كتاب “هذا قدري” للشّاعر السّعودي عبد الله الخضير الشّعر… قريبا من القدامة، بعيدا عن الحداثة

 
كتاب

“هذا قدري” كتاب شعري صغير الحجم، لا يتجاوز 83 صفحة للشاعر السّعودي عبد اللّه الخضير، صادر عن نادي الأحساء الأدبي سنة 2013. قرأته بغرض الكتابة عنه، ثمّ تركته فترة، ثمّ عدت إليه، وبقي إحساسي متوتّرا، فالشّاعر شاب ابن عصره لكنّ الحساسيّة الشّعرية التّي تسيطر على الكتاب حساسيّة تراثيّة يغلب عليها ريح القدم ورمل التّراث. وفي جميع نصوص الكتاب تفيض روح نصوص وإيقاعات ونبرات، بغضّ النّظر عن جودتها في ذاتها، فإنّها ليست من نبات العصر الحديث، يقول في بعض أبياته:
على الضّفاف سيبقى الحبّ عنوانا
والأرض غنّت من التّاريخ ألحانا
هذا البيت عدا ما فيه من نظم يقوم على استعادة لنصّ قديم، لم يرتق إليه شعريّا، يقدّم صورة بسيطة تلخّص علاقة الشّاعر بتراثه، فهو مثل الأرض يستمدّ من التّاريخ لحونه، تلك اللّحون التّي يبقى فيها الحبّ عنوانا. وغناؤه دفق من العطر ينساب ريحانا. كما يتوضّح في البيت التّالي:
على الضفاف ، جميل الشعر أسكبه
دفقاً من العطر إذ ينساب ريحانا
مشهد لا يكتب التّاريخ فعليّا، ولا يقاربه، بل يستعيده فقط بالقول، ولا يكتبه فعليا. وحتّى تضمينه لبعض الأماكن في شعره فإنّها ظلّت معلّقة في نصّ أقدم سيطر على النصّ سيطرة كلّية. والحقّ أنّ الشاعر في نصّه أراد أن يكتب ما هو خاص، وأن يقول ما يريد في علاقته بأرضه لكنّه نظرا لانشداده إلى ضرورات تتعلّق بالمجاراة فإنّه غلّب ما هو ثقافي على ما هو ذاتي وحميمي وخاص في الإحساس وفي الكتابة.

يصدر الكتاب كلّه عن نفس مثقلة بالعاطفة بوجهيها الحزين والمحبّ، عاطفتان تتأكّلان قلبه الغضّ، وهو يداور بينهما بألف ريح وريح، فلا حصانه أسعفه ولا المحبّ أقرّه على أمره ولا حزنه أورق وأخرج من خلل الحروف زنابق ورؤى تجمّل ليل الكائن وتسعد لياليه.

يقول عن الموت نصّا جميلا لو ترك على راحته، ولو أنسي الشّاعر فيه أمره، وأطلق لذاته المعذّبة اليد. لكنّه ينقلنا في سياق الشكوى الرتيب إلى صورة معهودة في شعر الموت وهي الملل والإعياء والضيق، هكذا دون صور بيانية تعمّق دوائر السّواد ودون أسطورة ترمي بجناحيها على ليل النصّ ونهاراته ودون علبة أدوات الشّاعر التّي نسيها فوكو، ويصبح النصّ كلّه تصريحا من قبيل همّي فوق ظهري يكتويني، ورحلي قد نأى عنه المزار، وهي صور بسيطة وغير واقعية فالهمّ لا يكتوي ولا يكوي فوق الظهر، وليس للشاعر مزار لينأى عنه، وإنّما الشاعر لأنّه محكوم بنظام تصوّري تراثي أعاد إنتاج نفس المنتج المعروف، ونحن لا نعدم رغم ذلك بعض الأسطر المضيئة، مثل قوله:
تؤرجحني رياح الموت
أو قوله:
أنا والحزن نسمر كلّ حين
إنّها جمل نديّة ناعمة قريبة المأخذ لا تشبه في شيء قوله:
وقبري قد أحاط به السّوار
أيّ شيء هو السّوار هنا، عدى ما تريده القافية، وفي قوله:
ولا أدري إلى أين المسار؟
أيّ شعر في هذا السّطر؟. إنّ الغاية في النصّ هي كتابة فكرة الموت وقلق الكائن ورعبه من تصوّره لدود الأرض وهو يقرض جسم أحبّته، وهو غرض من أشرف أغراض الشّعر وأكثرها تأثيرا في النفس، وأصعبها كتابة، وشعر الموت لا يتطلب فقط لعبة الاستعارات الصّغيرة التّي تجري في الأسطر المفردة، بل يفتح فمه على استعارات كبيرة موسّعة تفغر فمها لتكشف سمّ الموت وتعبيراته القاتلة، المشكلة في هذا النصّ أنّه يريد وضع البحر الذّي هو هنا الموت في كأس أي قالب شعري محدود المجال والصّلاحيّة، وحدث الموت الهائل الذّي يرفرف بجناحيه على العالم حدث نهّاش بتّار مخيف لنا حوله في تراثنا الشّعري نصوص من درر الآداب ولنا فيه من صور الجمال ما يدفعنا إلى تقصّيها ومحاولة الإصغاء لها، ليس في القديم فقط بل في الحديث العربي والغربي، ومثاله رواية “انقطاعات الموت” لجوزيه ساراماغو التّي جعل فيها الموت شرطا من شروط الحياة. أردت أن اقول أنّ للشاعر طرقا في تحصيل المعاني شتّى أسهلها وأقلّها تأثيرا هو الوزن بمعنى التزام البحر والتقفية، وهو أمر محمود في ذاته لكنّه لا يكفي لإقامة نصّ حديث حيّ مختلف. إنّ الشّاعر حين يقول:
كأنّما الموت يغزوني،
لا يفعل شيئا غير أنّه صرّح بأمر، ولم يدفع المعنى إلى مضايقه، ولم يخيّله، ولم ينبت ظلالا لمعانيه ولا بدورا لظلماته، وهو في قوله: أردّد الموت في تنهيد أبياتي لا ينقل لنا الفاجعة الساحقة الماحقة المفزعة وهي وحشيّة الموت، بل يتركه مفعولا به تتنهّده الأبيات العاجزة. إنّ إجابة إرنست هيمنغواي للصبيّ في رواية الشيخ والبحر حول كيف نصيد السمك تهمّنا جدا هنا، نصيد السمك بأعمارنا، نعم يحتاج الشعر مثل صيد السمك أن نطرق أبوابا غير مطروقة، أن نتوسّل بآلات الشعر التّي ثبتت فعاليتها، وهي كثيرة جدا. أقول ذلك لأنّ للشّاعر قدرة ظاهرة على التلاعب بالكلمات ومداورتها في حدود التشبيه والاستعارة وظاهر الوزن، وفي حدود قراءاته. وإنّ عبارات من نوع: وكتبت عنواني على رمل الأسى لا تسعفنا بالكثير حين يكون سهم الرّدى قد أطلق وأصاب، وكذلك عبارته: وبقيت وحدي فوق تيّار الخطر، مجرّد تعبير تقريري يفيد من جهة الخبر ولكنّه من جهة إنشاء استعارة الكون والاستحالة والمأساة، لا يفيد في شيء.

يتحرّك شاعرنا في دائرة الموت والحبّ كما قلنا، وكما توقّفنا عند بعض صور الموت يحسن بنا أن نكمل. إنّ نفسه التي فجعها الموت فبكت، أحبّت وعشقت، وفي الكتاب نصوص تلهج بنوع من الحبّ الحييّ الرضيّ دون كثير اشتغال، تذكر فيه المرأة ذكرا عفيفا في الغالب، ففي قوله:
إذا ابتسمت يجول الشعر في خلدي
وإن تنفّست غنّى الطّير ألحاني
يتمّ ربط المرأة بالكلام وبدورة الشعر والحياة وهذا عميق مطلوب، فتنفّسها يدفع الطّير ليغنّي، كلّ هذا ممّا يدعم فكرتنا أنّ الشّاعر يتوفّر على مساحات جمالية يمكن تطويرها لأنّها في الغالب تسقط في ملاحقات لنزار أو لهذا الأندلسي الذّي لا أعرف لماذا يقولون عن نصّه أنّه رائع، أي ابن زيدون. ثمّ هو محكوم في قول الحبّ بتراث تخييلي قديم لا يكاد يخرج عن قيس وليلاه وما يرتبط بذلك الشعر من بكاء ودمع، والشواهد على ذلك كثيرة.

يدور الكتاب كلّه على المشاعر المتضادة، ويبقى موضوعه الرئيسي ذات الشّاعر في علاقاتها بما حولها من أشخاص وأمكنة، وهذا في حدّ ذاته ليس من عيوب الشّعر ولا من حسناته، فالشّعر لا يكون شعرا حين نهتمّ فيه بالابن والأب والصاحب والصّاحبة، ولكنّه يكون مهمّا حين تدار فيه الأمور على غير أسمائها كما قال حسين الواد مقتبسا قول بشّار، على الشّاعر أن يكتب من خلال ذاته ذلك الدّفق الإنساني الهادر العظيم الذّي يمور في ليل اللغة، فيجعلنا نقف في مرآة ذاته التّي أصبحت مصفاة أو مزارا، وأن يرينا خطفات الموت واندفاعات الحياة في نفسه، وهو قادر. فلغته تنبئ عن قدرة على التلعّب بالأسماء والأفعال كما قال أبو تمّام، وميله للنسج على منوال يخرج عن ولعه بالقراءة، وبعض استعمالاته الاستعارية تنبئ عن رغبة في المزيد من فتح النصّ على تراثاته الحقيقية وهي بلاغة النصّ القديم وبلاغات النصوص الحديثة.

إنّ في النصّ نفسا، لا أقول رومنسيا، بل يميل إلى استعمال الطّبيعة كالأندلسيين، مثل قوله:
أعانق الفجر فجر الشعر مبتسما
وساحل الشّوق أزهار وريحان
حتّى اتّكأت على روض يسامرني
أزهاره انتعشت والورد هيمان
وهي من الصّور الشاعرية كما يسمّيها عبد الرزاق حسين في دراسته القيّمة عن الكتاب، ولكنّها تخبر عن مرجعيّة ليست بنت عصرها بل هي بنت عصر الأندلسيين، فيها تصوّر للوجود قديم أو على الأقلّ لا ينهض بأعباء لحظتنا الحاضرة. لقد جعل الشاعر الشوّق ساحل أزهار وريحان، وكأنّ الرّيحان ليس في قائمة الزهر؟ واتّكأ على روض يسامره، وهذا الرّوض فيه أزهار وفيه ورد، وكأنّ أحدهما ليس الآخر. إنّ الذّاكرة، ذاكرة الشّاعر محكومة بنصوص معيّنة، أفسدت عليه الكثير من التقاطاته الرّائعة، فبدت مثل صورة الزورق الولهان ليست من متاعه، بل ممّا بقي راسخا من تراث معيّن في ذائقته. ثمّ ما لك وللورد؟ وأنت تعانق الوجود الذّي أفقدك كلّ غال ونفيس؟ كيف نكتب الفرح فلا ننسى الآلام العظيمة؟ ونكتب الألم فنترك فيه مسارب لفرح عظيم؟

نعم، في الكتاب روح شاعر، عنده عاطفة متدفّقة، وثّابة، في لبوس يغلب عليه القدم في الحساسيّة وليس في الشكل فقط وهنا الخطورة. مثل قوله:
لستُ مجنوناً كقيسٍ
مات عشقاً وتفرّد
بل أنا العاشقُ ليلى
وفؤادي صار مرقدْ
ولقد سررت بدراسة عبد الله حسين وبجميع توجيهاته التّي شملت الكتاب بالفحص والمدارسة وأكيد أنّك أفدت منها إفادة كبيرة. وفي جميع نصائحه نفاذ إلى ما به يكون الكلام شعرا. أقول ذلك لأنّه قد كفاني أمورا كثيرة ووفّر على الدارسين جهودا. ولعلّ في قوله : وأنت يا ولدي شاعر لكنك إذا أردت أن تكون كما أريد فاغرف من الشعر أعذبه، ومدَّ وردك من ينابيعه، وموردك عذب، وأنا أحبك. ما يتجاوزك أنت، إليّ، وإلى كلّ مشتغل بعلم العرب الذّين لم يكن لهم علم غيره.

والكتاب ينفتح على عديد القضايا نذكر منها الذات والهوية وغيرها ممّا تضيق به النّفس، كما نلمس أنّ الخطاب يحاول في عديد النّصوص الانفتاح على مناخات التجريب والتحديث دون أن يذوب فيها كما يقول عامر الحلواني، إذ نوّع آلياته بين قصيدة وأخرى تنويعا لا نراه يفي بحاجات الشّعر المتعاظمة. ولقد نوّع مقاصده ونواياه فطرق بعض قضايا الفكر وقدّم تصوّره حول الإبداع وعبّر عن حيرات وجودية متعاظمة. وهو على حدّ عبارة عامر الحلواني: “بذرة خصيبة في حقل التجربة الإبداعية بالمنطقة الشرقية”، فقد استطاعت أن تحدّد الصورة المثلى للإنسان المطارد في نفسه، والمسحوق في غربته، وباحت أيضا بتأمّلات منشئها في الحياة والموت والوجود وجوهر الإنسان وماهيته “.

وهذا القول الذّي يرى أنّ في الكتاب إضافة للمشهد الإبداعي في الأحساء استدرك أمورا منها أنّ الكتاب ليس على الدّرجة نفسها من النضج الفني والجرأة في التجدّد والرّغبة في مغامرة التّجريب. وهذا بيّن، وهو موضوع قراءتنا في هذا الكتاب. هناك توجّس وخوف لدى الشّاعر من الحداثة، وهذا التوّجس والخوف أثّر في جميع جوانب الكتاب.

أعرف أنّ مسألة علاقتنا بالتراث مسألة شائكة، تطرح غالبا ضمن دائرة التّناص. وربّما لو اهتمّ بها أحد الباحثين في الكتاب لوجد أنّ ما هو تراثيّ يشكّل عصب هذا الكتاب، وهذا أمر جيّد وله دلالات محمودة، ولعلّ مصداق ذلك ما قالته إلهام بنت عبد العزيز الغنّـام : “يظهر ذلك واضحا في ظاهرة التناصّ التي رفدت شعره برؤية عميقة وخدمت تجربته الشعرية”، لكنّ أن يصبح النصّ، بسبب هذه العلاقة، أسير أفق موسوم بالقدامة، لا من حيث الشكل فقط، وهو أمر خطير، بل من حيث الحساسيّة أيضا، فإنّ ذلك يصبح مثار تساؤلات ومراجعات كثيرة. إنّنا نجد في الكتاب نصوصا ليست على الشكل العمودي ولكنّها محكومة بهذا الأفق. تحضر في بعضها بعض التقنيات لكنّها تظلّ مشابهة للقديم ومحدودة الأثر، لأنّ الشّاعر، لسبب ما، لا يطلق في تربة النصّ محاريث الزّمان الثلاثيّة فيقلب التّربة تماما، ولا يطلق أساطيره في ليل النصّ كما أطلق السيّاب سربروس في بابل.

لا تعليقات

اترك رد