مظاهرات لبنان

 

يمتاز لبنان بالثراء الفني والثقافي في كل المجالات الأدبية والفنية والسياسية والاجتماعية والثورية . فالمحطات اللبنانية مشغولة على مدار الساعة بملاحقة الأخبار في الغرب والشرق والشمال والجنوب ودائما تجد لها خبرا تحيز فيه ما تريد من الخبر الاعلامي . وتفرد المحطات اللبنانية زوايا فضائية لمتابعة الفن وأخباره من فحص وتمحيص واحصاء وذوبان وهيام ووجد وعشق وغرام وتخصص سهرة لمقابلة مع فنانة رنانة هيفاء باسمة لطيفة قدها ممشوق وخصرها معتوق ونحيف وردفها عنيف منحوت وفق المعايير الأوروبية والانكليزية والألمانية .
ولم يغير المزاج اللبناني إلا المظاهرات العنيفة التي تجتاح الساحات والشوارع اللبنانية بفرادتها وغزارتها واتحادها وشمولها وتنوعها ولم يعكر صفو الشارع اللبناني ويزيده غما وهما إلا حرق الدواليب في الشوارع لتلوث سماء لبنان الزرقاء وتثير سخط حماة الطبيعة والبيئة مذكرة إياهم بنهر النفايات الممدود علة جانبي الطرقات .
الغريب أن ساحرات الجان والفلك السابحات ولآلهة الأولمب وزعت المظلات الملونة قبل المطر بساعات وانتخبت أفروديت لنفسها مكانا قصيا تراقب فيه جمال الشباب أصحاب الذقون القصيرة والسواعد المفتولة فقد تضيف إلى رصيدها من الرعاة السابحين نصف إله إلى هذا الكون وتلد منه آخيل جديد يملأ عليها حياتها ويؤنس وحدتها .
وقبل أن يفرش الليل خيوطة تتوزع الخيام والفوانيس الجميلة لمن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في الشوارع وتبدأ سهرات تشرين وتصدح فيروز بأغنيتها ” بعدك على بالي “.
وحتى لا نذهب في التفكير بعيدا ونلصق سبب التظاهر بنظرية المؤامرة الخبيثة تنطلق الحسناوات بين الحشود في مشاركة نبيلة للألم ويبدأن بدعوسة الأعلام الأمريكية والبريطانية والاسرائيلية تحت الأقدام .
وحدها المظاهرات من عكر صفو سهرات المحطات اللبنانية وغير ” دوزان” البث لتتحول إلى الشوارع والساحات حيث الألم والاحتجاجات على عدم حل المشكلات الكبيرة مثل نفخ الخدود واطعام القطط والكلاب . وتنطلق عدسات الكميرات بالتجوال بين المتظاهرين لتثبت على قامة هيفاء أضناها التعب والفاقة والفقر وتقف منتصبة تلو أكتاف المتظاهرين وبيدها مكبر الصوت وتعتلي منصة خشبية تغني وتتمايل بوركيها رفضا للغلاء وتطالب بإسقاط الحكومة فيتمايل مع رقصتها المئات بين الحشود الثائرة ويتعاطف معها استخبارات السفارات والعرب من المحيط إلى الخليج وتستفيق عظام بني قحطان وعدنان وكنعان من ثباتها العميق .
وفي غمرة الابتهاج والاصطهاج تبدأ الفاتنة بخلع ملابسها قطعة قطعة لتبقى بغلالتها الرقيقة أمام العيون الجائعة تقية نقية ثورية فريدة تثير الناس وتشعر بألمهم .
وما هي إلا لحظات حتى يزداد الحشد حولها وتتقاتل المحطات للانفراد بتصوير واجهتها الأمريكية المثيرة وينفجر الزئير الجماهيري الراعد فيتحد الشعور القومي اللبناني والأحزاب اللبنانية المتقاتلة ويقف منتصبا أمام حتمية التغيير التاريخية للحكومة اللبنانية فتطفح النخوة على الوجوه وتهلل الشهامة والجرأة والتصميم بضرورة التغيير.
خلعت الراقصة ملابسها وبقيت بالمايوه وأشعلت النيرات في قلوب الجماهير.
أمام هذه اللحظة التاريخية والعري الكامل والانسجام مع الذات كان لا بد من التغيير فاستقالت الحكومة اللبنانية أمام هذه المظاهرات الحاشدة ولم يعد بإمكانها الاستمرار وفق ما أعلنته في بيانها .
ترى هل يحتاج لبنان إلى ثورات ملونة أقوى وأكثر عريا تمكنه من تشكيل الحكومة التي ستقود التغيير في عصر ملوك الطوائف.
لا ندري!

لا تعليقات

اترك رد