هَذَا انْصِبَابُكَ فَكَيْفَ ارْتِفَاعُكَ ؟

 

كم يقع قلبك على المُشتهى فتطلبه حثيثا فإذا أصبته انصببتَ عليه بكلّ هوسك وجنونك وبكلّ اندفاعك وحُميّاك، كذلك الوقوع على الشّيء المُلتَذّ به حسّا ومعنى؛ السّماء ينصبّ ماؤها في الأرض الولود، العاشق ينحطّ في صَبَبٍ على المعشوق، القارئ ينصبّ في النّصّ البديع يقرأ من حديث التّعارف في الخمر:

“اِنْصَبَّ عَلَيَّ فَوَجَدْتُهُ صَاحِيًا مِنْ أَشَدِّ الرِجَالِ ثُمّ َشَدَّنِي إِلَيْه ِحَتَّى صِرْتُ مِنْهُ”

لا يكون الانصباب في الأصل إلا لما سال من الأكيال: “صبَّ الماءَ ونحوه يَصُبُّه صبّاً فَصُبَّ وانْصَبَّ” فنحن إزاء تعبير استعاريّ وصفه النقّاد القدامى بكونه قائما على “أصل هو المستعار منه، وفرع هو المستعار له. والأصل أقوى تمكيناً في الصّفات المراد إثباتها من المستعار له”. غير أنّه في النّصّ أبعدُ مدى من ذلك، إنّه تعبير عن حال من التّوحّد بين الذّات والموضوع، بين الأنا والآخر، إنّه خلاصةُ جملة من التّحوّلات التي شهدتها الذّات في رحلة وعيها، وتصوير لما لعج افتقارا وامتلاء.

الفعل انصبّ على وزن انفعل ويفيد هنا القيام بالفعل تلقائيّا. وقد تكرّر الفعل على مدى حديث التّعارف في الخمر معنى ولفظا وجذرا:

ü “وقعت على الزّقّ فصببتُ وشربتُ أقداحا” الوقوع على الشّيء طلبا له ورغبة فيه وحرصا عليه هو معنى الانصباب كذا وقعت ريحانة على زقّ الخمر، جاء به أبو هريرة، بعد كُره منها وإعراض” كرهت الخمر” وهذا أبو هريرة يحسُن في عينه انصبابُها “ما كان أحسنَ انصبابك على الزّقّ.

ü “أخذ الزقّ منّي كأنّما يريد ذلك فإذا هو قد رفعه وصبّه على رأسي… وقال: انظروا ريحانة الخمر”.

لم يرض أبو هريرة لريحانة أن تشرب حتّى تستحيل الشُربَ عينَه فعمّدها فكانت ريحانةَ الخمر. الخمرة عنده طقس يأتيه، كما يأتي النّسّاك طقوسهم، في انصرافه إليه انصرافا، يقصد إلى ما يريد قصدا وهو العارف “الكأسَ ما تجدي”؛ فقد تأخّر عن الرّجال وقد هُيُّئ الطّعامُ، وقد جاء القومَ بالزّقّ على غير مُنتظَر منهم طلبا لكمال المتعة “خوف أن تتوقّعوا فتذهب المتعة”، ومنع رجلا من الأنمار عن ريحانة، ثمّ أتاها كَرْها وقد منعتْ الآخرين” أخذني واحتملني وأنا أضطرب”، وانتظرت ريحانة أن يُشربَها الخمر فعمّدها، وهمّت به تريد أن تلطمه فاحتملها، وانصبّ عليها حتّى صارت منه. كان يطلب في حاله مرقاة أبعد.

مدهشة وفاتنة كيمياء النّصّ والجسد: قُدّم أبو هريرة وبينه وبين الخمرة اشتمال فالخمرة في رحْله “وقصد إلى راحلته فأخرج زقّا من الخمر”، وفي عقله “نحن نشرب ونحبّ من يشرب”، وهي في ثوبه شمولُ “الشَّمُول الخَمْر لأَنَّها تَشْمَل بِريحها النّاسَ”. فلمّا كان منها وكانت منه أمكن انصبابُه انصبابها. واستحال أبو هريرة وريحانة إلى الوَحدة في فعل العشق وفي حال الخمرة ” شدّني إليه حتّى صرت منه. فانصباب أبي هريرة على ريحانة

هو عين انصبابها على زقّ الخمرة هوى وشوقا ورغبة سُعارا. وفي الانصباب معنى الفحولة “وجدته صاحيا من أشدّ الرّجال”.

وتستوقفنا في هذه الصّور التّترى هذا المزاج الزّواج بين ضدّين: الماء هذا السّائل الكونيّ الّذي ننصبّ عليه ملحّين في الطّلب؛ طلبِ الحياة، والّذي ينصبّ علينا يوقظ ما سكن من حواسّنا وما غار من أشواقنا، والّذي ينصبّ فينا فيبعثنا بعثا آخر، لا يحضر إلّا مع زوجه الضّديد وهو النّار. اجتمعا بفي ريحانة في “حديث المزح والجدّ” “ماء حميما” ويجتمعان لاحقا في “حديث القيامة” أجسادا راقصة تسيل دماءً، وهما يجتمعان الآن في هذه الخمرة شرابا معتّقا يستحيل كحولا يشعل ماء الحياة فتشتعل له الأجساد. مزاج بين ماء ونار كلّ منهما يطلب الآخر. ها هو ذا أبو هريرة يلين وينصبّ ويرقّ كالماء وها هي ذي ريحانة ” تقوم والهةُ تضطرب” كالنّار. وليس كالماء يطفئ النّار “فجعل يرقّ ويحدّثني …إلى أن طابت لي ريح الخمر على ثيابي”.

ألا تعيدنا هذه الصّورة إلى خمريّات أبي نواس التي تستعير فيها الخمرة صورة المرأة تطلب بعلا هو الماء:

“قالت فمن خاطبي هذا فقلت أنا قالت فبعلي: قلت الماءُ إن عذبا” (1)

ونجد في صورتي انصباب ريحانة على الزّق وصبّ أبي هريرة الزّقّ على رأسها ما يحيل على صورة المرأة المستحمّة، صورةِ العري الأنثويّ المضمّخ بالشّهوة والرّغبة يذكيهما ريحان الحياة ولَذُها.

وهذا التّماهي بين الخمرة والمرأة الذي يعلنه فعل الانصباب، وحال الشارب آتيها” سكران عارف بالكأس ما تجدي” “يحدّثهم، ويضحك ضحكا كثيرا”، يجعل شربَ الخمر حالا من أحوال الذّات تطلب التّجلّي إمعانا في الحياة واحتفالا بلذائذها.

كذا أَرَتْ جذوةُ الجسد الملتهب رغبة واشتهاء أبا هريرة الوجودَ حسّا ينبغي أن تُقضى أوطاره هصرا لأفانين اللّذة.

ولكن في الانصباب معنى السّيلان والتّدفّق والحركة وهذا جوهر الحياة في الماء فإن سكن وركد كان الموت، وجوهر الحياة في الإنسان أرأيت حيّا يقيم على حال واحدة لا يغادرها؟ الماء الّذي هو الحياة تفيض جداولَ وأنهارا هو الموت أيضا يطِمر ويُغرق ويُذيب.

الماء كالنّار يُميت ويُحيي. ولا بدّ لأبي هريرة أن يَجريَ يَحملُ الوجودَ على نفي العدم حركةَ لا تني وقيامة. وإنّك سائلُه: هذا انصبابك فكيف ارتفاعك؟

(1) ديوان أبي نواس. تحقيق د/ عليّ نجيب عطويّ. دار مكتبة الهلال. بيروت. ط 1. 1986

لا تعليقات

اترك رد