مات ” ديكُ بغداد ” نوحي يا دجاجات الحكومة

 

لقي ذلك الديك الشرس حتفه وأسكت الله صياحه في رمشة عين وأقامت أيتامُه مجالس العزاء على ديك فحل كان يلقح جميع دجاجات الحكومة وهي صاغرة فتنتجُ أقذر ما لديها من بيض فاسد يأكله الشعب المغلوب على أمره ، تلك الدجاجات التي إرتضت لنفسها أن تظل حبيسةً في أقفاص ذلك الديك وتابعةً ذليلةً له تعتاشُ على ما يقدمه لها من أجود أنواع العلف الفارسي فكانت النتيجة أن طرحت من بطونها أجود أنواع الخسة والعار والتبعية ، أُغتيل ذلك التنين الفارسي اللعين على أرض بغداد الطاهرة التي طالما ألبس أهلها السواد وأحرق قلوبهم بفقد الأحبة حتى جفت المقلُ ، ناهيك عن ناره التي أكلت أزهار الياسمين في سوريا و أشجار الأرز في لبنان و أشجار البن في اليمن ، ما من دم عربي يراق في المنطقة أو كارثة سياسية تحل في بلد إلا وكانت أنيابُ ذلك التنين هي “القاسم” المشترك في حدوثها ونشوبها. يُعرف عن بلاد فارس أن أراضيها تتعرض الى هزات و زلازل بين حين واّخر نظراً لجغرافيتها المعقدة ولكن لم ولن تشهدُ تلك البلادُ زلزالاً أعنف وأقوى من مقتل الجنرال “قاسم سليماني” على أرض بغداد التي جعلها سماسرة العُهر السياسي أقوى حواضن النفوذ الإيراني في المنطقة و نصَبوا عليهم سليماني اّمراً وناهياً يحكمهم بالسياط ويحلقُ شواربهم بنظرة عين غاضبة ، لكنه لم يكن يعلم أن تراب بغداد سيتحول يوماً ما ناراً تلظى تمزق أشلاء جسده حتى صار كالعهن المنفوش ولم يبق منه غير كفه و خاتمه اللذان سيكونان شاهداً عليه بما إقترفت يداه من جرائم قتل و سفك للدماء راح ضحيتها عشرات الاّلاف من الأرواح البشرية البريئة إضافة الى تدمير دول و مدن كان اّخرها العراق الذي شرب شعبه الصابر المجاهد من كأس سمه الإجرامي والطائفي حتى هذه اللحظة ما يعجز عن وصفه اللسان والقلم .

في عملية إستعراض عسكرية جوية أمريكية (البرق الأزرق) كانت غايةً في الدقة والتطور التكنولوجي فاجأت الولايات المتحدة الأمريكية العالم في الثالث من شهر يناير من عام 2020 باغتيال و تصفية أخطر رجل إرهابي في العالم كما نعته دونالد ترامب وهو اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني والذي يوصف بأنه وزير المستعمرات الإيرانية والرجل الثاني في إيران وتمت العمليةُ على طريق بغداد الدولي.

قبل وفاته في داره في لندن بفترة قصيرة ، قال عضو مجلس الحكم الأسبق في العراق محمد بحر العلوم لمجموعة من العراقيين كانوا عنده : قاسم سليماني هو من إغتال اّية الله محمد باقر الحكيم و مجيد الخوئي لأن كلاهما يتمتع بشخصية قوية و يرفضان إملاءات هذا المتجبر (يقصد سليماني) و هو مستعد أن يقتل الحسين إن وقف في طريقه و هو الذي فجر المرقدين بسامراء لإشعال الحرب الطائفية في العراق ، لقد سقى الله قاسم سليماني كما سقى جلاده أبي مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق والمعروف بمهارته في إعداد خطط القتل وتفجيرات المركبات كانت بدايتها تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1983 من نفس الكأس التي سقى بها محمد باقر الحكيم فالأخير لم يجدوا منه غير إصبع يده وسليماني لم يجدوا منه غير كف يده التي كان يبطش بها ويثخن في الأرض . إن ما يجعل الإيرانيين في ورطة حقيقية الأن ليست هي الطريقة ولا الظروف التي أنهت قاسم سليماني وغيبته عن الوجود ، إنما من أين لهم أن يأتوا برأس حربة جديد كقاسم سليماني ، رجل يعشق الدم الفارسي و ينفذ أجندة الثورة الإسلامية بكل تفان و إخلاص و يكون بهذه السادية والإجرام و الوطنية والشوفينية الإيرانية العالية في حبه وإخلاصه لبلده .

ولكن رجل بهذا الحجم وبهذه القوة لماذا تمت تصفيته بهذه الطريقة وبهذا التوقيت وماهي تداعيات مقتله سياسياً وإقتصادياً و أمنياً على المنطقة ؟ هل كانت حادثة إغتياله صفقة سياسية وإقتصادية باعت فيها إيران سليماني مقابل رفع العقوبات الإقتصادية عنها وإستئناف برنامجها النووي ؟ ما الذي جعل طائرة أجنحة الشام التي تعود ملكيتها الى رامي مخلوف إبن خال بشار الأسد و التي إستقلها سليماني قادمأ من دمشق تتأخر ساعتين عن موعد إقلاعها المحدد بالوقت الذي كان عناصر من حزب الله اللبناني في سوريا هي المسؤولة عن حماية قاسم سليماني في دمشق وتأمين وصوله الى بغداد؟

كل الإحتمالات ممكنة من خلال قراءة الأحداث و ربطها مع بعض ، ففي سنة 2019 وحدها تعرضت السفارة الأمريكية في بغداد الى خمس حالات إعتداء و قصف بصواريخ الكاتيوشا وقذائف الهاون أطلقتها بعض الأحزاب والميليشيات المدعومة من إيران كحزب الله العراقي و الحشد الشعبي وغيرها والتي يشرف على دعمها وإدارتها قاسم سليماني شحصياً وكلها تعلن العداء الصريح للولايات المتحدة الأمريكية في وسائل الإعلام إلا أن معظم هذه الصواريخ والقذائف لم تصب مبنى السفارة بأذى ، كذلك تم إستهداف عدة قواعد أمريكية وشركات ومصالح أخرى في عموم البلاد و هذا يفسر لنا تصفية سليماني و أبي مهدي المهندس بهذه الطريقة الذكية والبشعة ، إذ يعتبر مقتلهما رسالة واضحة الى إيران والعالم بأسره تفيد بأن أميركا هي القوة التي لا تقهر وممكن لها أن تغير المعادلة السياسية في لحظة و تثبت كذلك ضعف إيران من الداخل ومدى إختراقها الأمني كما تؤكد هذه الضربة غباء و حماقة لاعب السيرك في حالة إستفزازه أسداً جائعاً . الان و بعد مقتل سليماني وما شاهدناه من رد فعل إيراني خجول و مخزي في ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية غرب الأنبار كرد إعتبار إنما يكشف إتفاقات سياسية وأمنية متبادلة تقتضيها المصالح المشتركة فقد تم إفراغ القاعدة من الأفراد والأسلحة قبل ساعة من إطلاق صواريخ الكاتيوشا الإيرانية القديمة على القاعدة ولم يصب أي احد من الجنود الأميركان بأذى . في الحقيقة هناك جهود دولية كبيرة ومتوازنة تدعو الى التهدئة وعدم تصعيد الموقف وتمنع المواجهة العسكرية والحرب الشاملة بين البلدين فهما غير مستعدين أصلاً لخوض أي حرب أو نزاع مسلح في محاولة لإفراغ المسألة من مضمونها الثأري فمهما كان قاسم سليماني مهماُ و خسارته فادحة بالنسبة لإيران إلا أن المصالح السياسية و الإقتصادية والإجتماعية والأمنية بين دول المنطقة (العراق ، سوريا ، لبنان ، مصر ، الأردن ، إيران ، دول الخليج وغيرها) و الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر بكثير من قاسم سليماني حياً كان أم ميتاً.

لا تعليقات

اترك رد