تهميش الثقافة والمثقفين في بلد الثقافة ج 3

 
اللوحة للفنان ماضي حسن

يحتاج التعلم إلى أجيال متفاهمة مع بعضها البعض لكى تتم عملية التعلم، ومعظم الأنواع من غير البشر مهددة بالانقراض من أبناء عمومتهم من بنى البشر.

وكما هو معروف برغم ان البشر قام بالاختراعات والصناعة والعلم والبناء والتكنلوجيا الحديثة، لكن نفس الوقت تم اختراع أسلحة ومواد نووية مدمرة للبشر والكائنات الأخرى، انها صراعات وقتل ونفي حتى لبعض الحيوانات إلى الانقراض، في نهاية المطاف، بغض النظر عن الجدارة، يجب أن ترتبط ثقافة البشر مع السلوكيات المذهلة لغير البشر الإيجابية للكائنات الأخرى.

حيث يرى ماكجرو مفهوما لكلمة ثقافة مبنيا على فكرة وجود الاستفادة العلمية من دراسة ثقافة الحيوانات الراقية.

ويشير إلى أن العلماء لا يمكنهم الوصول إلى أية أفكار موضوعية أو معارف من تلك الكائنات ، وبالتالي، إذا تم تعريف الثقافة من حيث وجود المعرفة، فإن محاولات العلماء لدراسة ثقافة تلك الكائنات سوف تنحصر في نطاق ضيق للغاية. وبناء عليه، بدلا من تعريف الثقافة قي ضوء المعرفة، يرى ماكجرو بأنه يمكننا النظر إلى الثقافة باعتبارها منظومة.

وقد أوضح ستة خطوات لتلك المنظومة:
لابد من وجود اكتساب سلوك من نوع جديد، أو على الأقل تعديل لسلوك كان موجودا مسبقا. لابد لهذا الكائن الذي اكتسب سلوكا جديدا أن ينقله إلى غيره من بنى جنسه. يتسم السلوك الجديد بالترابط قي حد ذاته وفيما بين الكائنات المكتسبة له بعضهم البعض، في ضوء الخصائص السلوكية المتعارف عليها. يجب أن يتسم السلوك المكتسب بالاستمرار لكي يقوم بممارسة أثره أطول فترة ممكنة بعد فترة الاستجابة.

ينبغي أن ينتشر هذا السلوك في شكل وحدات اجتماعية:
قد تكون هذه الوحدات الاجتماعية على شكل عائلات، عشائر، قبائل، أو أقارب.

وسوف اتحدث لاحقا واوضح اسباب تدهور تقدير الثقافة والمثقفين في بلد العراق ومن قبل افكار وجهات سائدة في البلد الآن بعد توضيح مفهوم الثقافة.

يعترف ماكجرو بأن الستة عوامل قد تكون دقيقة إلى حد ما، وذلك نظرا لصعوبة مراقبة سلوك الحيوانات الراقية في البرية. لكنه يصر أيضا على ضرورة أن يتصف بالشمولية قدر الإمكان، وذلك لما يراه من ضرورة وضع تعريف لكلمة ثقافة “تخيم بظلالها على أوسع نطاق “:

وتعتبر كلمة ثقافة سلوك يتم تجميعه من خلال مجموعة عوامل دقيقة، على الأقل مثلا، من التأثيرات الاجتماعية.هنا، تعتبر هذه المجموعة كيانا مستقل، سواء أكانت، فصيلة، ذرية، مجموعة فرعية أو غير ذلك. ولعل دليل بريما فاشيا Prima facia على وجود ثقافة لدى الكائنات يأتى من خلال دراسة سلوك فصيلة واحدة بعينها، ولكن من خلال عدة عوامل تتميز بالتباين في السلوك فيما بينها، كما أنه يوجد لدى مجموعة من الشمبانزى خصائص معينة قد تكون غير موجودة عند غيرهم في مجموعة أخرى، أو قد تؤدى أفراد

طوائف مختلفة أشكالا مختلفة من نفس السلوك. كما أنه قد يقوى احتمال وجود ثقافة ما في الحركات التي يؤديها الكائنات عندما لا يمكن تفسير هذا التباين بين الطوائف المختلفة من خلال العوامل البيئية فحسب.

وفي ظل الأنثروبولوجيا المادية السائدة، يميل العلماء إلى الاعتقاد بضرورة وجود تعريف أكثر تحديدا.
يهتم هؤلاء الباحثين بعلة ارتقاء البشر ليكونوا مختلفى الطباع عن بقية الفصائل الأخرى.

وهناك تعريف أكثر دقة لمفهوم الثقافة، والذي يستثني السلوك الاجتماعى للكائنات الأخرى من غير البشر، والذي من شأنه أن يسمح لعلماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية بدراسة كيفية تطور قدرة البشر الفريدة على اكتساب مفهوم “الثقافة”.

تميز تطور البشرية المعاصرة بالسرعة: فعلى سبيل المثال لقد تطور (الأوسترالابيثاسينز) Australopithicenes منذ ما يقرب من أربعة ملايين سنة مضت، على عكس ما هو الحال بشأن الإنسان المعاصر الذي استغرق عدة مئات الآلاف من الأعوام ولقد طورت الإنسانية خلال هذا الحقبة ثلاث سمات مميزة ألا وهي:

اولا : القدرة على تكوين واستخدام الرموز التقليدية، بما في ذلك الرموز اللغوية ومشتقاتها، مثل اللغة المكتوبة والرموز الرياضية والملاحظات. ثانيا: القدرة على تكوين واستخدام الأدوات المعقدة وغيرها من التكنولوجيا المفيدة.

وثالثا: القدرة على تكوين مؤسسات وهيئات اجتماعية ذات طابع راقى.

في ضوء نتائج البحث الأساسي والذي يضم دراسة حول الإنسان والكائنات الراقية وما اكتسبت من مهارات التعامل مع الآخرين واستخدام الأدوات وآليات التعلم – بأن سر تقدم الإنسان على تلك المخلوقات يتمثل في (اللغة، والتكنولوجيات المعقدة، التنظيم الاجتماعي المتشعب) وتعدّ كلها عوامل تمخضت عن كم الموارد المعرفية الهائلة لدى البشر. وهذا ما يسمى “بالتأثير التدريجى” أي: “مشاركة مجموعة من الأشخاص أفكارا مبتكرة يعملون على نشرها فيما بينهم وفي الوقت ذاته يتم اختيار زعماء لتلك المجموعة من الشباب في مقتبل العمر حتى تساعدهم لأن يظلوا كوحدة متضامنة في نموذج متجدد إلى أن تأتى بارقة أمل على الطريق”. ويتسم الأطفال حديثى الولادة بالمهارة في تعلم سلوك اجتماعى من نوع خاص بالفطرة.

لعل من أهم ما ترتب على ذلك خلق بيئة محببة للابتكار الاجتماعى لديهم، مما جعلهم أكثر قدرة على التكيف ليس هذا فحسب بل والتواصل مع الأجيال الجديدة على عكس ما هو الحال في الابتكار الفردي. وكما يرى توماسيلو ينقسم التعلم الاجتماعى – هذا الذي يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الراقية والذي يمثل دورا محوريا في عملية التطور الإنسانى – إلى عنصرين: أما الأول، فهو ما يسمي”التعلم عن طريق المحاكاة، “(في مقابل “التعلم عن طريق المنافسة” والذي تتصف به فصيلة الكائنات الأخرى)، وأما الثاني، ففى الواقع يعبر البشر عن تجاربهم بطريقة رمزية (بدلا من طريقة التماثيل، كما هو الحال بالنسبة للكائنات الأخرى). لذلك يمكن كلا من هذين العنصرين البشر من الوصول إلى درجة من الإبداع والحفاظ على المخترعات المفيدة في نفس الوقت. وعلى هذا النحو يتبلور ما يسمى بالتأثير التدريجى.

المقال السابقالحياة ومعانيها
المقال التالىالكرد واللغة العربية
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد