الجداريات العراقية المعاصرة

 

عندما نكتب عن الفن العربي المعاصر، انما نؤرخ لعصر مهم من تاريخ حركة الفن الجداري في الوطن العربي الذي برز فيه عدد من المبدعين الذين سجلوا حضوراً بصرياً نشيطاً وساهموا في تنشيط حركة التشكيل العربي المعاصر من خلال تنظيراتهم ورؤاهم وأنشطتهم الفنية والثقافية التي استمدوها من دراستهم لتاريخ الحضارات وفنونها، وفي مقدمتهم الفنان العراقي( جواد سليم) والرسام (فائق حسن) ومن ثم جاء بعدهم فنان الجداريات (غازي السعودي)، وآخرون.

ولا شك ان الفنانين من ضمنهم الفنانين(اعلاه) ساهموا بدور كبير وفعال في ارتقاء الفن التشكيلي المعاصر وذلك بما قدموا من الإسهامات الفنية والتنظيرية التي أتوا بها من الدول التي تعلموا فيها أساسيات الفن وأطروحاته الفكرية، وكانوا مواكبين للحركة التشكيلية في الوطن العربي منذ البدء ومروا بعدة مراحل باتجاه تأجيل رؤيتهم في الفن بوجه عام وفي فن الجداريات بوجه خاص، ومنحه قيمة إنسانية خاصة.. ويتميز الفن الجداري العربي بعراقة الفن فيه، فمنذ فجر التاريخ كان للفن التشكيلي والعمارة اثرهما في بناء حضارة وادي الرافدين التي كان لها اثرُ مهمُ تدل على المستوى الرفيع للفن القديم الذي حمل هويته الجمالية المتميزة.

فالفن التشكيلي العراقي المعاصر لم يكن معروفاً بشكل ظاهر ومتميز وليس له خصوصية ظاهرة أو تأثيراً في المجتمع لأسباب عديدة حالت دون انتشاره وتطوره الا بعد ظهور جيل الرواد الذين تعلموا أبجديات الفن في دول غربية ومع عودتهم وهم محملون بالأفكار الفنية السائدة في تلك الدول، يعد بداية تأسيس الفن التشكيلي المعاصر في العراق. وقد ساهم هؤلاء الفنانين بوضعهم السمة والقاعدة الحقيقية لحركة الفن التشكيلي العراقي المعاصر، وذلك بسعيهم الجاد وبكل قدراتهم، لإيجاد اسلوب خاص بهم يعبر عن ذاتهم وخصوصيتهم المحلية والحضارية. ولقد حمل الفن العراقي المعاصر الروح الإنسانية الشاملة، اذ استمد مقوماته الجمالية من الإرث الحضاري القديم والإسلامي الى جانب البيئة المحلية المعاصرة. اذ حاول النحات (جواد سليم) في جداريته( نصب الحرية 1959) العملاقة ان يؤسس لاستلهام التراث العراقي، معتمدا على الرموز الحضارية والبيئية المتعددة.

اما الفنان والرسام (فائق حسن) فقد حاول بجدارياته التي اعتمدت على رموزٍ بيئية ضمن قوانين الواقع وتطوره، لقد وظف(فائق حسن) الحمامات البيض في جداريته (جدارية السلام 1958)، وهي كصمود نصب الحرية..كان له امتدادات في مجاميع الطيور التي جسدها ورسمها فنان وادي الرافدين..كلها رموز ذات مرجعيات اصيلة.

في حين اتجه الفنان واستاذ مادة الجداريات (غازي السعودي) معتمداً على الرموز البيئية ذات المرجعية الى التراث العراقي القديم والحديث، ومن هنا، وبتوجيه من فناني الرواد، اوعزوا الى تشكيل جداريات منها:( جدارية بغداد 1975) تشكل جزءاً مهماً من جماليات البيئة العراقية، وعدها ممارسة أساسية في تاريخ الفن العراقي المعاصر، حيث غدا فن الجداريات يروج لمديات الرؤية الفلسفية للجمال، بمضمون ووجهات نظر تقترن ومتطلبات ثقافة الانسان تجاه العالم.

واما الفنان العراقي (سعدي الكعبي) الذي بقي مرتبطا بحضارته وارثه العريق، طالما أنجز جداريات فنية لها صلة بالحضارة الرافدينية، غير انها بروح عصرية غايتها الجمال من ناحية مضامينها الفكرية التي تتحدث عن الهم والامل الإنساني، وكذلك في أسلوبها وألوانها وتقنياتها اذا يستخدم الفنان الجسد البشري كثيمة أساسية ورمزية في جدارياته، وايضا الهلال والقباب وأشكال سطوح الجدران بألوانها كـ(رموز بيئية)، ليخرج للمتلقي لوحات تحمل الكثير من التأويلات والاشارات والدلالات.. ينظر: جدارية في مطار بغداد، سعدي الكعبي، 1984.

المقال السابقلماذا ننسى ؟
المقال التالىالديون ترسم معالم الاقتصاد العالمي في 2020
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد