” غصّة عراقية “

 

في البداية، فإنني أستصعب يا عراق أن أرثي جراحاتك، فتبكيكَ أعين الشّعوب! لن أكتب عن تاريخ العِراق لأن عمرًا كاملًا لا يكفي ليضم أوجاعهُ، سأبدأ من طفولتي والتي لا أستطيع نسيانها؛ لأنها متلبسةٌ بي لكن قبل أن أبدأ، أود أن أقول: لا تستغربوا من محبتي للعراق، فأنا لم يملأ رِئتيّ هواءٌ غير هواء العِراق، ولم أجلس على أرضٍ غير أرض العِراق، ولم أحدّق في سماءٍ غير سماء العِراق، لذا ما أصابني منه بقدر الإنسانية والحُب الحزن الذي لا يَبرد علَى الإطلاق، حيث الطُّفولة ولم أكُن أنا الطفلة الأولى التي تُدهش برؤية الطائرات وهي تحلّق فوق رؤوسنا، كنا نحن أطفال الحي وبمجرّد أن نسمع صوتها نركض إلى الفناء ونراقبها بذهولٍ، إلا أننا ومع قدومها الدائم تلاشت دُهشتنا وأصبحنا لا نهتمُ أمام حضورها ذاك، كنا نسمع أحاديث الكبار تتمحور حول الحرب، مع كلماتهم تمتزج الرهبة والحذر ومع كُل هذا لم نكن نفزع من مُناقشاتهم والتي كانت تتجدّد كُل مساء على ضوء شمعة تكاد تلتقط أنفاسها بصعوبة أمام سطوة الريح. انْتهت الحرب، وفي الحقيقة، لا أتذكر كيف! إلا أنني عرفت أن المستشفيات تغصُّ بالجرحى، والأسوأ لم يكُن هناك دواء يُعالج إصاباتهم؛ لأن الدولة تمرّ بوضعٍ حرج!
غرسَ أبي في داخلي العِراق لدرجة أن الشظايا التي تَخترق العِراق تُصيب قلبي أولًا، كبرت وتَعاظم الشّجن حين رأيتُ بأمّ عينيّ كيف يُحتضر المرء ويطلق أنفاسهُ الأخيرة. كان شابًا لم يبلغ التاسعة عشر مُلطخًا بدمه الطاهر، لم يكُن يحمل سلاحًا مُخبأ أو قنبلة ثائرة، إنما كان يعانقُ العلم العراقي ويطالب بحقوقه المشروعة والتي كفلها الدُّستور، كان من الممكن أن يتخلّوا عنك يا عراق، لكنهم أحبوك رغم كُل خرابك، لم يتنازلوا عنك ولو ليومٍ واحد وأنتَ الذي لم تمنحهم سوى الفقر والهم. ضجّتْ مدينتي بصور الشُهداء وملأت الشّوارع برائحتهم النّقية، وقد أصبحت تتزايد صورهم يومًا بعد يوم، تُعلّق على الأعمدة الكهربائية في بداية دخول أيّ مدينة عراقية وحتّى هذه اللحظة. أخبروني كثيرًا عن الحياة وعن الأمنيات، لكن في الواقع لم يكُن ما تحدثوا به صحيحًا، فجدتي كانت أقصى أمنياتها أن يحتضن العراق جسدها حين تفنى وقد فنيت معها أمنيتها، وجدي كذلك، أما خالي فلم يتزوج لأنه أراد أن يكوّن أسرة في العِراق إلا أنه مات ولم تعانق أرض العراق خطواته، لم يكُن لدي حتّى صورة واحدة لهم لكنني بصراحة أحببتهم وفق أحلامهم. أما أنا فكانت أمنيتي منذُ الطّفولة أن أستيقظ فأجد خبرًا يُوحي أن العراق أصبح حرًا من كُل القُيود التي تُقيّد معصميه وإنه في أيدي العراقيين، أما أعظم أُمنيّة مجهولة المصير وربما ستموت معي، وهي أن يتوقف العراق من أن يخبئ في قبورهُ الذين يُحبّونهُ بصدق!
ستتعرف على العراقيين من ملامحهم وهَيأتهم، فالله حين خلقنا عَجن مع أرواحنا الحزن. عرفتُ عن العراقيين الكثير وذلك لكوني أنتمي لهم اسمًا ومعنى، إننا حقًا لا نخاف من الموت بل على العكس إننا نخشى الاستمرار في الحياة أكثر!
(الفَقد) هذه الكلمة المغروسة والملعونة بأعماق العراقيين، والتي لا تقتصر على فئةٍ معينة إنما موجودة بداخل كُل عراقي، إننا نَحترسُ منها ونحاول أن نتخطّى خناجرها الطاغية، وليس بالمعنى الذي يفهمه البعض أن نفقد أنفسنا أو بالأصح أن نكون مجهولي المَصير، فليس هناك إثبات على أننا أحياء أو أننا مُسجّلين ضمن لائحة الأموات! ربما هذا المعنى فقط في الدول الأخرى لكن في العراق الأمر يختلف، فستجد الجميع يخشى أن يفقد أحد أحبابهِ يومًا، أن يستيقظ فيجد جُثمان من يحبه أمامهُ، أو قد ينظر إلى منزله فيرى الكُلّ قد غادر من دون مُقدّمات وبلا سابق إنذار، يصبح حينها المنزل مهجورًا، ويغدو هو حزينًا ضائعًا، يمتصهُ الألم بلا رحمةٍ ويظل يتشوق للموت بلهفة. سيأتيه الموت يومًا وحينها إما أن يكون ثائرًا شهيدًا أو مهاجرًا غريبًا، وفي كليهما سيلقي علينا ذكرياته التي لن يطفئها شيء، وبالفعل كان مُتأهّبًا ليهدي روحه للعراق ليس من الخوف إنما من محبةٍ كبيرة خالصة لا تشوبها شائبة، ألا يخبرونكم عن شعبٍ تتلُو المقابر تَرنيمتها أمام وجوههم؟ نحن هذا الشّعب!
وفي النهاية، إنَّ ما تحدثتُ به عن العراق والعراقيين ما هو إلّا نقطة في بحر؛ لأنك من المؤكد ستعجز أن تصف شُهدائهم وأوجاعهم وحتّى أحلامهم بمجرد كلمات؛ وذلك لعظمتهم.

لا تعليقات

اترك رد