دماء الاصلاح


 
دماء الاصلاح

لم يعد الحديث عن الاصلاح وعن التظاهرات المطالبة به واقعيا، واصبح كما هي حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية لعبة يتقاذفها اصحاب المصالح مستخدمين بسطاء الناس والفقراء والجياع ادوات لفرض ارادتهم على الاخرين، وبعد الدماء الزكية التي سالت على ارض الغبراء لم يعد من المنطقي ان يتظاهر الفقراء ويشكلون جدارا فيما بينهم بحجة منع المندسين عن الاحتكاك بالقوى الامنية، وهذا لو يفهم قائدهم الصدر اعتراف بان من سقط شهيدا ومن جرح واصيب انما كان مندسا فعلا وليس ثائرا في طريق الحق والعدل والاصلاح، وانهم هم الذين هاجموا قوى الامن التي كانت انما تدافع عن نفسها..

هذه التاكيدات والتصرفات جعلت من شهداء الاصلاح وجرحاه مجرمين ومذنبين ويحق للسلطات ملاحقتهم وتقديمهم للقضاء، وايضا قيدت جموع المتظاهرين وزرعت الخوف في قلوبهم وزعزعت اندفاعهم وايمانهم بالثورة فلم يعودوا بعد الان يشكلون اي خطر على الزمرة الحاكمة، ولم يعد ثمة امل في كل هذا الصراخ نحو الاصلاح..

لقد تمكن الصدر بدهاء الايرانيين وخبثهم وتخطيطهم من تجريد الجماهير قوتها وحول التظاهرات الى سياحة جمعوية دون تأثير ودون نتائج ايضا..

لقد كان من المفترض، ووفق الحسابات والتوقعات الطبيعية والمنطقية لاي شعب يقرر الثورة ضد حاكميه الظالمين، ان يثأر المتظاهرون لشهدائهم، لو كانوا فعلا على قلب واحد ويسعون الى هدف واحد ايضا، ولكن ما جرى من مهادنة للسلطة ومن عدم الاهتمام والتاثر لاولئك الشباب الذين قدموا حياتهم من اجل التغيير يثبت ان المتظاهرين ليسوا سوى قطيع رعاع يقاد حيثما يريد الرعاة، وللرعاة اهداف ومصالح تبتعد كثيرا عن اهداف ومصالح الشعب، في تونس ثار الشعب كله في يوم واحد تعاطفا مع شاب أحرق جسده احتجاجا على البطالة وانتجت الثورة التغيير المطلوب وهرب الرئيس خارج البلاد، وفي العراق لم تتحرك ضمائر الناس وقادتها المدنيين والدينيين احتجاجا على استشهاد العشرات بتفجيرات مدينة الصدر وغيرها، لم يتحرك ضمير شعب باكمله في ايام دامية خطف الارهاب فيها وكذلك المؤامرات وصراعات الاحزاب العميلة الحاكمة احلام شباب وآمال امهات واباء وبراءة اطفال، لقد توطن الخوف في قلوبنا، وعشعش الفساد في نفوسنا ومزقتنا الانتهازية والطائفية وعدم الثقة الاجتماعية، فغدا اصلاحنا كشعب ابعد منالا من اصلاح حاكمينا..
ولكن يبقى الامل قائما ليس فينا، بل بما حولنا وباجيال الشباب التي ستكتشف سر خوفنا وتراجعنا، اجيال تنشد الحياة وتنظر الى العالم نظرة المشاركين فيه والفاعلين في حضارته، والطامحين لاثبات وجودهم وتحرير طاقاتهم من الدجل والشعوذة، اجيال تبحث عن هويتها، تحب الحياة وتفهم جيدا ان الله لن يغيرنا كبشر حتى نغير بانفسنا وعقولنا وقلوبنا، اجيال تعرف حقوقها، وتصون كرامتها، وتؤمن بقوة ان العصر هو للابداع والعلم والفن والادب وليس للسحر والادعية والخرافات، اجيال يجد الحب طريقه الى قلوبها، وتعرف الطريق الى الله دون وسطاء ملوثين بالبغض والحقد، ينشرون جهلهم كالجراثيم التي تنشر امراضها السارية..

قد يطول الامر وقد نجده اقرب من الحلم، الا ان الضريبة التي علينا دفعها هي الدماء، فلاحرية دون ثمن، وليس من ثمن اقل من الدم لحرية شعب تسيل دماؤه يوميا على الشوارع والارصفة والاسواق وساحات الحروب المصطنعة هباءا منثورا على مذبح الاحتلال والفساد والجريمة المنظمة والارهاب وعبودية اوثان واصنام غبية جاهلة طامحة بالمال والسلطة والسطوة..

قد يطول الامر، وقد يقصر، ولكن لايمكن للخطأ ان يستمر الى ما لانهاية، وحكيمنا العربي قال : دوام الحال من المحال..

لا تعليقات

اترك رد