ميزان

 

الشّمس مهيبة .. تنظرُ و تختفي وراء سُحب بيضاء شفّافة .. نسمات باردة تداعبُ أغضان أشجار البرتقال و الزّيتون في الحديقة الواسعة .. هدوء تامّ في الشّارع الممتدّ .. عصافير تتحلّق حول برتقالة ناعمة .. و عصافير أخرى تتشوّف إلى الجبل الملاصق للبيت .. نوارسُ تلتحمُ بالأسماك تحت طيّات الأمواج الهادئة ثمّ ترتفعُ عاليًا في السّماء .. صيّاد يشدّ وثاق قاربه إلى الرّصيف .. نهض سعيدًا ، يغنّي و عيناه تلاحقان فراشات تتنقّل بين الفلّ و الياسمين في حديقة البيت .. المنظر ساحر .. ربط الستائر .. وفتح النّافذة .. على الطّاولة تجلسُ قطعة مرطّبات و كأس حليب .. صحن عسل و صحن زيت زيتون .. و رغيف خبز ساخن .. البيت جميل ، ممتع ، دافءٌ .. مزهريّة على طاولة أبنوزية .. و مكتبة ذهبية تحتوي مجلّدات و قواميس .. و قصص ألف ليلة وليلة و روايات و كُتب تفسير القرآن و مجلاّت قانونية و دستور البلاد .. اغتسل و تعطّر و أكل وشرب القهوة .. وغادر البيت .. أمام الباب غمرته مسحة حزن .. أحسّ بالفراغ الرّهيب الّذي تركه غياب زوجته وأبنائه .. ندم على سماحه لهم بالبقاء أسبوعا كاملاً في بيت صهره في ريف القيروان .. قرّر أن يقطع المسافة إلى المقهى على القدمين .. قرطاجُ تبدو رائعة هذا اليوم .. الأشجار خضراء مرتوية بعد الأمطار الغزيرة الّتي نزلت .. رنّ الجرس .. سحب الجوّال ، فتح الخطّ وقال: {ّ الأمر مختلف تماما .. اليوم ، ، نعم اليوم ، سأتحدّث مع الوزير في الموضوع ، لا ، آه ، نعم ، فهمتُ كلامك ، فقط قليلا من الصّبر ، الملفّ وقّعتُ عليه بالموافقة ، لا تشغل بالك الملفات الأخرى عند هيئة مكافحة الفساد ، أوكي ، نلتقي }.. تراءت له وجوه العملة الذين أنصفهم .. هاله منظر الدّموع تبلّل الوجوه المتعبة .. دموع الفرحة .. وهو يستقبلهم و يُعيدهم إلى مراكز عملهم ويسلّمهم مستحقّاتهم المالية بعد أن أطردهم صاحبُ الشركة خمسة أشهر .. خمسة أشهر يسكنون كوخا بلاستيكيًّا بجانب الشركة و هُم ينتظرون ساعة الفرج .. يدخّنون و يشربون الشاي و يتقاسمون طبيخ المرق و رغيف الخبز و الخوف و الانتظار .. بمفرده كشف لُغز السّرقة في شركة التغذية .. غمرته فرحة ملأت العالم من حوله .. فردّد عاليًا :{ مدير الجودة سارق .. العمّال لا يسرقون } .

لا تعليقات

اترك رد