الطائفية باقية وتتمدد بعد مقتل قاسم سليماني

 

فقدت ايران منذ بضعة أيام ذراعها العسكري القوي في العراق وسوريا واليمن ولبنان، القائد العسكري قاسم سليماني قائد فيلق القدس (الفيلق الذي لا يعلم أين هي القدس) بعد استهدافه وقتله بمعية كبار ضباطه بغارة عسكرية شديدة الدقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، في إطار التصفيات العسكرية وربما السياسية التي تتخدها الدولة الأولى في العالم للحفاظ على التوازن السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط بعد اتهامات أمريكية واضحة لإيران، وسليماني تحديدا بالإرهاب وقيامه بدعم الإعتداءات على السفارة الأمريكية في العراق (المنطلق الأول لقتله وتصفيته) وقبلها ضد قواعدها العسكرية.

لا شك أن مقتل سليماني كان شديد المفاجأة، ويمكن اعتباره صدمة بالغة، لإيران وميليشياتها العسكرية في المنطقة العربية، وبموته خسرت الفزاعة القاتلة التي كانت تسيطر وتضبط وتهدد بها، ليس فقط العواصم التي تحتلها (العراق، سوريا، لبنان، اليمن) ، بل أيضا دول الخليج التي تحسب ألف حساب لتهديدات وطموحات ايران بالتوسع وتصدير الثورة الاسلامية. تلك الثورة التي كان يعمل سليماني على امتدادها وتوسعها في الخليج والشرق الأوسط وشمال افريقيا. فالمعلوم، أن الإمبراطورية الفارسية، وإن تغلفت بالإسلام الشيعي اليوم، لا تزال تحلم بإعادة امجادها وبناء تاريخها ووجودها من جديد، حالها حال الامبراطوريات التوسعية (القديمة والحديثة) التي لا تزال تحلم باستعمار الدول الضعيفة وضمها الي ممتلكاتها وحدودها.

وكما توقع الكثيرون، لم يتجاوز الرد الإيراني العسكري على مقتل سليماني، بعد تصريحات وخطب نارية، حاجز العرض الإعلامي ومحاولة إرضاء عوام الشيعة والمتعاطفين مع معسكر ايران، بأن الزلزال الذي سيحدث للولايات المتحدة الامريكية، جراء مقتل سليماني، سيكون مدمرا وقويا وعنيفا..الخ وقد حدث فعلا باطلاق صواريخ عقيمة، الا أن تأثيره على أرض الواقع لم يتجاوز سوى بعض الاضرار المادية الطفيفة على قاعدة عين الأسد، بمقابل تخبط الصواريخ الايرانية التي ادت الي اسقاط طائرة مدنية اوكرانية قتل فيها اكثر من مئة بريئ في الوقت والزمن الخطأ، وفشل الصواريخ الأخرى في اصابة اهدافها وقتل أي جندي أمريكي كما توعد المنتقمون بذلك. وهو ما يثبت في النهاية، ان الشعارات العربية والاسلامية (السنية والشيعية) ضد الولايات المتحدة الامريكية وضد اسرائيل وتحرير القدس، مجرد حبر على ورق وللإستهلاك الديني والطائفي وخداع الشعوب الغبية التي تريد تحرير القدس بتدمير المدن العربية واحتلال الأوطان وتشتيت العقول وإرجاع المجتمعات الي العصور الوسطى ومحاكم التفتيش والوصاية الدينية والاستبداد السياسي.

إن تبعات مقتل قاسم سليماني، لا يمكن قياسها أو حسابها بالمنطق السياسي فقط، ذلك لأن السياسة، في العصر الحديث، وخصوصا في زمن الرئيس الامريكي ترامب، وربما لعقود أطول من ذلك، تخضع لمعايير وصفقات جديدة، ورأسمالية متجددة وصريحة، وتنافس أو صراع امريكي لإيقاف المد الصيني، وتحالفات سياسية مبدأها إعادة توزيع مناطق النفوذ والثروة والطاقة في منطقة الشرق الأوسط الجديد، بعد أن فشلت الأنظمة والشعوب في تلك المنطقة، من بناء الديمقراطية العلمانية، وبناء المواطن الحر، والمجتمع المدني الحديث. وهذا ما ينقلنا الي القول، بأن تبعات مقتل قاسم سليماني، لا يمكن قياسها أو حسابها بالمنطق السياسي فقط في مجتمعاتنا، بل ايضا بالحسابات الاجتماعية والمنطق الديني الطائفي، وهذا فقط في مجتمعاتنا العربية والاسلامية المنكوبة منذ عقود طويلة بالتصفيات السنية الشيعية، والنظر الي الهوية الدينية والطائفية والقبلية للإنسان قبل الترحم عليه أو لعنه الي جهنم.

هنا، في مجتمعاتنا العربية، وتحديدا في دول الخليج، لم يكن قاسم سليماني الا مجرد إنسان انطلقت الغالبية في رؤيته والحكم عليه من خلال: هل علينا أن نلعنه أو نعتبره شهيد؟!. هل علينا أن ندافع عن عمله السياسي والعسكري باعتباره قائدا لفيلق القدس وبائد الدواعش، أم علينا أن نعتبره امتدادا فارسيا وقائدا محتلا لعواصم عربية؟!.. هل علينا أن نعتبره شيعيا أولا أم قائدا ينفذ أوامر قادته؟!.. هل علينا أن نرسم صورته في الجنة معانقا للحسين بوجود الخميني أم علينا أن نراه قابعا في قعر جهنم مع ابليس واصدقائه لما فعله في سوريا والعراق واليمن ولبنان؟!!.

هذا الاختزال البشع، وهذه الرؤية السطحية فكريا واجتماعيا ودينيا ، لم يكن لها أن تتواجد في مجتمعاتا وفي اخلاقنا وفي سلوكنا وفي تربيتنا، الا لأن التعليم في مجتمعاتنا وفي داخل مناهجنا ومساجدنا وحسينياتنا واعلامنا لا يزال يحض على الطائفية، ويكفر الأقليات، ويحض على كراهية المختلف وتكفير أو قتل المغاير، ويحكم على الإنسان لمجرد انه مؤمن أو غير مؤمن. هذا التعليم أساء للإنسانية، وساهم في نشر الارهاب الاسلامي، وحطم السلم والأمن المجتمعي، وقضى على مفاهيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية. ولم يكن أيضا لهذا التعليم والاعلام والضخ الديني والطائفي أن يتواجد ويتغلغل في عقول الأطفال والناشئة، الا لأن الدول والأنظمة العربية والخليجية، وجدت في هذا التعليم مسوغا شرعيا لها للبقاء في سدة الحكم لمدد أطول، فالشعوب اذا كانت متدينة وطائفية وقبلية، فهذا يخدم استبدادها وسرقاتها للشعوب وثرواتهم وإبعاد الديمقراطية والعلمانية عن عقولهم ووعيهم. فكل ما على النظام أن يزيد جرعات التدين والطائفية، ليحصد التخلف والجهل والإنقسامات المجتمعية.

لقد اثبت موت قاسم سليماني، أن السياسة في مجتمعاتنا لصيقة بالدين والطائفية، وأن الديمقراطية والحريات والمواطنة والمساواة، مجرد كلام فاضي أمام طائفية ومذهب الإنسان العربي المسلم، وإن الأخلاق والتعايش والتسامح وقبول الآخر، ماهي الا دردشة اجتماعية وشعارات يتحدث بها الناس وقت الفراغ والشبع، بينما الحقيقة هي تواجد كم هائل من الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، وهو جميعه يمثل اليوم رماد الحروب الأهلية المتوقعة.

ما فعلته الولايات المتحدة الامريكية في صراعها مع ايران، وما ساهمت ايران في تصعيده سياسيا وعسكريا، هو تقوية الطائفية وتوسعها وامتدادها، لشعوب لا تزال تؤمن بالطائفية والدين السياسي في تعاطيها مع الآخر المختلف. لم تتغير الشعوب العربية والاسلامية منذ تدينها، ولن تتغير ابدا، طالما أن أخلاقهم دينية طائفية، وطالما أن نفوسهم تشع كراهية وانتقام، وطالما أن الموتى يحددون لهم حياتهم وسلوكهم وأولوياتهم. في الواقع، سلبت أزمة مقتل سليماني كل أمل يمكن تحقيقه في مجال التعايش الاجتماعي والوحدة الوطنية، وكل تطلع وثقة بالشعوب العربية والإسلامية في تعزيز مقدرتها الصناعية والابداعية. لم يعد هناك فرص حقيقية بتمكين الديمقراطية وحكم الشعب وتداول السلطة، فالشعوب طائفية ومريضة حتى النخاع، والعقول ملوثة بجداليات معركة الجمل وصفين وكربلاء، والمجتمعات موبوءة بأفكار رجعية وظلامية وسوداء. لم يعد هناك رؤية واقعية، ولا سياسات حصيفة وأنظمة مدنية تريد الاستقرار والتطور والتنمية والبناء. لم يعد هناك الا بقايا مدن ومذاهب تتصارع وشعوب بلهاء.

لا تعليقات

اترك رد