ضياع فنان في سرايا السلطان

 

تجليات ظهور اللوحة التصويرية بالمغرب
يعد جوستوس شتويلينج Justus Stuijling (1595 ـ 1624)، حسب ما توصل إليه بحثنا، ثاني رسام أجنبي زار المغرب، وكان ذلك عام 1620، ليشتغل في بلاط السلطان السعدي مولاي زيدان، يصمم ويسهر على إنجاز جداريات فنية بقصر البديع بمراكش. قضى، قسرا بمحلة الشريف، أربع سنوات يتنقل بين جنبات المدينة الحمراء، ثم انقطع أثره فجأة في العام 1624.

مولده ونشأته
ولد الرسام الهولندي يوستوس كورنيلسز شتولينج Justus Cornelisz. Stuyling (هكذا ينطق بالهولندية)، حوالي عام 1595 بمدينة دلفت Delft الهولندية، مسقط رأس فنان الباروك الهولندي جوهانس فيرمير دو دلفت Johannes Vermeer de Delft (1632 ـ 1675). كانت طفولة جوستوس كورنيليس شتويلينج رائعة جدًا، فقد تربى في أحضان أبيه صائغ المجوهرات، وتَيَفَع وسط عائلة تمارس الفن وتعيش عليه، مستنيرا بوهج العصر الذهبي الهولندي*، إلى جانب مشاهير مدينة دلفت، كالرسامَيْن ليونارد برامر Leonaert Bramer (1596 ـ 1674)، و ويليم ويليمز لوييت Willem Willemsz Luijt ، لكن لسوء الحظ، ستغمسه موهبته في حياة ملؤها البؤس والشقاء والفقر، إذ انقلبت الأيام ضده بسبب عجرفة وأنانية الجاه والسلطان، القابض على رقبته، فتحول مقامه بمراكش إلى مأساة ألقت به في غياهب المجهول.

أحاطت شباك الحظ السيء باثنين من هذه العائلة، ابن عم يوستوس، أبراهام لامبريشتس شتولينج Abraham Lambrechts Stuyling (1560 ـ 1631)، وصهره هندريك أرينتز فابري Hendrick Arentsz Vapor (1590 ـ 1633؟)، سليل عائلة الرسامين ذوي الشهرة بدلفت. كان الثلاثة من المواهب الفنية البارعة، لكن مع الأسف، الضياع والنسيان طوى ما أبدعوه، ولم يبق سوى نتفات مما كتب عن حيواتهم، وحتى الأرشيف الهولندي نفسه لا يتوفر إلا على نتف من المعلومات الصورية والنصية عن الفنانين الثلاثة.

كان يوستوس كورنيلسز شتولينج فنانا متميزا، متخصصا في فن الجداريات Fresques، مما رشحه ليلتحق عام 1620، ببلاط السلطان المغربي زيدان بن أحمد المنصور، (حكم بين العامين 1613 و1628)، وعمره لا يتجاوز خمس وعشرين سنة، ليصمم ويسهر على إنجاز جداريات فنية بقصر البديع بمراكش. ولحد الآن وحسب ما توصل إليه بحثنا، يعد شتويلينج ثاني فنان أوروبي زار المغرب وأقام به، حيث قضى، مرغما، بالمدينة أربع سنوات، ثم انقطع أثره فجأة، في العام 1624.

سفره إلى المغرب
في الثامن من شهر يوليو 1620، أرست سفينة جاك فابر **Jacques Fabre، بشاطئ مدينة أسفي المغربية. كان جاك فابر، مبعوثا من الملك الفرنسي لويس الثالث عشر إلى السلطان زيدان، في محاولة لتخليص الفرنسيين المعتقلين بمراكش، منذ قضية كاسطلان وخزانة المخطوطات الملكية. وقد اكتسب جاك فابر ثقة السلطان المغربي فأسند إليه مهام متعددة، منها تتبع سير العلاقات الاقتصادية والعسكرية التي تربط المغرب بهولندا، وكان من مهامه الإشراف، بترخيص من الولايات العامة، على تجهيز ترسانة مدافع لصالح السلطان. وبعد شحنه الترسانة المدفعية، أبحرت سفينته اتجاه المغرب، وبرفقة الطاقم الرسام يوستوس شتولينج، الذي اقتُرِح من طرف الولايات العامة الهولندية ليضع فنه في خدمة الشريف السعدي مولاي زيدان لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، كما تقول المصادر.

في العام 1623، ستصل السفينة الهولندية Overijssel تحت قيادة الكابتن فان كريبن إلى ميناء سلا، وعلى متنها Albert Cornelis van Ruyl ، تاجر ممتاز بشركة الهند الشرقية الهولندية VOC. وخلال زيارة ألبرت رويل لمراكش ستتاح له فرصة اللقاء بالرسام شتولينج عدة مرات ويصبحان أصدقاء. يغادر رويل مراكش، ويواصل شتولينج عمله في سرايا القصر السلطاني. فقد يبدو أن عمله كان موضع تقدير كبير من قبل الملك، حتى أن الأشهر الستة المتفق عليها، تحولت إلى سنوات أربع.

وفي 11 نونبر 1623 سيزوره رويل بمخيم محلة السلطان ليودعه، وآنذاك سيطلعه شتولينج على حالته: أنه “بعد عامين في خدمة السلطان لم يتلق فلسا واحدا مما جعله يعيش في فقر مدقع”. وكانت فرصته الوحيدة ليطلب من صديقه رويل، بصفته المفوض لحكومة شمال هولندا بالمغرب، أن يرفع قضيته إلى الولايات العامة حتى تتدخل لدى السلطان عساه يفك “أسره”.

بعد عودته إلى هولندا، طرح رويل القضية على حكومة الولايات العامة، موضحا لها الحالة المزرية التي يعيشها الرسام يوستوس في المغرب، وما يعانيه من شجون وأحزان، وكيف أنه محتجز ضد إرادته. وتثبت «المصادر غير المنشورة لتاريخ المغرب” للكاتب دوكاستري أن ألبرت فان رويل لم يكن الوسيط الوحيد في القضية، بل هناك العديد من التجار تشفعوا لدى حضرة السلطان كي يسمح ليوستوس بالمغادرة، وقدموا ضمانات لعودته، لكنه تشبت برأيه وبات يرفض كل طلبات الشفعاء،

مدعيا أنه بحاجة ماسة إلى الرسام يوستوس، لذلك أصدر أمرا يَحْظُرُ على رويل أن يُقِلَّه على متن سفينته التي غادرت المغرب في 1 يونيو 1624.

وفي 21 نوفمبر 1624، قررت الولايات العامة رفع القضية إلى السفير المغربي في هولندا، يوسف بسكاينو Youssef ïnoBisca ، الذي بعثه السلطان حاملا رسالة احتجاج على التجاوزات التي ارتكبها هولنديون في حق بعض المغاربة.

في السادس من يناير 1625 يعود بسكاينو إلى المغرب، وتنقطع أخبار الرسام يوستوس فان شتويلينج، وتتوقف السيرة الفنية لرسام بارع من العصر الذهبي الهولندي، فلو عاش لكان من عيار رامبراند Rembrandt (1606 ـ 1669)، وفيرمير Vermeer (1632 ـ 1675)، وفرانز هالس Frans Hals (1580 ـ 1666) …ولو بقيت الأعمال الفنية التي أنجزها بالمغرب، كجداريات قصر البديع لكان لتاريخنا التشكيلي شأن آخر.

هوامش

* العصر الذهبي الهولندي ، بالهولندية: Gouden Eeuw كانت فترة في التاريخ الهولندي، والتي امتدت طوال القرن 17م، حيث تفوقت التجارة الهولندية والعلوم والقوة العسكرية والفن في العالم. وتميز النصف الأول بحرب الثمانين عاماً حتى 1648م. ثم تمتع العصر الذهبي بوقت سلم خلال الجمهورية الهولندية حتى نهاية القرن. ومن الفنانين الذين تألقوا في ذلك العصر: رامبرانت هرمنسزون فان راين Rembrandt Harmenszoon van Rijn (1606 ـ 1669)، و فرانز هالز (1580 ـ 1666)، و يوهانِس فيرمير والمعروف باسم فيرميرJohannes Vermeer (1632 ـ 1675) …(ويكيبيديا)

** لم يشغل جاك فابر منصب قنصل فرنسا في المغرب كما تزعم بعض الوثائق، بل كان يقيم بمراكش كتاجر مهرب ودون مهمة رسمية.

أرسله مولاي زيدان في مهمة إلى هولندا في عام 1619، ثم عاد عام 1620 ومعه الرسام الهولندي جوستوس ستولينج. تم تسجيل وجود جاك فابر في المغرب في الأعوام 1619 و1620 و1622 و1628 و1624. (انظر السلسلة الأولى، هولندا، ج. 3) ** * البرازيل الهولندية، تعرف أيضاً باسم هولندا الجديدة، كانت الجزء الشمالي من البرازيل، يحكمها جمهورية هولندا خلال الاستعمار الهولندي في الأميركتين بين 1581 و1654

مراجع

· عبد الهادي التازي ـ التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المجلد الثامن السعديين، 1988
· عبد الهادي التازي ـ قصر البديع بمراكش من عجائب الدنيا، وزارة الشؤون الثقافية الرباط 1977.
· شربا داغر ـ الفن العربي الحديث ظهور اللوحة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2018
· محمد الصغير اليفرني ـ روضة التعريف بمفاخر مولانا إسماعيل بن الشريف، حققه عبد الوهاب بن منصور، الطبعة الثانية، المطبعة الملكية الرباط 1995
· عبد الرحمان بن زيدان ـ المنزع اللطيف في مفاخر المولى إسماعيل الشريف، تحقيق عبد الهادي التازي، مطبعة إديال الدار البيضاء 1993 · De_vergeten&redirect

· Michel Abitbol, Histoire du Maroc, Paris, Perrin, 2009, p. 358.
· Lope de Vega, Mémorial informatif des peintres dans le procès (…) sur l’exemption de l’art de la peinture , réuni dans Calvo Serraller, Francisco, Peinture de la Théorie de l’âge d’or , Madrid, Chaise, 1991.
· Marlène Lespes ـ De l’orientalisme à l’art colonial : les peintres français au Maroc pendant le Protectorat (1912-1956), THÈSE de Doctorat, Université Toulouse Jean Jaurès 2017
· Le Comte Henty de Castries – Sources inédites de l’histoire du Maroc, 1ère Série, Pays-Bas, T. IV, Requête de Ruyl du 15 novembre 1624, p. 46.
· Khalil M’rabet – Peinture et identité l’expérience marocaine, ed. L’Harmattan, Paris 1987

لا تعليقات

اترك رد