سَيِّدَتِي الْمُعَلِّمَةُ

 

إنّها أوّل معلّمة في تاريخ البشريّة يجتمع إليها مريدوها فلا تُلزمهم أماكن بعينها لا يبرحونها طوال الدّرس، ولا تُطالبهم بعدد من الدّفاتر يقلّ أو يكثر بعدد الموادّ الّتي أمعنت المدرسة في تجزئتها وفي تصنيفها ووضعت بينها برازخ فلا تبغي إحداها الأخرى، ولا تُملي عليهم معلومات يسجّلونها في دفاترهم، ولا تملأ أسماعهم بالمواعظ أوامر ونواهي…

إنّها أوّل معلّمة في تاريخ البشريّة تعتمد مع مريديها المقاربة بالمشروع؛ مشروع يختاره هؤلاء المريدون بملء عقولهم وبدفق عاطفتهم، مشروعٍ يؤصّلونه في ثقافتهم فيؤصّلهم في اجتماعهم وفي إنسانيّتهم، مشروع يستنفر معارفهم في سياق جديد، ويدفعهم إلى التّعلّم بالعمل.

كان لا بدّ للمريدين أن يجتمعوا وكان لا بدّ لاجتماعهم من مكان وزمان حميمَيْن، ثَمَّ يحدّدون الموارد المطلوبة: سُلّم إلى المراقي، بُسُطٌ كَنَدِيّ الأكُفّ، أمشاطٌ لغدائر شَعْرِها، منشار لقطع ما شرد من الأغصان، غرابيل تستصفي فلا شَوْبَ، أوعية كالقلوب حافظة، مواعين، فصول من كتاب الإمتاع والمؤانسة، العدد والعدّة… نجيبةً يركبونها إلى حيث يريدون.

ما احتاجت معلّمتهم لحصّة تأليفيّة لمحور المدينة والرّيف وجدول في مباهج هذا وذاك وفي صعوبات العيش في كلّ منهما، سينتقلون من حضر إلى مدر ومن “حسن مجلوب بتطرية إلى حسن غير مجلوب” وسيكتشفون الفرق بين الحالين، وسيعيدون قراءة أسطار كتابهم مكتوبة بضوء الحياة وألوانها.

هي أوّل معلّمة في تاريخ البشريّة تعدّهم لمواجهة الحياة توقد عزمهم وتصميمهم وتمتحن معارفهم وقدراتهم في ذات الوقت الّذي تبنيها وتطوّرها فتضعهم إزاء وضعيّة مشكل تستدعي جملة من الكفايات ويتوخّون من أجل حلّها استراتيجيّات عرفانيّة وما ورا عرفانيّة ووجدانيّة: عليهم دراسة مَجْناها وتقدير زمان الجني والتّخطيط لفعل الجني مراحلَ متدرّجة مستوفاة وتوزيع الأدوار على الجناة: هذا الفتى الرّشيق للسّامق المتطاول من الأغصان، وذانك الشّديدان للسلّم يُقيمانه ويتحرّيان ثباته في موضعه ويعلوان قائمتيه يَضْفران جُهديْهما في جَنْي أسْماط النّور مدَّ ذراعَيهما وطُولَ قامتيهما، وتيك الفتيات لِما دنا وتدلّى ينثرن حبّات عقدها النّظيم لِوقعهنّ على البساط طقطقة تُطربهنّ وتُذكي نشاطَهنّ، وللنّساء تدبيرهن الجميل وللشّيوخ حضورهم الوارف…

هي أوّل معلّمة في تاريخ البشريّة تعتمد البيداغوجيا الفارقيّة فلكلّ في حضرة درسها العمل الّذي يناسبه والدّور الّذي يقدر على الاضطلاع به والمهارة الّتي يتقنها وهي أوّل معلّمة تذكي الصّراع العرفانيّ الاجتماعيّ لتطوير القدرات.

هي أوّل معلّمة في تاريخ البشريّة تبادر إلى ما سيسمّيه النّاس بعد قرون من الزّمان بمهارات الحياة فتُكسب مريديها مهاراتِ التّعامل وإدارة الذّات، مهاراتِ التّفكير وصنع القرار، مهاراتِ التّواصل والعلاقات بين الأشخاص.

كانت تقف بينهم شامخة وهم يرسمون أهدافهم ويتخيّرون طرائقهم في تحقيقها، ويجرّبون استراتيجيّات مختلفة لبلوغها، وهم يتحاورون ويتجادلون، وهم يفعلون ويستدركون، وهم يذلّلون صعابا تعترضهم، وهم يقيّمون أداءهم ويعيدون نظرا في فِكَرٍ انتهوا إليها. هي أوّل معلّمة عرّفت البيداغوجيّين معنى أن يكون المتعلّم مستقلّا l’apprenant autonome .

كان المريدون الصّغار يكتشفون معجم الجني أفعالا وأدوات وموضوعا والحقولَ المعجميّة المجاورة، كانوا يجرونه في التّركيب يعبّرون عن أنفسهم حاجاتِهم ومواقفِهم، كانوا يتعلّمون اللّغة وهم منصهرون في الوضعيّة ذات المغزى بالنّسبة إليهم. سيكون هذا فتحا في تعليميّة اللّغات بعد أزمان.

كان فضاء الدّرس مفتوحا: الحركة داخله متاحة، العبور منه إلى فضاءات أخرى ممكن وضروريّ أحيانا، اللّقاء فيه بمريدين آخرين من فضاءات أخرى باعث على السّعادة وداع إلى التّثاقف والتّشارك والتّعاون. كان تنافذٌ وتصادٍ ولقاءٌ.

كان الدّرس وئاما بين الفعل والقول يَعطف هذا على ذاك، ويُعين ذاك على هذا. كان الفعل كَبَدًا وكان القول رَوْحًا. كان الفعل جِدّا وكان القول هَزلا “والهزل عينُ الجدّ إذا أريد به الجدّ”. كان “الحنك والمغزل” يغزلان الكلمات والضّوء وأواصر الحياة.

انتهى الدّرس وقد أودعت السّيّدة المعلّمة عقول مريديها وقلوبهم جناها: أن تكون هو أن تريد وأن تسعى إلى ما تريد. إنّك لن تتعلّم حتّى تكون مسؤولا عن تعلّمك. أن تتعلّم هو أن تحيا بجميع أبعادك.

آب المريدون من درسهم وما احتاجوا إلى دروس خصوصيّة تذلّل لهم ما استصعبوا لانّهم في درسهم قد ذلّلوا كلّ صعب وذاك هو الدّرس. آب المريدون من درسهم وقد وجدوا في أنفسهم قدرة لم تكن لديهم ومهارة كانت تعوزهم، أب المريدون من درسهم وقد خطّوا معارفهم أثرا في الوجود باقيا. آب المريدون من درسهم وهم أوفر حظّا من ذواتهم إيمانا بها وتقديرا لها وعملا على تطويرها.

عندما فرغت من درس سيّدتي المعلّمةِ الزّيتونةِ الخضراءِ بنت الأرض سيّدة الخصب ولسان الحياة تساءلت: إذا كانت المدرسة تعدّ أبناءنا للحياة فلم تقدّم دروسا لا أثر فيها للحياة الجديدة البديعة المُلهِمة الخلّاقة؟

لا تعليقات

اترك رد