يحدث أحيانا

 

كنت أقرأ من فكرة عن ” الأضاحي ” في كتب التاريخ ولدى الأديان المختلفة وقد صعقني أن بعض الحضارات القديمة كانت تقدم أحد مواطنيها سنويا قربانا لآلهة الشمس أو النار أو أي إله آخر تعبده . تسمرت في مكاني أرقب الصور واتفحصها وقد راودتني بعض الشكوك حول مل يجري إذ أنني لم أفهم ما أراه أمامي . شيء يجمد الدم في العروق ويشل عصب الرؤية في العين وتخيلت تفسي قربانا يقدم للآلهة يقودني رجال الدين عبر الأبواب والأدراج في معبد للآلهة ليذبحني أحدهم والأخرون يبتهلون لله بسعادة غامرة ويشاهدون ما يجري أمامهم بدم بارد.
فكرت في الإرث الذي سنتركه للأجيال القادمة من علماء أثار وأجناس بشرية ليتموا أبحاثهم ويستكشفون الحقبة الحالية من تاريخ سورية بعد أن تنتهي الحضارات وتتعاقب ونتحول نحن والحضارات الحالية إلى تراث عالمي ويدرسنا العلم كما ندرس نحن حضارة الإغريق والمايا والأزتك . ماذا سيحدث لو وقعت في يد علماء الأجناس والآثار لو وقعت في أيديهم أشرطة وخطابات الموت التي حدثت في سورية خلال الفترة الواقعة بين عامي 2011 و2018؟

لابد أنهم سيظنون أن شعب شرق المتوسط كان يعبد ” آلهة الدم” وأن الإنسان كان يقدم أضحية مع قدوم الربيع وأن الربيع هو بداية العام وأنهم كانوا يلتمسون رضا الإله فيذبحون الناس على قارعة الطريق ويرمون الرجال والنساء من فوق الجسور والأبنية ويحرقونهم في أقفاص حديدية أو يقودونهم في الشوارع ويطعنهم كل من يصل إليهم في طقوس غريبة تقربا من آلهة الدم وبعد الانتهاء من هذه الطقوس يقطعونهم إربا . لن يصدق علماء الأجناس أن هناك جنسا من هؤلاء عاش حقبة من الزمن شرق المتوسط وستكون التفاصيل بالنسبة له أكثر رعبا .

الرجل المضرج بدمه الموجود في الصورة هو الشهيد نضال جنود ، مسكين من ريف بانياس يمتلك شاحنة صغيرة ينقل بها الخضار إلى بازار بانياس الزراعي خُطف الشهيد نضال جنود وعُذّبَ وجُرّ في شوارع بانياس وفي النهاية ذبحوه وقدموه أضحية لإله المتطرفين فقط لأنه ينتمي إلى أقلية تشكل أغلبية في منطقة بانياس ليفور الدم ويرتوي إله الدم المتطرف من دم شعب بريء من الأقليات وغير الأقليات .
قد يجد علماء الأنثربولوجيا هذا النص في إحدى الخزائن :
” سوف نفرمهم بالفرامة ونطعم لحمهم للكلاب الجائعة.”
النص للشيخ عدنان العرعور. ( متوفر بالصوت والصورة على يوتيوب)
سوف يرتبك علماء الأنثروبولوجيا عند قراءة النص وسوف يرسلوه للتحليل لدى علماء اللغة في ذلك العصر . نفرم ماذا؟ نفرم من ؟ ذنوبنا؟ لكن ليس للذنوب لحم . نفرم الشياطين ؟ ما الذي يقصده قائل هذه السطور؟ لا أحد يدري .
في ذلك الوقت لن نكون على قيد الحياة لنخبر العلماء عن قصد الشيخ العرعور لأنه يعني حرفيا ما يقول. كلامه ليس صورة بلاغية يتغنى بها الشعراء . يقصد الشيخ العرعور أنه سيفرم كل من لا يشاركه الرأي والمعتقد.
تمر هذه الأيام ذكرى استشهاد نضال جنود . لقد كان أولاده من طلائع الأيتام وزوجته من أوائل الأرامل في الحرب على بلدي سورية ومن بعده تم التضحية بمئات الآلاف من الشهداء الأبرياء قرابين لآلهة الدم . ونحن على ثقة تامة بأن أرواح قوافل الشهداء لن تستقر في سلام إلى أن يحل السلام في سورية .
يحدث أحيانا أن تمتلك قلبا لا يتناسب مع مكانه المخصص لأنه يحتاج مساحة أكبر…فصدرك قد لا يتسع له…لهذا السبب تجده يخفق بسرعة طوال الوقت ويرغب في التوقف بين الفينة والفينة.
يحدث أحيانا أنك تريد أن تبدل رئتيك لأنهما صغيرتان… وتحاول أن تستنشق كل الهواء من الجو لتحصل على ما يكفيك من الأوكسجين وتشعر أن التنفس صار أحسن من قبل…أفضل من الهواء الذي كان يصل دماغك وأوعيتك الدموية…
يحدث أحيانا أنك تريد أن تمتلك عينين أكبر حجما… لترى ما يكمن خلف المواد لترى أولئك الذين رحلوا…كل الذين تفتقدهم…عينان كبيرتان تستطيعان رؤية الحقيقة في عصر لا يهتم بالحقيقة وإنما يهتم فقط بلون دمك ومنشأ بندقيتك….
وترغب أحيانا في تغيير صوتك… حنجرتك…غدتك الدمعية السخية…ودماغك الصغير المشغول…
وأحيانا ترغب في تبديل ذاكرتك…ترغب في الحصول على ذاكرة صغيرة قصيرة الأمد…ربما ذاكرة سمكة…ذاكرة لعدة ثوان….عندها لن ترغب أن تعرف شيئا عن قلبك أو عينيك أو رئتيك…..
وأسوأ ما يحدث أحيانا أنك تريد أن تغير الحقائق…عندها ستعرف كم أنت فارغ وأجوف…ستدرك وقتها أن تغيير قلبك أكثر حكمة وعقلانية من تغيير الحقيقة الملعونة….الحرب على سورية بشعة….
إذا كان وقف الحرب ليس في أيدي الذين أشعلوها وليس في أيدي الذين يتحاربون…ولا في أيدي الذين يموتون…دعني أبدل عيني…ورئتي…فهذا أفضل….وقد يكون أكثر فائدة…وقد تستقر روح أخي الشهيد بسلام .

لا تعليقات

اترك رد