كيف ننظر إلى السيادة ؟ وما طابع السلطة واللادولة في العراق ؟

 

توطئة: في مفهوم السيادة وبعض جوانبها، في إطار مهام الدول واشتراطات أنشطة السلطات فيها وطابع النظم السياسية. فالسيادة حق كامل في إدارة مستقلة السلطة على الذات الفردي أو الجمعي، بخاصة هنا الكيان السياسي، من دون تدخل من أي طرف آخر. وتقتضي السيادة حمايةً تشير إلى كل من الحصانتين القضائية والتنفيذية مثلما نشير إلى وجهي السيادة: القانونية والواقعية سواء بتوافر القدرة على اتخاذ القرار الحر المستقل أم بتنفيذه فعليا.

ولكن كيف يجري في إطار السيادة الداخلية التلاعب بمفهومها وتجييره لسلطة مطلقة؟ هذا ما نجده في نظرية الحق الإلهي بدولة ثيوقراطية، كما نموذج ولاية السفيه السياسي الملتحف جلباب الفقيه الديني. إذ أنه يسوّق لسلطته المطلقة بكونه (المرجع الأعلى) الحاكم باسم المقدس (الديني)، بمعنى أنَّ صوته مطلق الشرعية ولا يحتاج موافقة المواطن في إصداره الأوامر وتنفيذها. والسيادة المستمدة من غير الشعب (أي من الإله) تبقى أبدية؛ لهذا السبب الولي الفقيه تنبثق منه السيادة (المطلقة) وإن أجرت الدولة اضطراراً شكليات ما تسميه انتخابات وتوزيع مسؤوليات فـ(سلطتُـ)ـه فردية كلية شاملة لا تتجزأ ما يعني دخولها بإطار السلطة الدكتاتورية الفردية المطلقة تغذيها منابع الدفاع عنها المقسَّمة على أتباع لا صلاحية لهم سوى في أن يكونوا قرابين تتحمل مسؤولية ما يعتور النظام وخطل تلك المرجعية الإلهية غير المتحققة في إنسان إلا كونها سرقة إرادة الناس واستلابهم حرية الإرادة ومن ثم مصادرة السيادة ومفهومها ووضعها بيد من لا يملكها بتفويض مزعوم القدسية…

ومنذ القرن الثامن عشر وعصر التنوير جرى توكيد حقيقة أن القانون يكون بفضل السيادة التي يمتلكها وجود جمعي حر الإرادة في بقعة أرض بعينها تصاغ فعالياتهم بالعقد الاجتماعي بوجود مؤسسات غير منحازة لضبط الأداء العام بمعنى انتفاء أن يكون الحاكم الفرد مرجعا مطلقا فوق السلطة أو تعود عليه في ضوء منظومة ثيوقراطية، فالدولة لا دين لها والاعتبارات القانونية والأخلاقية تنبع من الشعب لا من وجود فوقه، يفرض نفسه مرجعاً! وعليه فإنّ وجود أية قوة خارج مؤسسات تخضع لسلطة قانون مثل مجموعات مسلحة أو تشكيلات تلغي بنى الوجود الجمعي بوصفه (شعباً \ أمة) كالعشائرية والطائفية وبالتأكيد منظومة التحكم بها من ((زعامات)) يتعارض ووجود السيادة الداخلية لأن ما يصدر عن اي من أولئك لا يمثل قانوناً ولا يدخل في إطار حصانات حماية السيادة ومقتضياتها..

ولأن الأساس في الحديث عن السيادة يكمن في وجودها الداخلي أو ما اسمته النظرية السياسية السيادة الداخلية ينبغي أن نقف عند موضوعة العلاقة بين السلطة والمجتمع السياسي وطابعها ومصدرها وعليه ومن باب كون السلطة اقتصارية الطابع كي تقف بوجه تحولها للطغيان تلك السطوة المطلقة ومن ثمّ رسم أي احتمال للتعارض بين السلطة وقرارات الشعب مصدر السيادة ومرجعيتها، الأمر الذي يعيد للشعب حق سحب الشرعية عن أية سلطة تتعارض وخياراته وقراراته المنصبة في دستور أو عقد ينتمي لفروض الدولة الحديثة لا إلى فروض التشكيلات ما قبل الدولة كدويلات الطوائف…

وبمحاكمة السلطة العراقية وهل تحتكم لسيادة داخلية سليمة سنرى الآتي:

