البداء في الأديان عبر العصور والأزمان 5-5

 

ختم النبوة
وطبيعي أن يكون ختم النبوة عند أهل الأديان المشكلة الأولى بينهم. فان الناس يجدون في ظاهر النصوص المقدسة ما يؤيدون به اعتراضاتهم. فقد جاء في التوراة “إني أرفع إلى السماء يدي وأقول حي أنا الى الأبد” تثنية 32، واستدل اليهود بهذا على ان سيدنا موسى هو خاتم النبيين. وجاء في الإنجيل “أنا هو الأول والآخر” رؤيا 1، واستدل المسيحيون بذلك أيضاً على انه لن يظهر بعد سيدنا المسيح أحد. وجاء في القرآن “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين” سورة الأحزاب 40، واستدل المسلمون بذلك على ان سيدنا محمد عليه السلام هو خاتم النبيين والمرسلين، أي انه لن يظهر من بعده أحد. والآن، اذا كان اليهود مثلا، على صواب في فهمهم لنص التوراة التي هي كتاب من عند الله، وكان فهمهم هذا هو بالذات ما يقصده الله فهل كان يظهر من بعد سيدنا موسى من يأتي بالإنجيل، ومن يأتي بالقرآن، وكلاهما كتاب من عند الله جديد بالنسبة للتوراة؟ بديهي انهم لم يفهموا كلام الله على حقيقته ! فلننظر الى هذه المسألة الدقيقة من زاوية ثانية. فإن كل رسول قرر وأعلن انه مكتوب عنه في الكتاب السابق. فقد قال السيد المسيح مخاطباً اليهود “لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوني لأنه هو كتب عني” إنجيل – يوحنا 5، وقال تعالى في القرآن “الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل” – الأعراف 157 – وقال بهاءالله “هذا يوم بشَّر به محمد رسول الله من قبل، ومن قبله الإنجيل والزبور” – لوح العندليب – وعندما يفتش الناس هذه الكتب المقدسة لا يجدون اسماً من هذه الأسماء المباركة مكتوباً فيها بحسب الظاهر، فهل معنى هذا انه لم ينص في كل كتاب عن الرسول التالي؟ لا، بل انه منصوص عنه بإشارات دقيقة وصفات مخصوصة لا تنطبق على غيره. خذ مثلاً قوله تعالى في سورة الصف “ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه احمد” فلفظة “احمد” عربية، والإنجيل نزل باللغة العبرية، فهل يمكن تصور وجود هذا الاسم المبارك بلفظه وحرفه العربي في كتاب لغته عبرية؟ ولكن الواقع ان هذا الاسم الكريم مذكور في التوراة والإنجيل بأوصافه وعلاماته لا بحروفه. والحرف كان في كل ظهور إلهي، علة البلاء كما قال الإنجيل “الحرف يقتل ولكن الروح يحيى” – كورونثوس الثانية. على ان الآية المباركة “وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين” تحمل في إبداعها أدق المعاني وأبلغها فيما نحن بصدده. فهي تحدد رتبة الرسالة ورتبة النبوة، وتجعل “الرسول” غير “النبي” وهذا ما يشرحه الحديث الشريف الكامل الوافي. فقد ورد في البخاري، شرح القسطلاني، بالجزء الثاني ص 158 في باب ما ذكر عن بني إسرائيل قوله عليه الصلاة والسلام “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وانه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فان الله سائلهم عما استرعاهم”. فهذا الحديث الشريف واضح كل الوضوح، فهو يعلمنا بأنه في دورة سيدنا موسى كان سياسة الأمة وتدبير شئونها موكولا بأنبياء بني إسرائيل أمثال هارون وداود وسليمان، ولكن عندما ظهر الرسول الكريم كان الناس قد بلغوا من النضج والإدراك ما لم يكونوا معه في حاجة لأنبياء يدبرون شئون الأمة في ظل الشريعة الإسلامية. وبحكم هذا التقدم صار للخلفاء الذين ليسوا بأنبياء أن يدبروا ويسوسوا شئون الأمة الإسلامية كما ساس أنبياء بني إسرائيل شئون الأمة الإسرائيلية. بل قد بلغ التقدم الذي حققته رسالات الله ما بين سيدنا موسى وسيدنا محمد عليهما السلام ما رفع أئمة الهدى الى رتبة أعلى من رتبة النبوة في بني إسرائيل بدليل قوله عليه السلام “علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل” ولقد استفاض أئمة الفقه من هذا الحديث الشريف، وأفاضوا في شرح هذه الدقيقة. فقد جاء في الفقه الأكبر للإمام أبى عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رضى الله عنه قوله “ويجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل جملة، والفرق بين الأنبياء والرسل، أن الرسول يكون صاحب شريعة، والأنبياء بعثوا على شرائع هؤلاء الرسل، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا”. يتبين من هذا ان الرسول غير النبي، وأن ختم النبوة لا يفيد ختم الرسالة. ركن الإجماع والتواتر وأخيرا يأتي ركن الإجماع والتواتر بين عناصر الاعتراض والاحتجاج، ويبرز عادة عند ضعف الأدلة الأخرى، فالاعتراضات التي وجهت الى العلماء والمكتشفين والمخترعين، والى حاملي رسالات الله، لما لم تقو على قرع الدليل بالدليل، عمدت الى “حجة الإجماع والتواتر” في مناهضة الفكرة الجديدة او الحضارة الإلهية الجديدة. والنظرة الهادئة ترينا ركن الإجماع هذا انه أضعف من أن يثبت كدليل، لأنه مع قيام الاحتجاج بحجة الإجماع والتواتر فان الفكرة الجديدة تثبت، والرسالة الجديدة تنفذ. فاذا ظل الناس بعد كل هذا يأخذون بحجة الإجماع فانهم يسلكون سبل من قبلهم “شبراً فشبراً وذراعاً فذراعاً” مع ان كل أمة تعيب على سابقتها الأخذ بهذه الحجة في إنكار رسالة سيدها، لأن إجماع اليهود مثلا على إنكار صحة رسالة السيد المسيح لم يكن قط برهانا على عدم صحتها. ولكم كان التشيع والإجماع سببا في فرقة الدين الواحد، وقيام الخصومات والحروب بين أهله. فالأمة الإسرائيلية انقسمت الى عدة طوائف وفرق، والأمة المسيحية انقسمت الى عدة طوائف وفرق، والأمة الإسلامية انقسمت الى عدة طوائف وفرق، مما يحفل بذكره تاريخ كل أمة. وكانت كل فرقة من الفرق في الدين الواحد تحارب الأخرى، وتتنازع وتتقاتل مع الأخرى حول الأصول والفروع باسم الإجماع، فهل حجة الإجماع تكون مقبولة هنا ايضا؟ لقد جاء الدين لاتحاد الناس على أصول الله، فاذا انقسمت الأمة وتفرقت شيعاً وأحزاباً متقاتلة متعادية، فأقل ما يكون فانها في هذه الحالة تكون قد فقدت جوهر الدين: “كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة او بيت منقسم على ذاته لا يثبت” إنجيل – متى 12 “ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء” – سورة الأنعام 159. بقيت ناحية أخرى تعرض لنا “الإجماع” في صورة غير مستقرة، بل في صورة تتأرجح تبعاً للظروف. فأهل الشيعة وما ينضوي تحتها من فرق متعددة يعتقدون بأنه لا بد في آخر الزمان من عودة “الإمام الغائب” وظهور “قائم آل محمد” و “رجعة الحسين” ولا يزالون في اعتقادهم حتى يومنا. أما أهل السنة والجماعة مع ما يدخل تحتها من فرق، فقد كانوا يعتقدون بصحة الأحاديث الشريفة المروية عن ظهور “المهدي”، واستمروا على هذا الاعتقاد الى القرن الثامن الهجري، أي ثمانماية سنة. فلما جاء ابن خلدون وذكر في مقدمته ان الأحاديث المروية عن “المهدي” ضعيفة، تحول أهل السنة والجماعة في العهد الأخير من إجماع بصحة أحاديث ظهور “المهدي” الى إجماع بالشك في صحتها ! وبينما لا يزالون في اعتقادهم في نزول “عيسى” وخروج “الدجال” فانهم يشكون في الأحاديث المروية عن “المهدي”. والحال ان نفس الأحاديث المروية عن “عيسى” هي عينها المروية عن “المهدي” ! وطبيعي ان هذه الورقات المحدودة لا تتسع لمناقشة رأي ابن خلدون، ولا كيف انعقد إجماع الأمة على ظهور “المهدي” وظل هذا الإجماع قائماً ثمانية قرون على الأقل، ولا كيف تحول بعد ذلك هذا الإجماع من الصحة الى الشك تحت تأثير فكرة فرد، ولكن هذه الورقات تتسع لمقارنة هادئة بين أقوال ابن خلدون هذه وأقواله الأخرى. فقد ذكر في مقدمته “ان الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم” ومعنى هذا انه اذا ظهر رسول من الرسل ولم يكن له عصبية في قومه، واذا لم ينهض قومه لنصرته، فان رسالته لا تتم ولا تنجح. وكل إنسان يستطيع أن يعرف مدى ما لهذا الرأي من قوة اذا استعرض في قليل، دعوة رسول الله، صلعم، وهل حقاً قامت وتمت بالعصبية القومية؟ فالتاريخ يتكلم بأن أهل الرسول عليه السلام وعشيرته هم الذين قاموا في وجهه، وألبوا عليه القبائل والأعداء، بينما ظل عليه السلام وحيداً فريداً لا معين له الا الله وحده. فان قريش – وهي من العرب المستعربة – كانت أول قبيلة أنكرت دعوته وأثارت الفتنة من حوله حتى ركن الى الهجرة – والتجأ الى أهل يثرب وهم من قحطان من العرب العاربة. والى هذه الحقيقة التي تتكرر في عصور الرسالات الإلهية أشار سيدنا المسيح بقوله “ليس نبي بلا كرامة الا في وطنه وفي بيته” إنجيل – متى 13، فدعوة محمد عليه السلام – شأن دعوة كافة رسل الله – قامت بنفوذ كلمة الله وبالقوة الغيبية، لا بالعصبية القومية. الحق أن الإنصاف ليدعو الناس، بعد كل هذا ان يعيدوا النظر في حجة “الإجماع” في كل نواحيها .

لا تعليقات

اترك رد