الفن بين الاشتراكية والرأسمالية ج 1

 

الفن والرأسمالية:
قبل التطرق الى الفرق بين فن الرأسمالية والاشتراكية، لابد من توضيح امور مهمة في وقتنا المعاصر حول الاهتمام بالفن التشكيلي خصوصا بعد ان تجاوز الاهتمام والتقدير والسند الحقيقي من جانب الانجاز في اماكن مخلدة او الاقتناء بعد ان تم الاهتمام المسند من جهات دينية في الكنائس خاصة في عصر النهضة وما بعدها بعقود وكذلك من قبل جهات برجوازية او متوسطة وكذلك من جهات حكومية رسمية.

في الوقت الحاضر ارى حسب ما لمسته بنفسي وانا في خارج البلد ان الوسطين الرأسماية والاشتراكية نحو الانحدار بسبب تحول الجهات الاجتماعية والرسمية نحو الاهتمام بجانب الحياة المادية والمعيشة بشكل عام وعالمي.

وهنا سنوضح المفاهيم التي تم تدوينها او التطرق لها في وقت سيادة وانتشار المفهوم الفكري نحو الاشتراكية الواقعية التعبيرية للفن نحو تفسير الجانب الرأسمالية ثم الواقعية.

أن السمة المشتركة بين جميع الفنانين والكتاب المرموقين في العالم الرأسمالي، هي عجزهم عن الملائمة بين أنفسهم وبين الواقع الإجتماعي المحيط بهم، حيث وجدت جميع النظم الإجتماعية من دافع عنها بقوة وقدرة في مجال الفن (إلى جانب من ثاروا عليها ووجهوا إليها سهام النقد): إلا الرأسمالية، ففي ظلها وحدها نجد الفن كله فوق مستوى معين من الضحالة، فن أحتجاج ونقد وثورة، إن غربة الإنسان عن بيئته وعن نفسه بلغت ذروتها في ظل الرأسمالية. كما أن الشخصية الإنسانية ألتي تحررت من قيود العصور الوسطى – قيود الطوائف والطبقات – قد أدركت بقوة إن الحرية وأمتلاء الحياة ألتي كان يمكن أن تستمع بها قد سرقت منها. وأثار كل شيء في الدنيا إلى سلعة من أجل السوق، والنظر إلى كل شيء من خلال فائدته العملية، وسيادة الطابع التجاري على العالم بأسره، أثار ذلك كله نفوراً عنيفاً لدى كل من لديه شيء من التطلع إلى الآفاق. وأما أصحاب الخيال المحلق فقد وجدوا أنفسهم يرفضون هذا النظام الرأسمالي المنتصر رفضاً قاطعاً. لقد بدأ الرفض بالحركة الرومانسية الساخطة وهجوم (جان جاك روسو) على الحضارة الرأسمالية. وقد تحدث هيجل عن القوة المتزايدة للشعور بالغربة حيث قال: عندما تختفي من حياة الناس القوة ألتي توحدهم وتجمع بينهم وعندما تتضخم التناقضات وتكتسب كياناً مستقلاً، عند ذاك تنشأ الحاجة إلى الفلسفة، لقد أصبحت الأنا، الشاعرة بالوحدة والعزلة والتي تقف في مواجهة تفاهة الحياة الرأسمالية موضوعاً رئيساً. كثير من المبدعين ماتوا دون أن يعرفهم العالم، وكثيرة هي الإبداعات التي منعتها السلطات من الظهور، وكثيرون هم المبدعون العاطلون عن العمل رغماً عنهم.

الإبداع والفن ليسا شيئاً واحداً، فالأول غريزة إنسانية بينما الثاني عملية إنتاج اجتماعي تتحكم فيها قوى مختلفة تسيطر على كافة عمليات الإنتاج المادي والروحي في المجتمع.

هناك تناقض ينخر في عظام المجتمع الطبقي، إنه التمييز الاجتماعي الذي يجعل الأقلية “فوق” الأغلبية، هذه هي الطاقة الجهنمية التي تنذر باندلاع الحرب الأهلية الكامنة تحت الجلد.. حرب الفقراء والأغنياء.. حرب المضطهدين وجلاديهم. فلأن الغالبية منزوعة الثروة – والسلطة بالتالي- توجه غالبية الثروة الاجتماعية إلى الأقلية التي تملك وتحكم معاً، فتصنع العالم وفقاً لمصالحها ورؤاها، وهي لا تحكم الحاضر فقط بل تحكم الأجنة في الأرحام، وبما تملكه من قدرات تضع يدها على كل شيء في المجتمع من العلوم والدواء إلى السلاح والرياضة والفنون، ويتحول كل ما تلمسه يدها إلى موضوع للاستثمار.. لا أكثر. وتتخذ عملية تنظيم المجتمع من المصنع صورة جنينية لإدارة المجتمع كله في حالات “السلام الاجتماعي” حيث تتوفر لحكم النصف في المائة السلاسة والهيبة ويتخذ الجميع أدوارهم كتروس بشرية في آلة الإنتاج، أما في حالات التمرد على ظلمها فيصبح الجيش النظامي هو خيالها المثل لإدارة المجتمع استناداً إلى القمع والطاعة العمياء. وبالنسبة للأقلية المسيطرة لا يعتبر الفن ظاهرة خارج هذه المنظومة..فالفن ككل شيء آخر مجرد سلعة تحقق الربح لمستثمريه، ولأنه خطير أحياناً يوضع تحت عين الرقابة، ويتم تنظيم عملية إنتاج الفن وتوزيعه بحيث يظل محققا لغايتيه: ترسيخ ثروة الأقلية وتأكيد سلطتها.. ككل نشاط إنساني آخر.

والإبداع الفني الحر يحاول دائماً كسر القيود التي تكبله والتي تتنوع طبقاً لنوعية الطبقة الحاكمة وعصرها، ويستمر الإبداع الشعبي مستقراً للتمردات الفنية التي لم تمررها الطبقات الحاكمة، ويخرج على الناس من حين لآخر مبدعون متمردون يوجهون طلقاتهم للظلم الاجتماعي وللأساليب والتقاليد الفنية الميتة معاً والتي رعتها طويلاً الطبقة الحاكمة، كما يحاولون التحرر من قيود المنتجين والرقابة السلطوية ليصنعوا فنهم المختلف ولكي يحرروا طاقة الإبداع المحتجزة في ربوع الجماهير.

لقد قامت الرأسمالية بتسليع الفن مثلما سلّعت السلاح والدواء والإسكان والتعليم وقوة عمل البشر في المصانع والنساء والأطفال في الإعلانات المنحطة، كما وجهت القانون والإعلام والتكنولوجيا لتحقيق أهدافها.. الربح للأقلية، القمع للمتمردين، والأوهام الدعائية للجماهير الكادحة لأنه من المستحيل السيطرة على الناس بالقمع فقط.

وبالرغم من وجود القمع والمخدرات والدعارة والرشوة والفساد قبل الرأسمالية، ولكن في كنف هذا النظام فقط تم تنظيمها وتطويرها كميادين واسعة للتربح محلياً وعالمياً.

ومع ذلك تطور الفن تطوراً مذهلاً نتيجة لقانون التنافس وما يفتحه من إمكانات واسعة ولكن.. على حساب دماء البشر وأمانيهم البريئة.

ففي المقابل حولت الرأسمالية المبدعين إلى صفوف من العمال الراضخين لشروط أصحاب العمل، وصاروا يدفعون ثمن الإنتاج المتنافس غير المخطط برغم عدم مشاركتهم لا في قراراته ولا في أرباحه، وبدلاً من أن يكون الإبداع عملية ديمقراطية يتاح للجميع تعلمها والتمرس عليها صار قاصراً على جماعة محدودة من الناس محاطة بهالة من التهويل الخزعبلي، ومع تضاؤل فرص التشغيل تخرب ذمم البعض ويختارون الحلول الأسهل مع ما فيها من انحطاط أحياناً وتتمترس هيمنة التجار على المبدعين ويعلو تأثير العلاقات الشخصية على المنتج الفني.

ليست المشكلة في نقص المواهب.. المشكلة في النظام المعتمد لاكتشاف وتطوير وإدارة هذه المواهب المدفونة فعلياً.. ولكن تجار الفن غير معنيين إلا بتحقيق الربح، فلو كان هذا الربح متحصلاً عن الاستمرار في نفس نمط الإنتاج المتخلف فسوف يستمر لأنهم هم المتحكمون لا المبدعون المأجورون ولا الجمهور الذي يختار بين بدائل معروضة عليه وليس له في النظام الرأسمالي إلا هذا الدور الثانوي، وهكذا يشكل مستثمرو الفنون ذوق الناس الفني لأن الأجيال الناشئة تتربى على بدائل أغلبها الأعظم منحط أحياناً. في المجتمع الرأسمالي تولد موهبة متوافقة مع السوق كل عام بينما تدفن عشرات المواهب الأخرى كل عام وربما كانت هي المواهب الأهم.

المجتمع الذي نحلم به.. مجتمع يقدس قيمة العمل في كل الميادين.. مجتمع لا يدور حول تكوين الثروة للأقلية بل حول تلبية احتياجات الجميع ما عدا الحاجة الشاذة لاستغلال الباقين بمسميات غير صادقة كالديمقراطية الليبرالية والعولمة الرأسمالية، وأياً ما كان القناع الذي يتخفى وراءه هذا الإجرام.

المجتمع الذي نحلم به يحرر طاقة الإبداع في المجتمع ويرعى جميع المواهب بطريقة عادلة ويجعل الفن نشاطاً متغلغلاً في المجتمع يعكس أولاً بأول همومه وطموحاته ويولف بين الفرد المبدع والجماعة المبدعة -ولو بمستوى مختلف – ويجعل للحرية معنى إنسانياً ملموساً.

المقال السابقشاعر
المقال التالىاهمية الاعلام فى قضايا الأمن القومى
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد