و تستلهم من ذلك ذاتها المتمسكة بعدم إقصائها تحت أي فكرة محافظة تمضي بها من نكوص إلى آخر

فبلول و بذكاء حاد تحاصر كل السجالات التاريخية التي قد تشل حركتها لتؤسس نمطاً جديداً من التعبير تغذي فكرتها و بالتالي منجزها ، كاسرة بذلك قداسة الماضوية في عمق دورانها حتى تتمكن من الشروع بالفعل الجمالي وفق طرائق جديدة تعلنها بالمضي نحو إحياء أسئلة جديدة ،فكان من الطبيعي أن تجد لطريقها إيقاعها الخاص المؤسس على أطروحات و مقررات تعبيرية بستارات جديدة لا إبهام فيها و لا إلغاء ، فعملاً بالبحث المتصل بوقار عملها فهي تعلن حالة طوارىء فيها فتقترح مفردات خاصة تساعد ثيمتها على الضبط وفق مقاسات ترسمها هي في مخيلتها الخاصة ، فخاطبتها بلغة تتقنها كل وجوه نسائها ، اللواتي بدورهن يسردن لها و لمتلقيها فرحهن و وجعهن ، حلمهن وإخفاقاتهن ، يسردن طيبتهن و أهوائهن و تلك الحياة التي في رحابها يتقاطع الواقعي مع الخيالي .

فسناء بلول تتعامل مع منجزها بالتركيز على جدل مفترض يقرب أحدهما من الآخر ، بل يذيب أحدهما في الآخر ، و لهذا منجزها تنبض بها و بأحاسيسها ، كما هي تنبض بمنجزها و أحاسيسه و نبضه ، فلا يغيب أحدهما عن الآخر ، و هنا قد يكمن سبب إنشغالها بالمرأة وحكايتها ، الحكاية التي لا تنتهي ، و التي هي حكايتها ، بل هي حكاية الحياة ذاتها ، ففيها تختصر مقولاتها بمداراتها المجازية ، و ما وجود العصفور أو الحمام في هذه الحكاية إلا إشارة على كون منجزها هو قهر للظلام ، و بأن الحيرة المرسومة على أرواحهن ستتبدد ، و بأن الحس الذي يسبق اللفظ يحقق أغلب ما يدور في خلدها ، و المعاني ستلح على الحضور بجريان غزير إلى جانب تمثلها بما يفضي إلى فطنتها في رحاب تحركها علها تحيط منجزها بشيء من مداركها بمنظور مفتوح على رؤية طافحة بإستعاراتها و بمقاييس لغتها و هي تقترب من لحظة التجلي و طرائق إنتظامه

و يكفي أنها تستحضر مدارات من عالم كاد أن يتحول إلى إستنساخات مجازية وفق إستيهامات شاعرية تلزمها بعدم الإنجرار لمهمة نفعية تصور ما يحتاجه الناس من تفاهمات مع الأشياء .

تفيض أعمال سناء بلول بوجوه ذي مفعولات إنسانية لا تكف عن الحديث عن ذاتها ، و لا تتأطر في تعميم معين و إن صيغت بتقنيات خاصة تجمعها جميعاً ، و من أجل تقريبها للمتلقي كان لا بد لها أن تنفتح على زمن ولود و متحرر من المسبقات ، كان لا بد لها أن تتجاوز التعاقدات غير الجمالية

فيكون منجزها فاعلاً و مواكباً لصدى وقوعه و يسمح له من الإقتران بلحظات تشكله التي هي لحظة إنفتاحها على المكاشفات ذاتها ، و هنا ينهض رموزها لتبدأ بالكلام و بالمواجهة ، هنا تنهض وجوهها بتعابيرها المختلفة ( الخجل ، الحيرة ، التفاؤل ، الفرح ، الشموخ ، الحب ، الغضب ، الإنتظار… إلخ ) دون أي تغافل من تحولات الراهن و ظلها عليها ، فثمة حرص على إرجاعها إلى مرجعها في الواقع و من ثم تبدأ بالشروع في إلحاقها بفضائها دون أن تلغي المسافات بين عناصرها و ما تنبض فيها من تجليات تعلن عن نفسها و حالتها بالشكل الذي تلون رؤى المتلقي و تجعله يتلقفها بإحساس هو أقرب إلى الإحساس الذي بذل في إنجازه و زرعه ، أقصد زراعة ذات الإحساس بالمنجز ، و هذا يقتضي ضمن ما يقتضيه الإمساك بالأثر و بنقاط الإستدلال و سط حالة من إمتزاج الحابل بالنابل الذي تعيشه الحياة التشكيلية .

لا تعليقات

اترك رد