الحكومات جاءت بانتخابات منتفية السلامة بوجود تأثيرات المال السياسي الفاسد والعنف المسلح خارج إطار الدولة وبلطجة الناس وإرهابهم فكريا سياسيا فضلا عن عدم مشاركة الناخب بنسبة تجاوزت الـ80% اي المقاطعة.
وتلك الحكومات تمَّ إسقاط الشرعية الشعبية عنها بهبَّات جماهيرية مليونية مقموعة بالحديد والنار.
لم تستطع ايّ من حكومات السلطة (النظام السياسي العراقي منذ 2003) أن توفر الأمن والسلم الأهلي الشرط الواجب في السياسة الداخلية وتفشت المجموعات المسلحة والعصابات المافيوية وسطت على الأوضاع العامة، إذ اليد الطولى للميليشيات المشرعنة من حاكم غير ذي شرعية أو صلاحية. والأهم أن الدولة تكون الأكثر فشلا حيث تتعطل وسائل حفظ السلام…
اختلت مفاهيم (اقتصارية السيادة) بتضخم كيانات فوق الدولة إذ صارت مرجعية تحتكم لها حكومات النظام مرة كونها مقدسة (دينيا) لكنها تُستدعى لممارسة أو التدخل والتحكم بتفاصيل من مهام الحكومة وإدارة الدولة! ومثلها كما أشرنا تضخم بل تفاقم سطوة مجموعات مسلحة وزعماء لها تمّ إسقاط العصمة عليهم!! فضلا عن وجهاء وأعيان وزعامات وأدوارهم……!
إن خسارة السيادة الداخلية بهذا النهج، تؤدي حتماً إلى الحرب أو التمزق التناحري غير المحسوب سواء باختلاق التخندقات الطائفية وخطاب التحريض والكراهية واستدعاء مبررات الاقتتال أم بفتح البوابات مشرعة لوجود المجموعات المسلحة وتفاقم قدراتها على ارتكاب الانتهاكات حد إدارتها سجون سرية ومقرات احتجاز وتعذيب وممارسة ما ينتهك القانون ومن ثم يُسقط السيادة.

من جهى أخرى فإن سقوط أساس السيادة بانهيار السيادة الداخلية أفضى للبحث عن سند من أطراف خارجية ما انتهك السيادة (الخارجية) بصور شتى..

ولنعد إلى موضوع أو ركن الأرض في السيادة ما سيكشف كيف تنازلت السلطة عن أراض عراقية لدول أخرى وكيف حدث الاستحواذ بقبول فرض سلطة دولة أخرى على أراض عراقية بتغييرها الدعامات الحدودية (إيران) وهي ذاتها ايضا التي قضمت في ضوء التراكم في شط العرب أراض لها دع عنك المياه الإقليمية.. لكن الأخطر أنّ أحزاب الطائفية وزعاماتها صاحبة القرار تخضع من جهة لبلطجة الميليشيات ومن جهة أبعد وأكثر جوهرية لمرجعيات (سياسية) بخلفية دينية مذهبية مدّعاة خارج الحدود ما يسلم القرار السيادي لدولة أجنبية..!!

إن العراق اليوم، يخضع لشكل من ادعاء وجود ديموقراطية تمثيلية فيما ينتهك قوانينها التي تفرض احتكار القوة للدولة لتكون حارسة السيادة صاحبة قرار من دون أن تمتلك حق نقل التفويض لطرف ثالث وهو ما جرى فعليا واُرتُكبت جريمة التفريط بالسيادة عبر منهج بات الوعي الجمعي يدركه..

وحتى لو سلمنا بديموقراطية النظام التمثيلي وأنه اكتمل ولو جزئيا فإن السياد الشعبية تفرض جملة اعتبارات وآليات حماية منها الاستفتاء والتقاضي والاستدعاء والشفافية في إجراءات الفعالية الأخيرة ومن محاور التأكد من سلامة المسار درجة احترام رأي الشارع وهو ما انكشف فضائحيا بحجم الضحايا من مئات الشهداء وعشرات آلاف الجرحى والمصابين والمختطفين والمعتقلين والمغيبين واشكال التعذيب السادي والسجون السرية!!!

إن افتقاد الشرعية الشعبية بعد أن سحبها الشعب بوعي جمعي ملموس ومجسد في مطلب محدد للتغيير يقضي بمنع مؤسسات السلطة عن العمل فورا وبتسليمها لطرف يوافق عليه الشعب كي تجري انتخابات بإشراف أممي وبأجواء محددة المعالم والخطى من حريات وأمن وأمان وضوابط عمل مناسبة يمكنها أن تؤدي لصياغة (دستور) أو عقد اجتماعي يتناسب وخيار الشعب طريقه ومنهج نظامه في دولة حديثة تُنهي حال (اللادولة) وسطوة قوى لم تكتفِ بانتهاك السيادتين الداخلية والخارجية بل واستلبتهما نهائيا وهذا الوضع هو الذي يدعو مجلس الأمن والمنظمة الدولية لاتخاذ الإجراءات في ضوء ما يبيحه القانون الدولي من أدوات لحسم الموقف لصالح شعب منتهك مصادر بكل وجوده…

إن انتفاء قدرة السلطة على توفير الأمن والأمان والسلم الأهلي وعلى كبح جماح سلطة الميليشيات وعلى استسلامها لكل الضغوط المحيطة بالبلاد من حجب الحصص المائية مصدر الحياة إلى تلويث البيئة وتسميمها بإحداث التصحر وإرسال النفايات النووية والكيمياوية عبر مجاري الأنهر وتعطيل الحياة ومفاصلها كافة وإشاعة الفقر والجهل والبطالة والأزمات الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية بمختلف اشكالها؛ إن كل ذلك أنهى السلطة الداخلية مثلما الخارجية وأوجد وضعا دفع الشعب للثورة تغييرا للنظام لا إصلاحا له كونه بمجمله الكلي الشامل وتفاصيل محاوره لم يعد جزءا من منظومة دولة معاصرة حديثة بل ألغى وجود الدولة ذاتها..

إن الحديث عن أركان النظام وتوزيع أدوار محاولات إدامة النظام لمدى أطول هو حديث خرافة في مجتمع أُشيع فيه منطق الخرافة على حساب منطق العقل العلمي وهو ما ثار عليه الشعب توكيدا هنا.. ومن ثم يجب فهم لعبة ضخ قالت تلك الزعامة أو صرحت تلك المرجعية على أنها محاولات تضليل لإعادة إنتاج النظام وليس احتراما لمرجعية دينية أو اجتماعية يحرتمها الشعب في نطاق ما ((تقتصر)) عليه سلطتها كون السمة الاقتصارية ومنطق التخصص هو ما يجب أن يكون في منهج الدولة لتحقيق السيادة وليس مداخلة الأمور تعتيما وتضليلا كما يجري فعليا..

الآن صوت السيادة أن يكون الشعب فعليا مثلما نظريا قانونيا مرجع كل السلطات لا ينافسه في تلك المرجعية أي طرف آخر… تلك هي الثورة وتلك هي مقاصدها العليا استعادةً للسيادة وللحريات والحقوق في ضوء استعادة سيادة تمت مصادرتها

ولهذا فالثورة مستمرة حتى تحقيق المطلب واية مطاولة هي مجرد تضحية برؤوس أبناء الشعب الأبرياء وتقديمهم قرابين أخرى لسلطة الفساد المافيوية وساديتها العنفية الملخصة بوجود الميليشيات بكل مسمياتها بخاصة منها تلك التي يدعون شرعنتهم لها باستغلال الذاكرة الشعبية وموقفها من الإرهاب الداعشي المهزوم بادعاء أن من صدّه هي الميليشيات (المشرعنة) في وقت أن من تطوع للدفاع عن السيادة هم فقراء الوطن ممن يريدون دولة تحترم وجودهم وإنسانيتهم لا دولة متشرذمة بصيغة (الغنيمة) الموزعة بين الفاسدين مع إلقاء بعض فتات لمن يدخل في جيش الدفاع عن نظامهم الذي تعفن وأدرك الشعب أنه السبب في كل مصائبه…

فلنتنبه أن السيادة تكون صحيحة سليمة يوم تضمن للشعب حقوقه وحرياته وسلامه وأمنه وأمانه وأنها كذلك يوم لا تنتهكها فعاليات تنتهك (اقتصار) مفهوم السيادة وفروعه بالتعكز على مرجعيات توضع فوق الشعب المصدر الكلي الوحيد للسيادة…

لنتنبه أن الاقتصار والتخصص واحترام كل فعالية بإطارها هو ما يحمي وجودنا ويوم نقول لا مرجعية دينية ولا اجتماعية (عشائرية) تشارك الشعب لا نقف بوجه منظومة قيمية اعتقادية بل نقف بوجه خلط الأوراق ومخادعة الناس بادعاء أن احترام الاعتقاد والمرجعيات هو نهج السلطة ولكنها في الحقيقة تتظاهر بالأمر فيما تمرر بغطائه ألاعيبها التي تنتهك لا مفهوم السيادة بل كل مفهوم لإنسانية الشعب وسلامة وجوده…

وللمعالجة بقية تكتمل ويجري تنضيجها بحوار أتطلع للأكاديميين والعلماء مأن ينهضوا به فضلا عن قوى التنوير والتقدم والسلام وجمهور القراء نساء ورجالا شيبا وشبيبة كيما نُعلي دور مدرسة الثورة واستعادة وجودنا وأنسنته… فهلا فعلنا؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد